page 1280, entry [1110]Open original source
ولايته القضاء وخبره فيها مع العامرية وسيرته قد قدمنا أن الذي ولاه القضاء، المنصور ابن أبي عامر. وكان من جملة أصحابه وخواصه، ومحله منه فوق محل الوزراء يفاوضه في تدبير الملك وسائر شؤونه. لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته، ولا فارقه في ظغن ولا إقامة. وكذلك كان حاله مع ولديه المظفر والمأمون بعده. قد تيمنوا برأيه وعرفوا النجاح في مشورته. وكان له داخل القصر بيت خاص به يأتيه آخر النهار. فيجلس فيه الى أن يخرج إليه ابن أبي عامر فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه. وربما بات عنده بالنزاهة وخفة الوطأة، حتى قيل إنه ما سأله قط على مكانته منه، حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس. بل كان يعرض ما يحتاج إليه عرضًا كالمنكر أو المستحسن، يطّرد للبحث عنها. وكانت الصلاة والخطبة أيامه لابراهيم بن الشرفي الحاكم، الى أن فلج، فجمعت مع القضاء لابن ذكوان. ولم يزل على هذا الى أن هلك المنصور، وولي ابنه المظفر فزاده أثرة. الى أن فسد ما بين القاضي، وبين وزير الدولة، عيسى بن سعيد، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها عيسى من ولد ابن السليم السفيه، فقضى ابن ذكوان بردها الى السفيه. وفسخ بيعه فالتحمت بينهما العداوة، وعمل عيسى في طلب ابن ذكوان وجوه الحيلة، الى أن أوقع المظفر بخادمهالغالب على أمره طرفة فسعى عيسى به. وكانت لابن ذكوان من طرفة هذا ألطف منزلة. ونسب عيسى طرفة وأصحابه الى القدح في الملك. فقتل طرفة. ونكب أصحابه. واشتملت التهمة على بني ذكوان. ووجد عيسى للمقال سبيلًا، فصرف المظفر أبا العباس ابن ذكوان عن القضاء والصلاة. وصرف أخاه أبا حاتم عن المظالم. وساء رأيه فيهما. وولى مكانه القضاء والصلاة، عبد الرحمن ابن فطيس. فلم يقم - على استقامته واستقلاله - مقام ابن ذكوان، لتبريزه. فحن القضاء إليه، وأسف الناس على فقده، وحسن رأي عبد الملك عما قريب فيهما. فصرف أبا العباس الى خطته، بعد تسعة أشهر من عزله. بعد إلزام ورغبة، فازداد رفعة الى رفعته وسمت حاله عند المظفر، سيما عند اتهامه وزيره عيسى عدو ابن ذكوان بالقدح في دولته، وبطش المظفر به وقتله إياه. ففرغ مكانه لأبي العباس، واستراح منه. فلم يجر شيء من أمر المملكة إلا عن مشورة ابن ذكوان. الى أن هلك عبد الملك المظفر ووليَ أخوه عبد الرحمن. فرفع منزلته جدًا. وولاه الوزارة مجموعة الى القضاء. ولم يجتمعا قبل لأحد بالأندلس قبله. ولا خطط لقاضي القضاة بها أيضًا لأحد قبله. وإنما كانوا يتخططون بقضاء الجماعة. وانقرضت دولة بني عامر بقيام المهدي ابن عبد الجبار المرواني عليهم أول ملوك الفنتة. وكان أحقد الناس على ابن ذكوان، بخاصة تقربه من العامرية، ناقمًا عليه أحكامًا أمضاها عليه في قضائه، فتوق عنه لجلالته في قلوب الخاصة والعامة، والتماسًا للعثرة، الى أن عوجل المهدي فمضى لسبيله، ووقي شره. إلا أنه أزال عنه اسم قاضي القضاة. واقتصر به على قضاء الجماعة.قال: وكان ابن ذكوان ضابطًا للحق، صليبًا فيه، لا تأخذه لومة لائم. وكان الناس والخصوم يلتزمون في مجلسه من الوقار وغضّ الصوت الغاية. وكانوا يقربون إليه الأول فالأول بأسمائهم، قد قيد ذلك في جريدة فمن ضاق عنه أول يوم الوصول، دفعت إليه رقعة ترتبه للغد، على الرسم القديم للقضاء. ومن نوادر الخبر أن أبا بحر أنس بن أحمد بن فرج الجياني الشاعر، خاصم عند أبي العباس وقتًا فجعل يرفع صوته، ويستطيل، ويحسر عن ساعديه، بخلاف الرسم، فنهاه أبو العباس عن ذلك وأمره بقبض ذراعه. فلما انقضى المجلس ناوله أبو محمد رقعة لوقته فيها: أسأت أبا العباس تأديبًا … فاتك معامله وقف علي فتكات تؤنبني إن لاح مني ساعدي … مبسم في ظهر كل شدات ولست من الصنف الذي قيل فيهم … ولم تك إن أنصفتني بصفاتي يخبئن أطراف البنان من التقى … ويخرجن شطر الليل معتجرات فلما قرأها ابن ذكوان وجم. وقال: تكلم بكلتا يديك ورجليك فلا حرج عليك.