page 1268, entry [1100]Open original source
ذكر محنته ﵁ قال ابن العطار: رأيت في المنام قبل محنتي كأني أنظر في المرآة، فأرى في جبهتي سطرًا مكتوب: أنظر لنفسك أيها الإنسان … سينالك النقصان والشنئان وكنت أرى نعشًا يحمل، وموضع الجنازة قلم كنت أكتب به عرفته، فكان يدفن في القبر ويصلي عليه، فترحمت لذلك حتى جرت الحادثة، وكان السبب في مطالبة ابن زرب له ومساعدة أعدائه عليه، أن ابن العطار سبق بالفتح عليه يوم الجمعة في خطبته لتوقف عراه. فقال ابن زرب: وكفوا ألسنتكم عن الرفث، فلم يكد يقف، حتى قال ابن العطار: قبيح القول. وكانت معهودة من كلام ابن زرب: فنظره ابن زرب شزرًا وقال: ودور الكلام وما عاد لتلك اللفظة الأولى بعدها في خطبة. ومضى في خطبته، وقد توقد عليه غضبًا شغله في الصلاة. فأسقط من القراءة ففتح عليه ابن العطار أيضًا. فكانت حسبة مغيرة عليه. فأنكر ذلك من فعله وقال: هل سمعتم بخطيب فتح عليه، كان ذلك الكلام لا يبدل، أو نحو هذا. وسعى ابن العطار في استصلاحه فلم يقدر واستمسكت مديدة، لحسن رأي ابن أبي عامر فيه، الى أن سقط عنده، لقيه فأسلمه لابن زرب وأصحابه. وكان ابن العطار قد رد على ابن أبي عامر قولًا قاله، وذلكأنه حكى حكاية قال فيها: فلقنه بعينه أي أصابه - بالقاف - فنظر ابن العطار لخطابه ولم يكن يصبر عليها لشرهه. فاستطر بذكر حكاية من ذلك المعنى فلقنه بعينه - على الصواب - ففطن ابن أبي عامر لمراده وقال: لو علمنا سقوط الهيبة لاشترطنا حسن المجالسة، يدخل مَن على الباب من أرباب اللغة، فإذا بصاعد قد مثل فسأله، وقد كان الأمر ألقي إليه، فقال: يقال بالقاف والفاء والقاف أشهرهما فأخذ ابن أبي عامر حجة، وأقبل على توبيخ ابن العطار وتبكيته، وأمر بإخراجه، ومكن منه أعداءه، فقاموا في ذلك وحمل ابن زرب على كشف معايبه، الشاهد بما عندهم. فأتوا من ذلك بما أراده، إلا قومًا منهم ابن المكوى، وابن صاعد فأبوا ذلك وأنكروه. وسجل شهادتهم تلك وقد حوت عظائم من الجرح، اقتضت إسقاطه عن الشورى، والشهادة، وأمضى ذلك ابن أبي عامر عليه وأوعد عليه بالانقباض عن الناس وإغلاق بابه. فجرى عليه مكروه عظيم ولم يزل ابن المكوى يذكر ما جرى عليه، ويتشنع ما شهد به عليه فيه، حتى غمص ابن زرب بسببه وقال: رفعه لغير الله ووضعه لغير الله. وقال حين دعي للشهادة: ما أعلم فيه جرحة أشهد بها، مع أنه كان يؤذيني في مجالس الشورى بلسانه. ولما نفذ السجل عليه كتب الى المنصور ابن أبي عامر: بالله والحاجب المنصور أعتصم … من حاسد وبنصر الله أنتقم الظلم فيما رويناه ونعلمه … يوم الحساب على أربابه ظلم والإفك والبغي معدولان عن رجل … له حشاشة دين أو له كرم هل من رأى عجبًا مثلي ومثلهم … بأن تعاور الغربان والرخم وما لنا عندهم ذنب سوى حسد … نيرانه داخل الأحشاء تضطرموهي طويلة، تشكى فيها للمنصور، مدحه، وتلطفه، فدس فيه الوتد - عدوه - بيتًا في ذم القاضي ابن زرب أحفظه، وكان يقول: لو كنت شاعرًا لأجبته. فأجابه الوتد على لسانه في الروي والقافية، ناقضه فيها وأفحش له. ويقال إن ابن أبي عامر لم يهنى عليه ما بلغ منه، ولكنه استحيى قاضيه ابن زرب، ولم يمكنه من الحمية، واستأذن للحج فأذن له فرحل وقضى فرضه. واجتمع في طريقه هذا بجماعة من علماء الأمصار، فاعترفوا بفضله. وذكر في كتابه وجرت له معهم أثناء ذلك قصص من هنياته. فيحكي أنه سأل أبا محمد ابن أبي زيد ﵀، بالقيروان يومًا عن صلاة الناس بصلاة الإمام على قعيقعان وأبي قبيس، فأجابه بالجواب المنصوص في المسألة، أنه لا يجوز، فسأله من قال هذا، أو كيف قال؟ فاحتج له بنص المسألة في المدونة وكررها. فقال له: إنما وقعت مسألة المدونة، إذا صلى المأموم هنالك بصلاة الإمام في الحرم. ولم أسألك عن هذا، وإنما سألتك عن مسألة إذا كان الإمام والمأموم جميعًا هنالك، وهذا ما لا يخالف فيه أحد ولا يمنعه. ففطن الشيخ لما أراد من تعنيته، وأضرب عن كلامه في المسألة، إذ لم يظن هذا. وإنما أجابه عن المسألة المعروفة. ثم انصرف الى الأندلس. وقد مات ابن زرب، وقد كملت خصاله، ونقصت شكاسة خلقه، وكبر منه، واعتدلت حاله، فلاطف ابن أبي عامر فانفسح له، ورحب به فحكي أنه قال يومًا لأهل مجلسه، إثر خروج ابن العطار: إني لأستحي من هذا الرجل، ولوددت لو تهيأ صرفه لحاله، وإباحة المسلمين الانتفاع به. فقال له بعضهم: وما يمنع من ذلك إذا أردته. قال: وكيف يحل تسجيلابن زرب؟ فقال المتكلم: ليس يحل، ولكن يعارض بالشهادة لابن العطار باستقامة أحواله، وزيادته في الخير بعد التسجيل، وأنه أهل الفتوى فأنفذ الى ابن الشرفي، صاحب الشرطة النظر في القصة، فأظهرت وثيقة بصلاح ابن العطار، وأعيد الى طريقته، وصحة نزوعه عما نقم عليه، واقتدائه بالسلف. شهد فيها ثقاتهم وعلماؤهم. وقل من توقف عن الشهادة فيها وأثبت ابن الشرفي، ورفعت الى المنصور، فجمع أهل العلم فرأوا إسقاط السخطة عنه، ورده الى أفضل أحواله فنفذ. وعهد المؤيد الى القاضي ابن برطال، فأعاده الى حاله، واستقل من نكبته، ولزم القاضي وكبر عنده، ولولده ألّف كتابه في الوثائق المعروف، وأفرده ابن أبي عامر بالفتوى في أمور الجناية بين العمال والرعية، وكان من أفتاه بالتجميع بجامع قصر الزاهرة، وخالف في ذلك أصحابه، والتزم الصلاة معه فيه، بقية مدته، والجلوس فيه للإقراء. وأقصر مع ذلك من غلوائه إلا فوارض يدرسها في أصحابه، خلال الفتوى، بفضله وزيادة أدبه. وكان أبعدهم له أحمد بن ذكوان، وبخاصة لما ولي القضاء. فإنه غض منه غضًا شديدًا، وجعل ينكر صرفه الى الفتوى، بعد التسجيل، وجرت بينهما خطوب، وعلا لسان ابن ذكوان أيام عبد الملك المظفر، فازدادت غضاضة ابن العطارودب ابن العطار لمطالبة ابن ذكوان أيام المهدي، فأعجلته المنية قبل تمكنه من ذلك ﵀.