page 1236, entry [1066]Open original source
ذكر فضائله وخوفه وبقية أخباره كان أبو الحسن من الخائفين الورعين المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء فقهاء القيروان المتقللين من الدنيا، البكائين، المعروفين بإجابة الدعاء وظهور البراهين. قال بعض أصحابه كان أبو الحسن إذا دخل محرابه وانتفخت عيناه واحمرت، ولجأ الى الله ﷿ ورأينا ذلك منه انتظرنا إجابة دعائه، وكانت الى ثلاثة أيام، وكان بالمهدية نصراني ابن أخ لخاصة باديس صاحب القيروان فافتض هذا النصراني صبية شريفة، فلما سمعت بذلك العامة رجعوا إليه فقتلوه، وبلغ ذلك باديس فعظم ذلك عليه، وأرسل قائدًا بعسكر الى المهدية، وقال لهم: اقتلوا من هو قد السيف الى فوق، وبلغ ذلك أبا الحسن، فدخل المحراب وأقبل على الدعاء في كشف هذا، فلما وصل القائد الى قصر مسور قرب المهدية بات فيه فقام بالليل وهو سكران يمشي على السطح فمشى في الهواء وسقط على رأسه وانتثر دماغه، وجاءت البرد الى باديس بذلك، وأعلم بدعاء الشيخ أبي الحسن فرعب لذلك، وقال لابن أبي العرب وكبراء رجاله: تمشون للشيخ. فلما ضربوا عليه بابه وأعلم بهم، قال: تمضون للجامع حتى يأتيكم العلماء - ولم يدخلهم داره - ووجه الى أصحابه أبي بكر ابن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي، وأبي القاسمابن الكاتب، وأبي محمد اللوبي، وأبي عمرو ابن العتاب، والخواص، وابن سفيان، وأبي عبد الله المالكي، ومكي الفارسي، وابن الأجدابي، والربعي، وابن سمحان، وغيرهم، وأملى عليهم رسالة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم بالله أستعين، وعليه أتوكل. الغوث الغوث الغوث بما حلّ بالمسلمين من الافتئات عليهم، ثم ينادي بمثل. وفي فصل منها: كيف يحل لمن يعتقد الإسلام أن يقوم في دم كافر اغتصب صبية من سلالة المصطفى ﷺ. لو انطبقت السماوات والأرض من أجل هذا الفعل كان قليلًا. وهي رسالة طويلة. وقال لأصحابه إذا وصلتم الى الجامع فليقرأها واحد منكم على المنبر ممن له صوت. ففعلوا ذلك فجعل القواد يقول بعضهم لبعض والله ما السلطان إلا هذا الشيخ. ذكر البيري أنه رآه قد اجتمع مع عيسى بن ثابت العابد يومًا فتذاكرا وبكيا حتى سقط كل واحد منهما على ظهره. وذكر أن رجلًا من أصحاب أبي إسحاق غره القمر ليلة فبكر فأخذه الحرس بالقيروان فاستغاث به وأعلمهم أنه ضيف أبي الحسن ومن أصحابه، فلم يلتفتوا إليه، وحملوه الى السجن وأودعوه الحديد، وأطلع رجل من غرفة على ذلك، فلما أصبح، أعلم أبا الحسن بحال صاحبه، فقال له اذهب فأخرجه من السجن، وثق بالله، أو كما قال، فذهب الرجل فدخل الى السجن حتى وصل الى الرجل دون أن يعترضه أحد، فوجد الرجل في ثقل الحديد، فلم يقدر الرجل على الخروج في حديده، فرجع الرسول الى أبي الحسن فأخبره، فقال له: اذهب بحداد يحل عنه، فأخذ الرجل معه حدادًا حتى حلّ عنه حديده في السجن، وخرج ثلاثتهم، وحراس السجن ينظرون إليهم فلا ينكرون عليهم شيئًا مما صنعوه، وكأنهم لا يرونهم، وكأنهمألقي إليهم النسيان فلم يعرف من جهة الحرس من القصة خبر، قال أبو عمرو المقري في طبقات القراء وذكره فقال: أخذ عن ابن الدهن، وأقرأ القرآن بالقيروان دهرًا، ثم قطع القراءة لما بلغه أن بعض أصحابه استقرأه الوالي فقرأ عليه، ودرس الحديث والفقه الى أن رأس فيهما، وبرع الى أن صار إمام عصره وفاضل دهره، وذكر أن أبا الحسن سأل أصحابه يومًا في رمضان عما كان إفطارهم عليه ليلة يومهم فأخبره كل واحد منهم بما كان على قدر وسعه، فقال أبو القاسم البرادعي: أفطرت على ثريدة خروف بأطراف سلق وحمص، وبعد ذلك إسفنجة، فقال له أبو الحسن: والله يا خلف لا صلحت أبدًا ما اجتمع هذا من حلال قط، ولم يكن أبو الحسن قابسيًّا وإنما كان له عم يشد عمامته مثل القابسيين فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل، وتوفي أبو الحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعماية، ودفن بباب تونس، وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير، مولده في رجب لست ليال مضين منه سنة أربع وعشرين وثلاثماية، وكانت رحلته الى المشرق وسنّه اثنتان وخمسون سنة.