page 966, entry [695]Open original source
ذكر فضائله وأخباره رحمه الله تعالى لما حج في زمن كافور، دخل الجامع بمصر، فوقعت عليه عين ابن القرطي فقال: هذه مشية فقيه. وكان قد فاتته صلاة العصر، فأحرم، وابن القرطي ينظر إليه، فقال: احرام فقيه. فلما صلى كان بجواره، رجل من أهل العلم، فتحدث معه، ثم قال: كيف رأيت مصر؟ فقال: رأيت ظلمًا ظاهرًا. وكان قد حُبس. فقال الناس فرفعت رقعة بمقاله، الى كافور. وكان يجلس يوم السبت للمظالم، ويجلس معه الفقهاء، وفيهم ابن شعبان. فلما جلسوا أُتي بالرقة. فقال كافور من المتكلم بهذا؟ وكانالخبر وصل الى ابن شعبان، وحرض على رؤيته. فقال ابن شعبان: هو أبو العباس الإبياني، ما عدى النيل منذ خمسين سنة أعلم منه. فقال كافور: يطلق. فقال الناس، يبيعون في السوق إن شاءوا ومما أردنا اشترينا. فكثر دعاء المغاربة لأبي العباس. وعرف أبو العباس بمقال أبي إسحاق. فركب إليه. فلما رآه أبو إسحاق، وثب من مجلسه، فأجلسه فيه. ثم ذاكره في أشياء. ثم قال له: أنت اليوم ضيف. فقال له أبو العباس: تعلم أنه لا ضيافة على أهل الحضر. فقال أبو إسحاق: قال ابن عبد الحكم: عليهم الضيافة. ثم قال أبو إسحاق: وهل لك في لمذاكرة. فقال له: ذلك إليك. فقال له: أو ندع للصلح موضعًا. فقال له ذلك إليك. وقيل إن أبا إسحاق ألقى عليه، لما أكمل الصلاة في الجامع، عشر مسائل. فأجابه في تسع، وأخطأ في العاشرة. وقال بعضهم: بل ما أجاب به، كان الصواب. والمسألة: المدبّر يقرّ بالجناية في حياة سيده، ثم يموت سيده. والجواب فيه: أنه ينظر، فإن كان قد اختدمه سيده، بمثل ما يختدمه المجني عليه، في حياته، فلا شيء على المدبر، وإن كان اختدمه السيد بمثل نصفها، بقي عليه نصف الجناية. وعلى هذا الحساب قال عبد الله بن أبي رزيق. قال أبو العباس: تحبّ إن نفاه قلت: نعم. قال: فلتكن نفسك عندك أهون من الزبل، الذي على المزبلة. وكان اسماعيل أشخص فيه ليوليه القضاء. فعرضه عليه، فامتنع. فأوقفه اسماعيل أيامًا، يقتفي أمره، ويدسّ عليه من يسمع كلامه، وأدخله على نفسه. فدخل عليه في زي بدوي، حافيًا، ونعلاه في يده. وكان قد سبق الى السلطان، من قدم من أحواله. فلما رآه السلطان بتلك الهيئة، صدّق ماقاله القائل. فعرض عليه، فامتنع، فعافاه. وخرج من عنده عشاء متوجهًا الى تونس، لحينه. مخافة أن يبدو في أمره. فعافاه الله. وقيل إن الذي أراد أن يوليه القضاء معدّ، وكان غداء أبي العباس نصف حجلة تثرد له في نصف خبزة. وكان متحفظًا في طعامه. كثير الحِمية. ورأى رؤيا تدل، أن في طعامه شيئًا. فسأل عن الخبر، فلم يجد شيئًا. فإذا بالأندُر الذي ذري فيه قمحه، غير حسن الأصل، فتحفظ بعد ذلك. وكان متواضعًا، كثير التواضع. وكان إذا قيل له الفقيه. يقول: لقب لقبنا به. وحكى أنه يعقد السّفافل في وجهه، ازراء بنفسه، وتحقيرًا لها. وقد سئل يومًا عن فقيهين من أصحابه، وتلاميذه، وهما أبو القاسم بن زيد، وسعيد بن ميمون. فقيل له: أيهما أفقه. فقال: إنما يفصل بين عالمين من هو أعلم منهما. وكان رحمه الله تعالى: يقرأ السبع، كل يوم. وما استكمل حفظ القرآن، إلا وهو ابن سبعين سنة. قال بعضهم: كنا عند أبي العباس، حتى أتى عطية الجزري العابد. فنظر يمينًا وشمالًا، ثم انصرف وهو يقول: ما هنا من أصحابنا أحد. فصاح أبو العباس عليه. فرجع. ثم قال له: وما نحن من أصحابك، واندفع في البكاء. ويكرر قول عطية. ويقول من أين أكون من أصحابك؟ وأنت تأتي القيروان، وعليك تليس، وطرابلس وعليك تليس، ومصر وعليك تليس، ونحن نتخذ للحاضرة ثيابًا، لا نلبسها للبادية. وقيابًا للبادية، لا نلبسها للحاضرة. ونتزين ونتطيّب. ويبكي وعطية يقول: يا شيخ: لا تفعل. فأنت إمامنا في ديننا، بك نقتدي، في أمورنا. وكانت له فراسة. لا يكاد أن يخطئ. يذكر أنه قال لأبي الحسن القابسي، وهو يطلب عليه: واللهلتضربن إليك آباط الإبل، من أقصى المغرب. فكان كما قال: ودخل عليه عطية الجزري، فرحب به أبو العباس، فقال: أتيتك زائرًا، ومودعًا الى مكة. فقال له أبو العباس: لا تخلنا من بركة دعائك. وبكى. وكان مع عطية ركوة ولاقى ودًا. فخرج مع أصحابه، ثم أتاه بأثر ذلك رجل، فقال له: أصلحك الله، عندي خمسون مثقالًا، ولي بغل، فهل ترى في الخروج الى مكة؟ فقال: لا تعجل، حتى توفر هذه الدنانير، فعجبنا من ذلك. واختلاف جوابه للرجلين، مع اختلاف أحدهما. فقال، عطية جاءني مودعًا غير مستشير، قد وثق بالله. وجاءني هذا يستشير، ويذكر ما عنده. فعلمت ضعف نيته. فأمرته بما رأيته. قال بعضهم: مر عطية المتعبد يومًا برجل يزمر. فمزّق زقه. فأقبل الزامر يرميه بطوب الحزق. وعطية يقول: اللهم تب عليه. فعرف ذلك الإبياني، فقال: ضرب عطية؟ اللهم اقطع يمينه. قال الحاكي: فرأيت الزامر بعد ذلك في الطواف، فقلت له: أنت صاحب عطية؟ قال بدعوته انتفعت. فذكرت له دعوة أبي العباس فقال: ما له ولي. هلا دعا لي كما دعا عطية. وأخرج يده مقطوعة. وكتب أبو الفضل بن نصر التابرتي الى أبي العباس الإبياني شعرًا أوله: ماذا تريك حوادث الأزمان … وصروفها وطوارق الحدثان ومنها: وأشد ما ألقى وأفضح للحشا … عدم الوفاة وجفوة الإخوان هذا أبو العباس واحد عصره … وفقيهه والفائت الأقرانأنِفَت به أخلاقه عن وصلنا … وسلامنا في السرّ والإعلان إني أتيتك شاكرًا ومخبرًا … أشكو إليك حوادث الأزمان فكتب إليه أبو العباس الإبياني، رحمه الله تعالى: دهرك يا أبا الفضل ذو تغلاب … يريد العجائب بعد العجاب فكن جليس بيتك مستوحشًا … من الناس والأهل حتى الإياب وتوفي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة. وقال المالكي: سنة إحدى وستين. وهو ابن مائة سنة، غير أربعة أشهر.