page 472, entry [241]Open original source
ذكر علمه وفضله وبقية أخباره قال سحنون: كنت أول طلبي إذا تعلقت على مسألة من الفقه، آتي ابن ابي حسان. فكأنما في يده مفتاح لما انغلق. وجاء رجل إلى ابن وهب فأخبره بموت ابن غانم فاسترجع ابن وهب، فقال له من ولي بعده: قال أبو محرز: قال ما أعرفه. فأين ابن أبي حسان، فوالله ما رأيت مالكًا أميل إلى أحد منه إليه. قال أبو علي البصري: كان عبد الله بن أبي حسان غاية في الفقه بمذهب مالك. حسن البيان عالمًا بأيام العرب وأنسابها، راوية للشعر، قائلًا له. وعنه أخذ الناس أخبار إفريقية وحروبها. روى ذلك عن أبيه وكان جوادًا. قال المالكي وكان مفوهًا قويًا على المناظرة ذابًّا عن السنة متبعًا لمذهب مالك، شديدًا على أهل البدع، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم. دخل مرة على الأغلب فإذا الجعفري والعنبري يتناظران في القرآن، فقال الجعفري: هذا شيخنا أبو محمد يعنيني عليكم. فقال ابن أبي حسان للعنبري ما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بكذا بكذا. فقال: إن كان معه أبو محمد فهذا الأمير معي. فقال ابن أبي حسان ما للملوك والكلام في الدين. فأحفظ ذلك على الأغلب. ثم قال: من أتى السلطان فهو مثله. فقال ابن أبي حسان إنما أتاكم الآتي، لأنكم خير ممن هو شر منكم، ولم أتى من هو شر منكم أتاه الناس، ولم يأتوكم. وجاء رجل إلى ابن أبي حسان فأعلمه: أن داره تهدمت، وشاوره في بنيانها، ومن يبني عنده، فدفع ابن أبي حسان إليه ثلاثين دينارًا، وقالاستعن بها على بنائك. فقال له بعض ولده: أتاك يشاورك فأعطيته. قال لست ببناء وإنما تعرض لمعروفي. ولما ثار الجند على زيادة الله أغاروا على منازل ابن أبي حسان، وانتهبوها وطلبوه فاستخفى، وكان سيء الرأي فيهم، فقال شعرًا منه: أباح طغام الجند جهلا حريمنا … وشقوا عصا الإسلام من كل جانب وعاشوا وثاروا في البلاد سفاهة … وظنوا بأن الله غير معاقب وما عجب بعض الأعاجم ضلّة … نزارا وقحطان الكرام المناسب ولكن من قوم إلينا اعتزاؤهم … فبغضاؤهم فيها لإحدى العجائب ولما اشتد طلبهم له لجأ ابن أبي حسان إلى من بالسّوس من قومه يحصب، من جملة الجند الجائرين. ومتّ إليهم بالنسب واستجار بهم، فأجاروه، وأمنوه. فما ظفر زيادة الله بعد بالقيروان، جمع العلماء فسألهم في حال الجند القائمين علي، فعرّفوه ما في العفو، ورغبوه فيه. فقال ابن أبي حسان: العفو مفسدة، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين. ويقال بل أنشد: من لم يؤدبه الجميل … ففي عقوبته صلاحه فقال أبو محرز القاضي، وقال غيره: العفو أقرب للتقوى. وقال لابن أبي حسان: من أجل شويهاتك أو رمنكاتك، تستحل دماء المسلمين. ووجد هؤلاء الكوفيون أعداؤه السبيل إلى التشنيع عليه، عند الجند والعامة بهذه الكلمة. فحفظت عليه وسقط بها. وقيل وعمد كل من سمع منه علمًافكتبه عنه، فقطعها على باب داره، وأصبح على باب داره منه شيء كثير، واعتذر عنه من أنصف، إنما أراد فتّاك الجند الذين أفسدوا البلد. قال ابن أبي حسان: رأيت هارون الخليفة وهو يسعى بين الصفا والمروة، فمشى في بطن الوادي ونسي السعي، فلما جاوزه ذكر فرأيته رجع القهقري، حتى رجع إلى ما دون بطن الوادي، ثم سعى في بطنه واستدرك ما فاته، فأعجب ذلك من حضره من العلماء. ولما أصلح زيادة الله جامع القيروان، قال ابن أبي حسان: عاد المسجد مضريًا. لأن مختطه عقبة القريشي، وزيادة الله تميمي وهما مضريان. وكان حسان بن النعمان الغساني، ويزيد ابن حاتم الأزدي، قد جدداه قبل زيادة الله، فقال له: ابن أبي حسان: إبل عثرت أحلاسها. وقال له مرة: محونا أثاركم من الجامع. وقال: الأصل لنا، والفرع لكم. قال ابن أبي حسان وجه إليَّ زيادة الله، وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحله وأسد يحرمه. فقال ما تقول في النبيذ الشديد، فقلت قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك وهما فقيها البلد يتناظران فيه. فقال لا بد لك أن تقول أنت. وقال لهما: اسكتا فقلت أعوذ بالله عقل يساوي ألف درهم، يزيله من النبيذ ما يساوي درهما. وقال لي: ثم يعود. قلت بعد انكشاف السوءة للأم، والعورة للأب، وفي رواية: بعد أن قاء في لحيته، وكشف عورته لأهله وقتل هذا. وضيف هذا. قال: صدقت. كذا ذكر أبو عليالبصري، ومحمد بن حارث هذه الحكاية، وإن كان بعضها على نحو ما ابن حارث. ولا أدري كيف هي، إذ لا خلاف بينهم أن المسكر منه حرام. وتوفي ابن أبي حسان سنة سبع وقيل ست وعشرين ومائتين. وقال ابن سحنون: مات وهو ابن سبع وثمانين سنة. مولده سنة أربعين ومائة والله تعالى أعلم.