page 1704, entry [1201]Open original source
ذكر فضائله وزهده والثناء عليه قال أبو عبد الله الخراط: كان [¬٦] تورع عن الحرث في أرض الحمى، لكفايته من غيرها. قال أبو بكر بن خلف: أخبرت أنه كان لا يهدأ ولا ينام الليل أجمع، يقرأ [¬٧] ويبكي، ذا خوف وإشفاق.حكى الشيخ أبو الحسن القابسي، أن بعض سكان القصر الذي كان يسكن فيه الكانشي، قام فسمعه يقرأ في "سبحان"، فلما كان آخر الليل وجده قد ختم، ثم أخذ في النياحة والبكاء، ثم قال: أتراك بعد الدرس للقرآن تحرقني … يا ليت قد أدرجت قبل الذنب في كفني ثم عاد إلى النياحة والبكاء إلى أن طلع الفجر [¬١]، ثم أقبل يقول: وعزتك وجلالك، ما عصيتك استخفافا بحقك، ولا جحودا لربوبيتك، لكنى حضرني جهلي، وغاب عني [¬٢] حلمي، واستفزني عدوي، وإني عليها يا إلهي لنادم. قال القابسي: ما رأيت أخير من أبى الحسن [¬٣]، وكان أكثر [¬٤] ما يقطع ليله بتلاوة القرآن والنياحة والبكاء، ولقد غلب عليه الحزن حتى صار ضحكه كالبكاء وكان قد ورث من أبيه مالا وضيعة وتبرا [¬٥]. (خرج) من جميع ذلك، وتصدق به، فقيل له في ذلك، فقال: حضرت معه وأنا صبي - وحوله شيوخ المنزل، فكتبوا أسماءهم في شقاف لضيافة الأعوان، وأخذ أبي شقفة، وقال للأعوان: خذ اسم فلان، وضيافتكم اليوم عليه. فلم تطب نفسي أن آكل من ميراثه حبة. وكان يقول: إذا تكلم على مسألة من العلم: لو أدركني عيسى بن مسكين. ما رضي مني بالسجن حتى يقيدني. وسأله رجل عن مسألة من الفقه [¬٦]، فقال: امض بها إلى الفقهاء فسلهم [¬٧].فلما خرج الرجل، قال: ردوه، والله الذي لا إله إلا هو لولا آية (¬٢٨) في كتاب [¬١] الله ما أجبتك، ثم أجابه. وكان إذا أعجبه شيء من أحوال بعض من يصحبه، قال: والله لأسرنك [¬٢] في نفسك! فيقول له [¬٣]: بماذا؟ فيقول [¬٤]: بحسن الثناء عليك. فقيل له: فأين الحديث: "احثوا التراب في وجوه المداحين". فقال: قد قال ابن عباس [¬٥]: إنما ذلك إذا مدح الرجل في وجهه بما ليس فيه، وإلا فواجب مدح الرجل في وجهه بما يجرى من حسن أفعاله. وأتاه رجل ممن يلوذ بالسلطان، فلما رآه لف رأسه في تازيرة، واضطجع إلى الأرض، فوقف عند رأسه، فسلم عليه، فلم يرد عليه¬ السلام [¬٦]، فقال: أيها الشيخ! والله الذي لا إله إلا هو، ما أعتقد إلا ما تعتقد، وما دخلت في هذه الدعوة. فأزال عن بعض [¬٧] وجهه وقال: الآن رق لك قلبي بعض رقة [¬٨]. ويذكر أنه كان يضرب الطوب بيده ويعده لقبره، فكان يسأل فيه (فيعطيه) [¬٩]، فكثر عليه هذا [¬١٠]، فضرب طوبا، وبنى منه في بيته كالمذود.وكان يقيم بيته بالتبن وينام فيه، فأتاه بنو أبي الحسين، فلما أخبر بهم، دخل المذود وتغطى بعباءته، فدخل القوم، فسلموا وسألوا عنه [¬١]، فأشار لهم خادمه إلى أنه راقد، فقال: سبحان الله! تكذب؟ ففطن القوم لكراهته [¬٢] لقاءهم، فتقدموا إليه وقالوا له: والله ما نحن إلا على الإسلام والسنة، وما تقربنا من السلطان إلا لندفع [¬٣] عن أنفسنا الظلم. فكشف عن وجهه وقال: الآن لان لكم [¬٤] قلبي - ودعا لهم. وذكر أنه أخرج كتبه يوما بحضرة الناس - وجلس وسطها [¬٥]، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني إنما [¬٦] جمعتها ليؤتى إلى هذا الوجه القبيح في مسألة، فأحرقني بالنار. ولما مات لم يوجد له إلا دينار ونصف كفن به [¬٧]. ولم يكن في بيته حصير، فقيل له في ذلك: قال: أنا اليوم في البيت، وغدا في القبر. وجرده [¬٨] العرب في طريق الحج، فأعروه، فدفع إليه جمال معلف جمل، فاستتر به، فلما اشتد عليه الحر، رفع صوته [¬٩] وقال [¬١٠]:أحببت نجواهم ثم بلوتهم … فأكثرت بلواهم لكي يتضرعوا وإذا دعوك رفعت نحو دعائهم … حجبا لغير [¬١] دعائهم لا ترفع