page 1472, entry [916]Open original source
ذكر فضائله وزهده وكراماته قال الوراق: كان أبو الفضل يخبز قوته ويثرده سخنا بالزيت، ويجعله في إناء، ويفطر كل ليلة على شيء منه، وكان يسرد الصيام طول عمره، ولقد أقام أربعين سنة ما طبخ قدرا ولا أوقد في بيته سراجا، وكان سبب سبب ذلك أنه رأى خادما يعالج القدر في يوم ريح، والحطب أخضر، ودموعه تسيل، فقال: دعها والله لا طلعت لي قدر على نار ما بقيت في الدنيا. وذكر أنه لم يكن في بيته غير كتبه، وجلد صوف وركوة (¬٥٣٣). وكان يقول: إنما يريد البقاء في الدنيا من يتلذذ بالطعام والنساء والنوم، وأنا والله قد (¬٥٣٤) عدمت لذة (¬٥٣٥) الثلاث. قال بعضهم: حملت لأبي الفضل هدية، عسلا وسمنا وكعكا، وقلت له: هذه هدية مني إليك. فقال: أسأل الله تعالى أن يعظم ثوابك، اليوم لي ثلاثون سنة ما أكلت من هذه الطرائف شيئا، إنما وظيفتي من الشهر إلى الشهر بقيراط شعير، وإنما يتنعم (¬٥٣٦) الناس ويأكلون غدا، لم أسكن هذه الحصون لآكل بديني، فرقها على الضعفاء.ففعلت، وأخرجت إليه خريطة بدراهم، فقلت: فرق هذه على من يستحقها. فقال: لا أفعل، إنما أفرق مالي، وأما مالك فأنت تسأل عنه. وذكر (¬٥٣٧) أنه اشتهى تينا أخضر، فلما رأى الذي اشتراه له من بعيد، قال: اذهب عني. فراب الرجل ذلك، ورجع إلى بائعه فسأله عنه، فإذا هو (¬٥٣٨) من أرض مغصوبة لكتامى يسخر فيها الناس (¬٥٣٩). فرجع إلى أبي الفضل، وقال له: لم رددتني (¬٥٤٠)؟ فقال: والله ما خيل لي أن اشتريت إلا خنزيرا. قال بعضهم: كانت لي بنية ابيضت عيناها من الجدري، فغمني ذلك، فجئت لأبي الفضل، فوجدته معدلا عن الطريق، ورأسه بين ركبتيه، فسلمت عليه وأخبرته بقصتي، فقال: إذا كان غدا هذا الوقت فأتني بها. فمضيت عنه، فسمعته يقول: أخطأنا الطريق. ثم صاح بي فقال: لا تحركها ولا تأتني بها، أتاها الله بالفرج من حيث لا تدري ولا تشعر. ثم أتيت إلى الدار، فوجدتها نائمة، فأيقظتها، ففتحت عينيها، فإذا هما أجمل (¬٥٤١) ما كانتا ليس بهما بأس. وقيل له: فلان يتكلم فيك. فقال: إنما مثلي ومثله كمثل رجل حمل لضرب عنقه، فقذفه رجل في الطريق، فقال لنفسه: أنت تحمل للقتل، تسأل عمن يقذفك؟ وأناسائر (¬٥٤٢) إلى الموت، لا أدري متى يأتيني، أسأل عمن يتكلم في؟ في الموت ما يشغلني عن ذلك. وله كلام في الرقائق والعبادات، وكان محبا في الموت، ذكر له يوما فاستبشر ضاحكا وقال: لو علمت أحدا مجاب الدعوة لسألته أن يسأل الله لي في الموت، وكيف لا أحب الخروج من دار فيها إبليس والفتن، إلى دار أرجو فيها الاجتماع بمحمد ﷺ. وذكر أنه دعا على نفسه بالموت. ولما احتضر قال لبعض أصحابه: سنوا علي التراب، ولا تزيدوا على تراب قبرى من غيره، "فإني رويت (¬٥٤٣) في بعض الآثار: أنه إذا زيد في تراب القبر من غيره" (¬٥٤٤) لم يسمع الميت الأذان والزوار. وتوفي ﵀ سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ورثاه بعضهم بقوله: بقصر المنتسير المبارك عالم (¬٥٤٥) … نزيل غريب الدار يكنى أبا الفضل أنار حصون (¬٥٤٦) الغرب بالعلم فاهتدى … رجال به كانوا من الدين في جهل * وينثر در العلم في كل مشهد (¬٥٤٧) … وينصح للإسلام بالحق والعدل * * *