page 1290, entry [712]Open original source
ذكر علمه وفضله قال ابن أبي دليم: كان ابن وضاح إماما ثبتا، وقد ألف ابن مفرح في مناقبه ورجاله كتابا. قال ابن الفرضى: كان ابن وضاح عالما بالحديث، بصيرا به، متكلما على علله، كثير الحكاية عن العباد، ورعا، فقيرا، زاهدا، متعففا، صابرا على الإسماع، محتسبا في نشر علمه، سمع الناس منه كثيرا، ونفع به أهل الأندلس. قال أحمد بن سعيد: لم يختلف علينا أحد من شيوخنا أن ابن وضاح كان معلم أهل الأندلس العلم والزهد، وكان أحمد بن خالد لا يقدم عليه أحدا ممن أدرك بالأندلس، ويعظمه جدا، ويصف فضله وعقله وورعه، غير أنه كان ينكر عليه كثرة ردة في كثير من الأحاديث، كان كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي ﷺ وسلم في شيء، هو ثابت عنه من كلامه، وكان له خطأ محفوظ. قال: ولم يكن له علم بالفقه، ولا بالعربية. قال غيره: كان المجاوب عنه أحمد بن خالد. وقد ذكره ابن أبي دليم والشيرازى، في هذه الطبقة من فقهاء المالكية. قال الشيرازي: وتفقه بسحنون، وشيوخ المغرب. وقال وهب بن مسرة: قال لي ابن وضاح: ختمت القرآن في عشرين يوما من شهر رمضان، ستين ختمة، وكان في نفسى أن أختمه أكثر من مائة مرة، فمرضت في العشر الأواخر. قال ابن عبد البر: كان ابن وضاح حليما، طيب الخلق، صبورا على الجفاء، سمحا بعلمه، لا شغل له غير العبادة ونشر العلم، وكان يختم فيرمضان، في مسجده تسع ختمات، ويصبر على الصلاة قائما، لا يأتي الحكام ولا الأمراء إلا عائدا، منقبضا عنهم، وكان لا يذخر شيئا، ولا مال له، وله إخوان أفاضل يبعثون إليه أبدا ما يقوته، وكان له ابن أخت يبعث إليه كل ليلة ما يأتدم به، وكان يقسم ما يهادى به على من قصده، وكان الأمير عبد الله يفضله، ويعرف حقه، ويكاتبه فيما احتاج إليه، ويرسل فيه، فإذا أتاه الرسول ألقى على نفسه قطيفة، ثم يقول له: إني مريض، فاعتذر عنى. وذكر غيره أنه كان يواصل الأيام الخمسة ونحوها. وكان الشيوخ بالمشرق يكرمونه ويعرفون فضل علمه بالحديث، وزهده، وخيره. وكان ابن الزراد يصفه بكل فضيلة، وأنه لم ير مثله في العقل والفهم، وحفظ معاني الحديث وحسن الحكايات. قال: وكان إماما. قال: ولم أر أسخى منه، لو لم يملك غير زيتونة قاسمها مع من أتاه، ولقد عادني مرة، فأخرج إلى نصف جبنة، وقال لي: أعلم أنها لا تصلح للعليل، ولكن كرهت أن آتيك دون شيء، ولم يكن عندى سواها، فلتأكل به الخادم خبزها. وعادنى مرة أخرى، فأخرج إلى نصف سفرجلة. حكى أبو عمرو المقرى، عن أبي إبراهيم الفقيه، أن ابن وضاح لما قفل من سفرته الثانية، احتبس لسانه سبعة أيام، فكان لا يستطيع على الكلام، فقال: اللهم إن كان في اطلاق لساني صلاح لنشر هذا العلم فأطلقه. فأطلق الله تعالى لسانه، وأحيى الله به أهل الأندلس، وانتفعوا به، فكانوا يرون ذلك من أفضل كراماته.قال أحمد بن خالد: بقى ابن وضاح يوما، لا قوت له، فحركته امرأته لطلب الرزق، ولامته على لزوم البيت. قال: فخرجت وقد ضاقت على الأرض، فقلت: إلى من أقصد؟ فقصدت الله تعالى في المسجد الجامع، فكنت فيه إلى أن صليت العصر، فلما خرجت، قلت: إن رجعت إلى الدار بغير شيء ضيقت على المرأة، وفى الوقت فسحة. فنويت زيارة إخوان لي في قرية المرضى، قال: فلما توسطت القنطرة، إذا غلام صديق لي، ومعه دابة موقرة بدقيق، وجرة زيت، فقال لي: لك أقصد، فلان يقرئك السلام، وقد بعث إليك بهذا. فحمد الله، وسرت بذلك إلى دارى. وذكر عن نفسه أن الحال آلت به بمصر، إلى أن استأجر نفسه من صاحب فندق، لكنس زبل الدواب، وطرحها على رأسه. وكان له ثمانون يوما في السنة، يتورع فيها، ولا يشغل فيها نفسه بشيء، أربعون في السمائم، وأربعون في شدة البرد. قال أحمد بن خالد: كان ابن وضاح يقول لي: إني لأدعو الله لكم في سجودى أن ينفعكم الله، لأنكم إذا انتفعتم انتفعت أنا بكم. وكان يقول: أول العلم الصمت، والثانى حسن الاستماع، والثالث حسن السؤال، والرابع حسن الحفظ، والخامس حسن التخير، والسادس العمل به، والسابع الفرار من الناس، والثامن نشره، إذا لم يوجد منك بد. وكان يقول: يقال: خير الدنيا ما لم تبتلوا به منها، وخير ما ابتليتم به منها ما خرج عن أيديكم، واعلموا أن ما سقط عن أيديكم رحمة لمساكنكم، فلا تعودوا فيه.وفيه يقول أحمد بن عبد ربه: جادت لك الدنيا بنعمة عيشها … وكفاك منها مثل زاد الراكب وذكر بعض طلبته، أنهم كانوا في السماع عند ابن وضاح، في غرفة له، فدخل عليه رجل، فقال له: حضرت الآن فأصابت الصبي ابنك العجلة، ومشت عليه. فلم يكثرت لذلك، وأقبل على ما كان فيه من إمساك كتابه، وأمر القارئ أن يتمادى على قراءته. فما لبث أن دخل آخر، فقال: أبشر أبا عبد الله، سلم الصبي، إنما أصابت العجلة ثوبه، فسقط، وجازته ولم تضره. فقال: الحمد لله، قد أيقنت بذلك، لأنى قد رأيت الصبي قد ناول اليوم مسكينا * كسرة، فعلمت أنه لا يصيبه بلاء في هذا النهار، للحديث: (إن الله يدفع عن العبد الميتة السوء بالصدقة يتصدق بها). قال وهب بن مسرة: لما ودعت محمد بن وضاح، قلت: أوصنى. فقال: أوصيك بتقوى الله تعالى، وبر الوالدين، وحزبك من القرآن، فلا تنسه، وفر من الناس، فإن الحسد من اثنين، والنميمة من اثنين، والواحد من هذا سليم. وألف كتاب العباد، وكتاب المقطعان، ورسالة السنة، وكتاب الصلاة في المعلمين، وكتاب النظر إلى الله. توفى ابن وضاح في المحرم، سنة سبع، وقيل في ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائتين. وولد سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة مائتين. وكان قد شاخ وضعف آخر حاله، فدله الأطباء أن يروح نفسه، فكان يداعب ويضحك.