page 1178, entry [599]Open original source
محنته ووفاته كان ﵀ قد امتحن عند العزلة الأولى، في ولاية سليمان بن عمران. وكانت محنته الثانية الكبرى فى ولايته الثانية، بعد موت سليمان، في ولاية ابن عبدون. وكان السبب في ذلك، أنه نظر إلى ما شرعه (¬٣٧٥) ابراهيم بن الأغلب، من الفسوق و الجور، والاستطالة على المسلمين، واباحة السودان على نساء أهل أليانة (¬٣٧٦)، حين امتنعوا من بيعها منه. وقد أتت امرأة بفرعة (¬٣٧٧) ابنتها فى ثوب، فألقته بين يديه، فتوجع، وقال: ما أرى هذا مؤمنا بالله. أو هذا فعل الدهرية ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فبلغت الكلمة ابراهيم، فحقدها عليه، ثم عزله وحبسه، وولى عدوه ابن عبدون، وكان عراقيا متعصبا على المدنيين. وأمره باحضار العلماء، واخراج ابن طالب إليهم، وفيهم من كانت بينه وبين ابن طالب منافسة، ليشهدوا عليه. وجلس لذلك فى المقصورة، وجلس ابن الأغلب بقربهم، ليسمع كلامهم، وأمر القاضى بتتبع أفعاله، ومناظرته، ليفضحه على رؤوس الناس.فكان من جملة ما سألوا ابن طالب عنه، أن قالوا له: دفعت من وصية فلان إلى فلان العباسى مائة دينار، ولغيره الدينار وأقل، وهو عندك ممن لا تحل له الصدقة لأنه من بنى هاشم. فقصر في الأجوبة (¬٣٧٨)، ورد إلى السجن، فيحكى أن الشرط دفعوه، فكان يقول: يا فتيان! اذكروا النار. وقال ابراهيم لابن عبدون: أحضره يوما آخر، وأحضر جماعة الفقهاء، حتى يتبين خطأه، فأنكل به. وكان ابن الأغلب قد أحضر سعيد بن الحداد قبل، ليكون منه في ابن طالب ما كان من غيره، فأعان ابن الحداد ابن طالب، ووفى له، ودعا ابن الحداد ابنه وقال: - تذهب إلى ابن طالب، فقد علمت كيف كان بره بنا، وقد صار إلى ما صار اليه، وذهب عقله وفهمه لعظيم محنته، وإنما يعد الاخوان لمثل هذا. فكتب جميع أجوبة المسائل التي سألوه عنها، وأمره أن يحتج بها إذا سألوه، وقال له فى مسألة العباسي: انما حرمت الصدقات عليهم إذا كانوا يأخذون سهم ذى القربى، وأما الآن فالصدقة لهم حلال، لحاجتهم. وقال لابنه: احذر أن يشعر بك أحد، وقل له: يقرأها في خلوته، وجئنى بها حتى يطمئن قلبي. فحملها اليه، وجعل ابن طالب يختلف إلى المستراح، حتى وقف عليها وحفظ معانيها وتذكر ما أغفل لعظيم محنته بها وردها. فلما كان اليوم الموعود، وأحضر وسئل، أجاب عن كل ما عجز عنه في الجمعة الأولى. فاغتم لذلك ابراهيم، ورده إلى السجن، وعول على قتله.فيقال: أنه دس إليه من سقاه سما. وقيل: أحال السودان عليه، فركضوا بطنه حتى مات. وقيل: أنهم لما ركضوا في بطنه، ألقى دما عظيما من أسفله. ثم أخرجه من السجن، ووجه إليه فرسا ودواء، فأقامه في داره، ودموعه تسيل، ونفسه تتصاعد، حتى مات ﵀. حكى ابن اللباد أنه كان يقول في قضائه: اللهم لا تمتنى وأنا قاض. فمات بعد عزله بنحو شهر. قال ابن حارث: كان لما أمر ابن الأغلب قاضيه ابن عبدون، بإحضار ابن طالب، وأن يتتبع أفعاله، ويناظره، حتى يفضحه بحضرة الناس، ففعل، وجلس لذلك في المقصورة، وجلس ابن الأغلب بمكان يسمع منه، وأمر بإحضار ابن طالب، فأحضر، وأشار إليه ابن عبدون بالجلوس بين يديه، فجلس حيث أشار، واتكأ كالمتهاون. فقال ابن عبدون: وقر القضاء! فقال ابن طالب: أنا أعرف بحقه منك، فكيف لا أوقره؟ فقال له: أفمن توقيره أن تجلس بين يدى متكئا؟ فقال: نعم! إنما اضطررت لعلة. واعتذر بدماميل به. ودارت بينهما أشياء .. فكان من قول ابن عبدون: أخبرني عن فعلك في الأثلاث، من أجاز لك أن تفعل فيها ما فعلت؟ فقال له ابن طالب: وما الأثلاث؟ فخجل. فقال له ابن طالب: لعلك تريد الوصايا؟ قال: نعم.قال فإنها لا تسمى أثلاثا، لأن الرجل يوصى بالثلث والربع والتسمية، ولا يذكر جزءا، فما أنكرت من فعلى فيها؟ قال: تعطى منها عطاء كثيرا للواحد فتغنيه. فقال له ابن طالب: قد فعله النبي ﷺ. قال ابن عبدون: ذلك خاص بالنبى ﷺ. قال له: وفعله عمر. فقال له ابن عبدون: إنما تشبه أفعالك بفعل عمر! فقال له ابن طالب: فإذا كان بالنبي لا يهتدى، وبعمر لا يقتدى، وبالأمير لا يتأسى، فبمن إذن يا هذا؟ فقال إبراهيم: رجونا بابن عبدون أن يفضح ابن طالب، ففضحه ابن طالب! قال حمديس القطان: كان الأمير إبراهيم بن الأغلب، قد بعث إلى، وإلى سهل بن عبد الله القبرياني، وعبد الجبار بن خالد، وجماعة من أصحابنا، وجماعة من أهل العراق، لهذا المجلس. فدخلنا المسجد، فكنت قاعدا إلى حائط المقصورة. فخرج إلينا رسوله يقول: ما تقولون في ابن طالب؟ فتكلم فيه قوم بينه وبينهم شيء، وأوقعوا فيه شهادات منكرة. فسمعت الأمير من خلف الحائط، منكرا عليهم قولهم، يقول: ولا هذا كله! ولا هذا كله! وتحرى قوم الكلام، مثل حمديس، ويحيى بن عمر. وأثنى عليه آخرون، مثل سعيد بن الحداد، وقاسم بن أبي المنهال. قال حمديس: ولقد أحضرني إبراهيم - يعنى عند عزل ابن طالب من قضائه الأول - وأحضر إسحاق بن إبراهيم بن عبدوس، وأحمد بن أبى المنهال، وأحضر ابن طالب، والقاضى سليمان بن عمران.وقد أحضر سليمان قوما للشهادة على ابن طالب، منهم ابن عبدون وغيره. فجعل إبراهيم يسأل ابن طالب، فيحتج ابن طالب، فيرد الأمير حجته، ويتكلم سليمان بن عمران بما لا تقوم به حجة على ابن طالب، فيجعله الأمير له حجة. فلما رأى ذلك ابن طالب، سكت. قال حمديس: فرأيت أن السكوت لا يسعنى وقلت: إنما أحضرنا الكلام! فقلت: يأذن الأمير؟ مرة، وأخرى، فلم يجبنى. ثم قلت: أقول الثالثة، فإن لم يجب فهو حجة لي عند الله. فحول إلى وجهه، وقال: هات كلامك. وكان الأمير يطلبه بأمر التركة التي تولاها ابن طالب، وفرق ثلثها بتفويض الأمير، فقال له: لأضمننك جميع التركة. فقلت للأمير: خذ بما يجب. فقال لي: وما يجب؟ قلت: قال الله تعالى: "مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" (¬٣٧٩). فلو أوصى الميت ألا يدفع ما أوجب الله توريثه، لم يكن له ذلك في سنة المسلمين. فقال: إبراهيم: أمرته ألا يدفع إلى الورثة شيئا. فقلت: أمر الله فوق أمر الأمير. فقام إلى بلاغ الخادم مغضبا يهم بي، فكلمه الأمير بالصقلبية، فانكف.وقلت: وليس لك عليه سبيل إلا في الثلث الذي فوضت إليه، فإن كان أنفذه في وجوهه فلا سبيل لك عليه. وطال المجلس، وأخذ الأمير ضامنا على ابن طالب، ويخلى. فخرج ابن عمران القاضي إلى الوزراء، فشكاني، وقال: هذا نقض أحكامى. فرد الأمر فيه إليه، فرده إلى السجن، ثم عفا عنه. وكان في سجنه ومحنته في القصة الآخرة، بلغه أن إبراهيم هم فيه بأمر، فحكى أنه فزع إلى الدعاء، فكان من دعائه ومناجاته: اللهم إن كنت علمت منى أنه إذا أجلس الخصمان بين يدى، فكان في أحدهما رضاك، وفى الآخر رضا إبراهيم، أنى أوثر رضاك على رضاه، فاعصمنى منه، وإن علمت أنى أوثر رضاه على رضاك، فسلطه على. فكفاه الله ما هم به إبراهيم من تلك القصة. وقيل: أن إبراهيم نبزه في تلك المطالبة بأمر، فأوجع قلبه، فقال: اللهم أنه رمانى بذنب لم أرتكبه، اللهم فلا تمته حتى تشهره به. فأجيبت دعوته، وانكشف إبراهيم بعد. قال المؤلف ﵀: وقد وقفت في كتاب تاريخ قضاة أفريقية، على نسخ السجل الذي عزله به، وثبت عنه مثالبه ومذاهبه التي اجتلبها عليه، وفيه رميه بهذه الكبيرة المذكورة، أنصفه الله منه. وكانت وفاة ابن طالب بعد عزله بنحو شهر، سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. مولده سنة سبع عشرة ومائتين. ورثاه أحمد بن أبي سليمان بقصيدة طويلة أولها: تهورت الدنيا لموت ابن طالب … وأظلمت الآفاق من كل جانب إمام هدى حلت لنا فيه نكبة … من الدهر عظمى أصبحت بالعجائبلقاضي القضاة المرتضى في أموره … غدا اليوم أهل الدين أهل المصائب فمن بعده يرعى لنا الحق رعيه … ويظهره إظهاره بالمغارب؟ لقد كان سيف المالكين ومن به … نصال به ضربا على كل جانب وقد ذهب المامون للدين والتقى … ومن كان يرجى للندى والمواهب قال أحمد بن محمد القصرى. رأيت ابن طالب في النوم بعد قتله، فسألته فقال: وحد الله! لقد دخلت الجنة. فقلت: كيف كانت ميتتك؟ فقال: سقاني شربة، سقاه الله من صديد أهل النار (¬٣٨٠)!