page 764, entry [265]Open original source
ذكر علمه وفضله وبقية أخباره قال سحنون: كنت أول طلبي إذا انغلقت علي مسألة من الفقه، آتي ابن أبي حسان، فكأنما في يده مفتاح لما انغلق؛ وجاء رجل إلى ابن وهب فأخبره بموت ابن غانم، فاسترجع ابن وهب وقال له: من ولي بعده؟ قال: أبو محرز؛ قال: ما أعرفه، فأين ابن أبي حسان؟ فوالله ما رأيت مالكا أميل إلى أحد منه إليه؛ قال أبو علي البصري: كان عبد الله بن أبي حسان غاية في الفقه بمذهب مالك، حسن البيان، عالما بأيام العرب وأنسابها، راوية للشعر، قائلا له، وعنه أخذ الناس أخبار أفريقية وحروبها، روى ذلك عن أبيه، وكان جوادا. قال المالكي: وكان مفوها، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة، متبعًا لمذهب مالك، شديدًا على أهل البدع، قليل الهيئة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم؛ دخل مرة على الأغلب، فإذا الجعفري والعنبري يتناظران في القرآن! فقال الجعفري: هذا شيخنا أبو محمد، يعينني عليكم؛فقال ابن أبي حسان للعنبري: ما أنت وذا؟ هذا بحر عميق، عليك بكذا؛ فقال: إن كان معه أبو محمد، فهذا الأمير معي؛ فقال ابن أبي حسان: ما للملوك والكلام في الدين؟ فأحفظ ذلك الأغلب، ثم قال: من أتى السلطان فهو مثله؛ فقال ابن أبي حسان: إنما أتاكم الآتي لأنكم خير ممن هو أشر منكم، ولو أتى من هو خير منكم أتاه الناس ولم يأتوكم؛ وجاء رجل إلى ابن أبي حسان، فأعلمه أن داره تهدمت، وشاوره في بنيانها، ومن يبني عنده؛ فدفع ابن أبي حسان إليه ثلاثين دينارًا، وقال: استعن بها على بنيانك، فقال له بعض ولده: أتاك يشاورك فأعطيته! قال لست ببناء، وإنما تعرض لمعروفي؛ ولما ثار الجند على زيادة الله، أغاروا على منازل ابن أبي حسان وانتهبوها، وطلبوه فاستخفى، وكان سيء الرأي فيهم، فقال شعرا منه: أباح طغام الجند جهلا حريمنا … وشقوا عصا الإسلام من كل جانب وعاثوا وثاروا في البلاد سفاهة … وظنوا بأن الله غير معاقب وما عجب بغض الأعاجم ضلة … نزارًا وقحطان الكرام المناسب ولكن من قوم إلينا اعتزاؤهم … فبغضاؤهم فينا لإحدى العجائب ولما اشتد طلبهم له لجأ ابن أبي حسان إلى من بالسوس من قومه يحصب من جملة الجند الثائرين، ومت إليهم بالنسب واستجار بهم فأجاروه وأمنوه؛فلما ظفر زيادة الله بعد بالقيروان، جمع العلماء، فسألهم في حال الجند القائمين عليه، فعرفوه ما في العفو، ورغبوه فيه، فقال ابن أبي حسان: العفو مفسدة، ولن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ويقال بل أنشد: من لم يؤد به الجميل … ففي عقوبته صلاحه فقال أبو محرز القاضي، وقيل غيره: العفو أقرب للتقوى، وقال لابن أبي حسان: أمن أجل شويهاتك أو رميكاتك تستحل دماء المسلمين؟ ووجد هؤلاء الكوفيون أعداؤه السبيل إلى التشنيع عليه عند الجند والعامة بهذه الكلمة، فحفظت عليه، وسقط بها. وقيل: عمد كل من سمع منه علما فكتبه عنه، إلى كتبه، فقطعها على باب داره، وأصبح على باب داره منه شيء كثير، واعتذر عنه من أنصف بأنه إنما أراد فتاك الجند الذين أفسدوا البلد. قال ابن أبي حسان: رأيت هارون الخليفة وهو يسعى بين الصفا والمروة، فمشى في بطن الوادي، ونسى السعي، فلما جاوزه ذكر، فرأيته رجع القهقرى حتى رجع إلى ما دون بطن الوادي، ثم سعى في بطنه واستدرك ما فاته، فأعجب ذلك من حضره من العلماء؛ ولما أصلح زيادة الله جامع القيروان قال لابن أبي حسان: عاد المسجد مضريا، لأن مختطه عقبة القرشي، وزيادة الله تميمي، وهما مضريان، وكان حسان بن النعمان الغساني ويزيد بن حاتم الأزدي قد جدداه قبل زيادة الله، فقال له ابن أبي حسان: ابل غيرت أحلاسها! وقال له مرة: محونا آثاركم من الجامع؛ فقال: الأصل لنا والفرع لكم.قال ابن أبي حسان: وجه إلى زيادة الله، وعنده قاضياه أبو محرز وأسد يتناظران في النبيذ، وأبو محرز يحله وأسد يحرمه، فقال: ما تقول في النسذ الشديد؟ فقلت: قد علمت سوء رأيي فيه، وهذان قاضياك، وهما فقيها البلد يتناظران فيه؛ قال: لابد لك أن تقول أنت، وقال لهما: اسكتا؛ فقلت: أعزك الله، عقل يساوي ألف درهم يزيله من النبيذ ما يساوي درهما! فقال لي: ثم يعود؛ قلت: بعد انكشاف السوءة للأم، والعورة للأب؛ وفي رواية: بعد أن قاء في لحيته، وكشف عورته لأهله، وقتل هذا، وضرب هذا. فقال: صدقت؛ كذا ذكر أبو علي البصري ومحمد بن حارث هذه الحكاية، وإن كان لفظها على نحو ما عند ابن حارث، ولا أدري كيف هي، إذ لا خلاف بينهم أن المسكر منه حرام. وتوفي ابن أبي حسان سنة سبع، وقيل ست وعشرين ومائتين. قال ابن سحنون: مات وهو ابن سبع وثمانين سنة. مولده سنة أربعين ومائة.