page 744, entry [259]Open original source
ذكر أخباره في رحلته قال أسد: لما خرجت إلى المشرق، وأتيت المدينة فقصدت مالكا، وكان إذا أصبح خرج آذنه فأدخل أهل المدينة، ثم أهل مصر، ثم عامة الناس، فكنت أدخل معهم، فرأى مالك رغبتى في العلم، فقال لآذنه. أدخل القروى مع المصريين؛ فلما كان بعد يومين أو ثلاثة قلت له: أن لي صاحبين، وقد استوحشت أن أدخل قبلهما، فأمر بإدخالهما معى؛ وكان ابن القاسم وغيره يجعلوننى أسأل مالكا، فإذا أجابني قالوا لي: قل له: (فإن كان كذا وكذا) فضاق على يوما وقال: هذه سلسلة بنت سليسلة، (إن كان كذا كان كذا!) إن أردت فعليك بالعراق؛ فلما ودعته عند خروجى إلى العراق، دخلت عليه وصاحبان لي، وهما حارث التيمي وغالب صهر أسد، فقلنا له: أوصنا؛ فقال لي: أوصيك بتقوى الله العظيم، والقرآن، ومناصحة هذه الأمة خيرًا، فراسة من مالك فيه، فولى أسد بعد هذا القضاء؛ قال: وقال لصاحبى: أوصيكما بتقوى الله والقرآن؛قال: وما ودعت ابن القاسم قط إلا وقال لي: أوصيك بتقوى الله، والقرآن، ونشر هذا العلم؛ قال سليمان بن خالد: لما سمع أسد الموطأ من مالك قال له: زدني سماعا؛ قال: حسبك ما للناس؛ وكان مالك إذا تكلم بمسألة كتبها أصحابه، فرأى أسد أمرًا يطول، فرحل إلى العراق. قال: فلما أتيت الكوفة، أتيت أبا يوسف، فوجدته جالسا ومعه شاب وهو يملى عليه مسألة، فلما فرغ منها قال: ليت شعرى ما يقول فيها مالك؟ قلت: يقول كذا وكذا؛ فنظر إلى، فلما كان في اليوم الثاني، كان مثل ذلك، وفى الثالث مثله، فلما افترق الناس دعانى وقال: من أين أنت؟ ومن أين أقبلت؟ قال: فأخبرته؛ قال: وما تطلب؟ قلت: ما ينفعني الله به؟ فعطف على الشاب الجالس، وقال: ضمه إليك لعل الله ينفعك به في الدنيا والآخرة؛ فخرجت معه إلى داره، فإذا هو محمد بن الحسن، فلزمته حتى كنت من المناظرين من أصحابه؛ قال أسد: قلت لمحمد بن الحسن: أنا غريب، والسماع منك قليل، قال: اسمع مع العراقيين بالنهار، وجئنى بالليل وحدك، تبيت معى وأسمعك؛ فكان إذا رآني نعست نضح وجهى بالماء؛ورأنى يوما أشرب ماء السبيل، فقال لي: تشربه؟ فقلت له: أنا ابن سبيل. فلما كان الليل بعث إلى بثمانين دينارا. وقال: ما عرفت أنك ابن سبيل إلا الآن. فلما أراد الانصراف إلى أفريقية، لم يكن عنده ما يتحمل به، فذكر ذلك لمحمد بن الحسن، فقال له: أذكر شأنك لولى العهد؛ فلقيه ابن الحسن وذاكره أمره، ثم قال لأسد: قف بالحاجب يوم كذا يدخلك عليه، واعلم أنك حيث تنزل نفسك أنزلوك. فمضى أسد واستأذن، فأذن له، فدخل حتى انتهى إلى موضع أمر بالجلوس فيه، ومضى الخادم الذي أدخله فجاء بمائدة مغطاة، فجعلها بين يديه؛ قال أسد: ففكرت وقلت ما أرى هذا إلا منقصة، وقلت للخادم: هذا الذي جئتنى به منك أو من مولاك؟ قال: مولاي أمرني به. قلت: مولاك يرضى بهذا؟ يأكل ضيفه دونه؟ يا غلام هذا بر منك وجبت مكافأتك عليه؛ وكانت في جيبى أربعون درهما لم يبق معى سواها، فدفعتها إلى الخادم وقلت له، ارفع مائدتك. ففعل وعرف مولاه، فبلغني أنه قال: حر والذي لا إلاه إلا هو. ثم قال الخادم: ادخل، فدخلت عليه، وهو على سرير، ومعلمه على آخر، وسرير ثالث خال، فأمرنى بالجلوس عليه، فجلست، وجعل يسألنيوأجيبه، فلما قرب انصرافي كتب رقعة وختمها ودفعها إلى، وقال: قف بهذا إلى صاحب الديوان، وتعود إلى. فأخذت الرقعة وحقرتها، ولقيت محمدًا من الغد فسألني، فأعلمته فقال لي: أوصل الساعة الرقعة، ففعلت، فدفع إلى صاحب الديوان عشرة آلاف درهم، فأعلمت محمد بن الحسن، فقال لي: إن عدت إلى القوم صرت لهم خادما، وفيما أخذت عون لك. قال أسد: ورغب إلى محمد أن أزامله إلى مكة، فكأني كرهت هذا، فقال لي أصحابه: وددنا لو اشترينا هذا بعشرة آلاف درهم، فزاملته. فكنت أسأله عما أريد، وربما سألته وهو في الصلاة، فيجهر بالقراءة، يعلمني أنه يصلى، فأقول: تشتغل عنى بالصلاة وقد قطعت البلاد إليك؟ فيقطع ويجيبنى. قال محمد بن حارث وأبو إسحاق الشيرازي، ويحيى بن إسحاق - وبعضهم يزيد على بعض -: رحل أسد إلى العراق فتفقه بأصحاب أبي حنيفة، ثم نعى مالك فارتجت العراق لموته. قال أسد: فوالله ما بالعراق حلقة إلا وذكر مالك فيها، كلهم يقول مالك، مالك، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قال أسد: فلما رأيت شدة وجدهم، واجتماعهم على ذلك ذكرته لمحمد بن الحسن، وهو المنظور فيهم، وقلت له لأختبره: ما كثرة ذكركم لمالك على أنه يخالفكم كثيرًا؟ فالتفت إلى وقال لي: اسكت، كان والله أمير المؤمنين في الآثار. فندم أسد على ما فاته منه، وأجمع أمره على الانتقال إلى مذهبه فقدم مصر؛ ولم يذكر أبو إسحاق أسدًا فيمن أخذ عن مالك ولا أن له عنه سماعًا،وإنما ذكره في أتباع أصحابه، وأرى أنه لم يبلغه ذلك، وإلا فأخذه عنه صحيح مشهور. قال ابن حارث: فقال أسد عند ذلك: إن كان فاتني لزوم مالك، فلا يفوتني لزوم أصحابه.