Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أخبار الحلاج بعد حصوله في يد حامد بن العبّاس وشرحها على التفصيل إلى حين مقتله:

الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد - ط العلمية · page 3242, entry [4660]

تاريخ بغداد - ط العلمية — الخطيب البغدادي

Open narrator profile: أخبار الحلاج بعد حصوله في يد حامد بن العبّاس وشرحها على التفصيل إلى حين مقتله:
page 3242, entry [4660]Open original source
ذكر أخبار الحلاج بعد حصوله في يد حامد بن العبّاس وشرحها على التفصيل إلى حين مقتله: قد ذكرنا ما انتهى إلينا من أخبار الحلاج المنثورة وأنا أسوق هاهنا قصته ببغداد مفصلة، وسبب القبض عليه، وشرح ما بعد ذلك إلى أن قتل:فبلغنا أنه أقام ببغداد في أيام المقتدر بالله زمانا يصحب الصّوفيّة وينتسب إليهم، والوزير إذ ذاك حامد بن العبّاس فانتهى إليه أن الحلاج قد موّه على جماعة من الحشم والحجاب في دار السلطان، وعلى غلمان نصر القشوري الحاجب وأسبابه، بأنه يحيي الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون ما يختاره ويشتهيه، وأظهر أنه قد أحيا عدة من الطير. وأظهر أبو عليّ الأوارجي لعليّ بن عيسى أن محمّد بن عليّ القنائي- وكان أحد الكتاب- يعبد الحلاج، ويدعو الناس إلى طاعته، فوجه عليّ بن عيسى إلى محمّد ابن عليّ القنائي من كبس منزله وقبض عليه، وقرره عليّ بن عيسى فأقر أنه من أصحاب الحلاج، وحمل من داره إلى عليّ بن عيسى دفاتر ورقاعا بخط الحلاج، فالتمس حامد بن العبّاس من المقتدر بالله أن يسلم إليه الحلاج ومن وجد من دعاته، فدفع عنه نصر الحاجب، وكان يذكر عنه الميل إلى الحلاج، فجرد حامد في المسألة، فأمر المقتدر بالله أن يدفع إليه، فقبضه واحتفظ به، وكان يخرجه كل يوم إلى مجلسه ويتسقطه ليتعلق عليه بشيء يكون سبيلا له إلى قتله، فكان الحلاج لا يزيد على إظهار الشهادتين والتوحيد، وشرائع الإسلام، وكان حامد قد سعى إليه بقوم أنهم يعتقدون في الحلاج الإلهية، فقبض حامد عليهم وناظرهم فاعترفوا أنهم من أصحاب الحلاج ودعاته، وذكروا لحامد أنهم قد صح عندهم أنه إله، وأنه يحيي الموتى، وكاشفوا الحلاج بذلك فجحده وكذبهم، وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو النبوّة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر الصوم، والصلاة، وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك (¬١). حدّثنا عليّ بن المحسن القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمّد بن زنجي الكاتب عن أبيه- وهو المعروف بزنجي- بما أسوقه من أخبار الحلاج إلى حين مقتله، وكان زنجي يلازم مجلس حامد بن العبّاس ويرى الحلاج، ويسمع مناظرات أصحابه. قال زنجي: أول ما انكشف من أمره في أيام وزارة حامد بن العبّاس، أن رجلا شيخا حسن السمت يعرف بالدباس، تنصح فيه، وذكر انتشار أصحابه، وتفرق دعاته في النواحي، وأنه كان ممن استجاب له ثم تبين له مخرقته، ففارقه وخرج عن جملته، وتقرب إلى الله بكشف أمره، واجتمع معه على هذه الحال أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب الأنباريّ وكان قد عمل كتابا ذكر فيه مخاريق الحلاج،والحيلة فيها، والحلاج حينئذ مقيم عند نصر القشوري، في بعض حجره، موسع عليه، مأذون لمن يدخل إليه، وللحلاج اسمان أحدهما الحسين بن منصور، والآخر محمّد ابن أحمد الفارسيّ. وكان قد استغوى نصرا وجاز تمويهه عليه، حتى كان يسميه العبد الصّالح، ويحدّث الناس أن علة عرضت للمقتدر بالله في جوفه، وقف نصر على خبرها، فوصفه له واستأذنه في إدخاله إليه فأذن له، ووضع يده على الموضع الذي كانت العلة فيه وقرأ عليه، فاتفق أن زالت العلة، ولحق والدة المقتدر بالله مثل تلك العلة، وفعل بها مثل ذلك فزال ما وجدته، فقام للحلاج بذلك سوق في الدار، وعند والدة المقتدر والخدم والحاشية وأسباب نصر خاصة، ولما انتشر كلام الدباس وأبي علي الأوارجي في الحلاج بعث به المقتدر بالله إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى ليناظره فأحضره مجلسه وخاطبه خطابا فيه غلظة، فحكى في ذلك الوقت أنه تقدم إليه وقال له فيما بينه [وبينه] (¬١): قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئا، وإلّا قلبت الأرض عليك، أو كلاما في هذا المعنى فتهيب عليّ بن عبيس مناظرته واستعفى منه، ونقل حينئذ إلى حامد، وكانت بنت السمري صاحب الحلاج قد أدخلت إليه، وأقامت عنده في دار السلطان مدة، وبعث بها إلى حامد ليسألها عما وقفت عليه، وشاهدته من أحواله، فدخلت إلى حامد في يوم شات بارد، وهذه المرأة بحضرته- وكانت حسنة العبارة، عذبة الألفاظ، مقبولة الصورة، فسألها عن أمره فذكرت أن أباها السمري حملها إليه، وأنها لما دخلت عليه وهب لها أشياء كثيرة، عدّدت أصنافها منها ريطة خضراء وقال لها: قد زوجتك من ابني سليمان، وهو أعز ولدي عليّ، وهو مقيم بنيسابور في موضع قد ذكرته وأنسيته، وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، أو تنكر منه حالا من الأحوال، وقد أوصيته بك، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه فإني أسمع وأرى. قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح وابنة الحلاج معي في دار السلطان، وهو معنا، فلما كان في الليل أحسست به وقد غشيني فانتبهت مذعورة منكرة لما كان منه. فقال: إنما جئتك لأوقظك للصلاة ولما أصبحنا نزلت إلى الدار ومعي بنته ونزل هو، فلما صار على الدرجة بحيث يرانا ونراه قالت بنته: اسجدي له، فقلت لها: أو يسجد أحد لغير الله؟! وسمع كلامي لها فقال: نعم، إله في السماءوإله في الأرض، قالت: ودعاني إليه وأدخل يده في كمه وأخرجها مملوءة مسكا فدفعه إليّ وفعل هذا مرات، ثم قال: اجعلي هذا في طيبك فإن المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت إلى الطّيب، قالت: ثم دعاني وهو جالس في بيت البواري فقال: ارفعي جانب البارية وخذي من تحته ما تريدين، وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية فوجدت الدنانير تحتها مفروشة ملء البيت فبهرني ما رأيت من ذلك. قال زنجي: وأقامت هذه المرأة معتقلة في دار حامد إلى أن قتل الحلاج. ولما حصل الحلاج في يد حامد جد في طلب أصحابه، وأذكى العيون عليهم، وحصل في يده منهم، حيدرة، والسمري، ومحمّد بن عليّ القنائي، والمعروف بأبي المغيث الهاشميّ، واستتر المعروف بابن حمّاد وكبس منزله وأخذت منه دفاتر كثيرة، وكذلك من منزل محمّد بن عليّ القنائي، في ورق صيني، وبعضها مكتوب بماء الذهب، مبطنة بالديباج والحرير، مجلدة بالأديم الجيد، وكان فيما خاطبه به حامد- أول ما حمل إليه: ألست تعلم أنى قبضت عليك بدور الراسبي وأحضرتك إلى واسط، فذكرت في دفعة أنك المهديّ، وذكرت في دفعة أخرى أنك رجل صالح، تدعو إلى عبادة الله والأمر بالمعروف، فكيف ادعيت بعد الإلهية؟! وكان في الكتب الموجودة عجائب من مكاتباته أصحابه النافذين إلى النواحي وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه وما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى أخرى، ومرتبة إلى مرتبة، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كل قوم على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة لا يعرفها إلّا من كتبها ومن كتبت إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المجرى، وفي بعضها صورة فيها اسم الله تعالىمكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج مكتوب عليّ ﵇! كتابة لا يقف عليها إلّا من تأملها. وحضرت مجلس حامد- وقد أحضر السمري صاحب الحلاج وسأله عن أشياء من أمر الحلاج- وقال له: حدثني بما شاهدته منه، فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني فعل، فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاود مسألته عما شاهده، فعاود استعفاءه وألح عليه في السؤال فلما تردد القول بينهما قال: اعلم أني إن حدثتك كذبتني ولم آمن مكروها يحلقني، فوعده أن لا يلحقه مكروه. فقال: كنت معه بفارس فخرجنا نريد إصطخر في زمان شات، فلما صرنا في بعض الطريق أعلمته بأني قد اشتهيت خيارا، فقال لي: في هذا المكان، وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟ فقلت: هو شيء عرض لي، ولما كان بعد ساعات قال لي: أنت على تلك الشهوة؟ فقلت: نعم. قال: وسرناإلى سفح جبل ثلج فأدخل يده فيه وأخرج إليّ منه خيارة خضراء ودفعها إليّ. فقال له حامد: فأكلتها؟ قال: نعم، فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانية في مائة ألف زانية، أوجعوا فكه، فأسرع الغلمان إليه فامتثلوا ما أمرهم به وهو يصيح: أليس من هذا خفنا؟ ثم أمر به فأقيم من المجلس، وأقبل حامد يتحدّث عن قوم من أصحاب النيرنجات كانوا يعدون بإخراج التين، وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان وأراد أن يأكله صار بعرا. وحضرت مجلس حامد وقد أحضر سفط خيازر لطيف حمل من دار محمّد بن عليّ القنائي- أكبر ظني- فتقدم بفتحه ففتح فإذا فيه قدر جافة خضر، وقوارير فيها شيء لون الزئبق، وكسر خبز جافة، وكان السمري حاضرا جالسا بالقرب من أبي، فعجب من تلك القدر وتصييرها في سفط مختوم، ومن تلك القوارير- وعندنا أنها أدهان- ومن كسر الخبز، وسأل حامد السمري عن ذلك فدافعه عن الجواب واستعفاه منه، وألح عليه في السؤال، فعرفه أن تلك القدر رجيع الحلاج، وأنه يستشفى به، وأن الذي في القوارير بوله! فعرف حامد ما قاله فعجب منه من كان في المجلس، واتصل القول في الطعن على الحلاج، وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر ويتعجب منها وفي احتفاظهم بها حتى غاظ السمري ذلك فقال له: هو ذا أسمع ما تقول، وأرى تعجبك من هذه الكسر وهي بين يديك فكل منها ما شئت ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد أكلك ما تأكله منها فتهيب أبي أن يأكلها، وتخوف أن يكون فيها سم، وأحضر حامد الحلاج وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله؟ فذكر أنه شيء ما علم به ولا عرفه، وكان يتفق في كثير من الأيام جلوس الحلاج في مجلس حامد إلى جنبي فأسمعه يقول دائما: سبحانك لا إله الّا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت، وكانت عليه مدرعة سوداء من صوف، وكنت يوما وأبي بين يدي حامد، ثم نهض عن مجلسه وخرجنا إلى دار العامة وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ فجلس بين يدي أبي ولم يحادثه فهو في ذاك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه، فنهض عن المجلس مسرعا ونحن لا ندري ما السبب، فغاب عنا قليلا ثم عاد وهو متغير اللون جدّا، فأنكر أبي ما رآه منه وسأله عنه فقال: دعاني الغلام الموكل بالحلاج فخرجت إليه فأعلمني أنه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يوم، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، وملأ جوانبه فهاله ما رأى من ذلك ورمى بالطبق منيده وخرج من البيت مسرعا، وأن الغلام ارتعد وانتفض وحم!، وبقي هارون يتعجب من ذلك. وبلغ حامدا عن بعض أصحاب الحلاج أنه ذكر أنه دخل إليه إلى الموضع الذي هو فيه وخاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كل الإنكار، وتقدم بمسألة الحجاب والبوابين عنه وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد، وضرب بعض البوابين فحلفوا بالأيمان المغلظة أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلاج إليه ولا اجتاز بهم، وتقدم بافتقاد السطوح وجوانب الحيطان فافتقدوا ذلك أجمع، ولم يوجد له أثر ولا خلل، فسأل الحلاج عن دخول من دخل إليه فقال: من القدرة نزل، ومن الموضع الذي وصل إلى منه خرج. وكان يخرج إلى حامد في كل يوم دفاتر مما حمل من دور أصحاب الحلاج، ويجعل بين يديه فيدفعها إلى أبي ويتقدم إليه بأن يقرأها عليه، فكان يفعل ذلك دائما، فقرأ عليه في بعض الأيام من كتب الحلاج والقاضي أبو عمر حاضر والقاضي أبو الحسين بن الأشناني- كتابا حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد في داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسة، ولا يدخله أحد، ومنع من تطرقه فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه حول البيت الحرام فإذا انقضى ذلك، وقضى من المناسك ما يقضى بمكة مثله، جمع ثلاثين يتيما وعمل لهم أمرا ما يمكنه من الطعام وأحضرهم إلى ذلك البيت، وقدم إليهم ذلك الطعام وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا من أكلهم وغسل أيديهم كسا كل واحد منهم قميصا ودفع إليه سبعة دراهم، أو ثلاثة- الشك مني- فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. فلما قرأ أبي هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلاج وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصريّ، فقال له أبو عمر: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصريّ بمكة وليس فيهشيء مما ذكرته، فلما قال أبو عمر كذبت يا حلال الدم، قال له حامد: أكتب بهذا، فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاج، فأقبل حامد يطالبه بالكتاب بما قاله، وهو يدافع ويتشاغل إلى أن مد حامد الدواة من بين يديه إلى أبي عمر، ودعا بدرج فدفعه إليه وألح عليه حامد بالمطالبة بالكتاب إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه، وكتب بعده من حضر المجلس، ولما تبين الحلاج الصورة قال: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكلم أن تتأولوا عليّ بما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة وتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرّحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجرّاح، ولي كتب في السنّة موجودة في الورّاقين، فالله الله في دمي، ولم يزل يردد هذا القولوالقوم يكتبون خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه، ونهضوا عن المجلس. ورد الحلاج إلى موضعه الذي كان فيه، ودفع حامد ذلك المحضر إلى والدي وتقدم إليه أن يكتب إلى المقتدر بالله بخبر المجلس وما جرى فيه، وينفذ الجواب عنها، فكتب الرقعتين وأنفذ الفتوى درج الرقعة إلى المقتدر بالله، وأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد ولحقه ندم على ما كتب به، وتخوف أن يكون قد وقع غير موقعه، ولم يجد بدّا من نصرة ما عمله فكتب بخط والدي رقعة إلى المقتدر بالله في اليوم الثالث يقتضي فيها ما تضمنته الأولى ويقول: إن ما جرى في المجلس قد شاع وانتشر، ومتى لم يتبعه قتل الحلاج افتتن الناس به، ولم يختلف عليه اثنان، ويستأذن في ذلك، وأنفذ الرقعة إلى مفلح، وسأله إيصالها وتنجيز الجواب عنها وإنفاذه إليه، فعاد الجواب من المقتدر بالله من غد ذلك اليوم من جهة مفلح؛ بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله، وأباحوا دمه، فلتحضر محمّد بن عبد الصّمد صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بتسلمه وضربه ألف سوط، فإن تلف تحت الضرب وإلّا ضرب عنقه فسر حامد بهذا الجواب، وزال ما كان عليه من الاضطراب، وأحضر محمّد بن عبد الصّمد وأقرأه إياه، وتقدم إليه بتسلم الحلاج، فامتنع من ذلك وذكر أنه يتخوف أن ينتزع، فأعلمه حامد أنه يبعث معه غلمانه حتى يصيروا به إلى مجلس الشرطة في الجانب الغربي، ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة ومعه جماعة من أصحابه، وقوم على بغال موكفة يجرون مجرى الساسة، ليجعل على واحد منها ويدخل في غمار القوم، وأوصاه بأن يضربه ألف سوط فإن تلف حز رأسه واحتفظ به، وأحرق جثته، وقال له حامد: إن قال لك أجري لك الفرات ذهبا وفضة فلا تقبل منه! ولا ترفع الضرب عنه، فلما كان بعد عشاء الآخرة وافى محمّد بن عبد الصّمد إلى حامد ومعه رجاله والبغال المؤكفة، فتقدم إلى غلمانه بالركوب معه حتى يصل إلى مجلس الشرطة، وتقدم إلى الغلام الموكل به بإخراجه من الموضع الذي هو فيه، وتسليمه إلى أصحاب محمّد ابن عبد الصّمد، فحكى الغلام أنه لما فتح الباب عنه وأمره بالخروج، وهو وقت لم يكن يفتح عنه في مثله، قال له: من عند الوزير؟ فقال محمّد بن عبد الصّمد، فقال: ذهبنا والله. وأخرج وأركب بعض تلك البغال الموكفة واختلط بجملة الساسة، وركب غلمان حامد معه حتى أوصلوه إلى الجسر ثم انصرفوا، وبات هناك محمّد بن عبد الصّمد، ورجاله مجتمعون حول المجلس فلما أصبح يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة أخرج الحلاج إلى رحبة المجلس، وأمر الجلاد بضربه بالسوط، واجتمع منالعامة خلق كثير لا يحصى عددهم، فضرب إلى تمام الألف السوط وما استعفى ولا تأوه، بل لما بلغ ستمائة سوط. قال لمحمّد بن عبد الصّمد: ادع بي إليك فإن عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له محمّد: قد قيل لي إنك ستقول هذا وما هو أكثر منه! وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ولما بلغ ألف سوط قطعت يده، ثم رجله، ثم يده، ثم رجله، وحز رأسه، وأحرقت جثته، وحضرت في هذا الوقت وكنت واقفا على ظهر دابتي خارج المجلس، والجثة تقلب على الجمر، والنيران تتوقد، ولما صارت رمادا ألقيت في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر ثم حمل إلى خراسان وطيف به في النواحي، وأقبل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما، واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة زيادة فيها فضل، فادعى أصحابه أن ذلك بسببه، ولأن الرماد خالط الماء، وزعم بعض أصحاب الحلاج أن المضروب عدو الحلاج ألقى شبهه عليه، وادعى بعضهم أنهم رأوه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من أمره، والحال الذي جرت عليه، وهو راكب حمارا في طريق النهروان ففرحوا به، وقال: لعلكم مثل هؤلاء البقر الذي ظنوا أني أنا المضروب والمقتول. وزعم بعضهم أن دابة حولت في صورته، وكان نصر الحاجب بعد ذلك يظهر الترثي له ويقول: إنه مظلوم، وإنه رجل من العباد. وأحضر جماعة من الوراقين وأحلفوا على أن لا يبيعوا شيئا من كتب الحلاج ولا يشتروها.
Parsing and provenance details
Local passage ID
259093
Book record
shamela-23764
Source record
dedupe:4660:635073
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate