page 4061, entry [916]Open original source
وأما عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، فكان يكنى أبا الخطاب، وهو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وكان ذا فتوة وغزل وظرف، فلما حج عبد الملك لقيه فقال له: لقد علمت قريش أنك من أطولها صبوة وأبطئها توبة، فقال: يا أمير المؤمنين. بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول العهد وشحط (¬١) النوى، فقيل له: يا أمير المؤمنين سلم عليك فتى قريش فتجهمته بهذا القول: فقال: صدقتم، ودعا به، فلما دخل عليه رأى عند رأسه جارية وعند رجله جارية فقال له: يا أبا الخطاب سلني حوائجك، فقال: قد علمت قريش أني أكثرها عينا، وأقلها دينا، وما حاجتي إلا بقاؤك يا أمير المؤمنين، فلما خرج من عنده قيل له: يا أبا الخطاب، دعا بك أمير المؤمنين في مجلس خاص، وأمرك أن تسأله حوائجك فلم تفعل، فقال: إنه جعل الشمس عند رأسه والقمر عند رجله، ثم قال تصدّق، والله ما كان هذا ليكون أبدا. وقال عمر بن أبي ربيعة: ابتدأت أنشد ابن عباس فقلت: تشطّ غدا دار جيراننا. … فقال: . والدار بعد غد أبعد فقلت: كذا والله قلت، فقال: إن الآراء تتفق. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: كان يقال: إذا اعياك أن يطرب القرشي فأسمعه غناء ابن سريج بشعر عمر بن أبي ربيعة فإنك ترقصه.وقالوا: كان عمر بن أبي ربيعة موزعا (¬١) بالثريا بنت عبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت تنزل الطائف، وكان عمر يغدو فيتلقى الذين يقدمون بالفاكهة فيسألهم خبر الطائف وأهله ويتحسس من خبرها، فلقي يوما بعضهم وسأله عما حدث فقال: ما حدث إلاّ خير غير أني سمعت صياحا على امرأة من قريش تسمى باسم نجم من النجوم، فقال عمر: الثريا؟ قال: نعم. قال: وما لها؟ قال: ماتت أو هي مشفية على ذلك، وقد كان بلغه قبل ذلك أنها عليلة، فركض فرسه قبل الطائف، وأخذ في طريق كرا (¬٢) حتى انتهى إليها فوجدها سالمة فقالت: مه؟ فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: أنا والله أمرتهم لأنظر حالي عندك. فقال عمر: تشكّى الكميت الجري لما جهدته … وبيّن لو يسطيع أن يتكلما (¬٣) وفيها يقول: من رسولي إلى الثريا بأني … ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (¬٤) يريد كتاب الله ﷿ حلف به، فبلغ قوله ابن أبي عتيق فقال: أنا والله رسوله إليها، وخرج حتى قدم مكة بغير عمرة، وكانت الثريا تسكن الطائف، فخرج إليها بالطائف حتى يصلح بينهما، وانصرف إلى المدينة وقد قيل انه خرج من المدينة إلى مكة ثم انصرف وطلب إليه في المقام فلم يقم. وقال إسحاق بن ابراهيم الموصلي: حدثني كلثوم الفهري عن أبيه قال: رأيت عمر بن أبي ربيعة عظيما طويلا آدم يتهافت في مشيته تهافتا.قالوا: وكانت رملة بنت عبد الله بن خلف، أخت طلحة الطلحات الخزاعي، وهي أم طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي حجت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة حين لقيها، ففيها يقول: قلت من أنتم فصدت وقالت … أمبدّ سؤالك العالمينا نحن من ساكني العراق وكنا … قبلها قاطنين مكة حينا قد صدقناك إذ سألت فمن أن … ت عسى أن يجر شأن شؤونا (¬١) وقال عمر في رملة: تشط غدا دار جيراننا … والدار بعد غد أبعد تحملّ للبين جيراننا … وقد كان قربهم يحمد (¬٢) في قصيدة. وكان عمر بن أبي ربيعة يغني بقوله: يا أم طلحة إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرحيل غدا (¬٣) والغناء له أو لغيره. ولما تزوج عمر بن عبيد الله بن معمر عائشة بنت طلحة بن عبيد الله قال جبر بن حبيب وكان كريّ عمر حين خرج من البصرة: أنعم بعائش في عيش وفي أنق … وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق وكانت رملة حسنة البدن وفي وجهها ردة (¬٤)، وفي أنفها عظم، فقالت له عائشة: أنت أشجع الناس حين قدمت على أنف رملة، وقال عمر:أشارت بمدراها (¬١) … وقالت لأختها أهذا المغيريّ الذي كان يذكر لئن كان إياه لقد حال بعدنا … عن العهد والإنسان قد يتغير (¬٢) يعني عائشة بنت طلحة. وقال محمد بن سلام الجحمي: كان بين عائشة بنت طلحة وزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر ليلة من الليالي كلام فسهرت ليلتها، فقال: ويح عمر بن أبي ربيعة ما أجهله بليلي حين يقول: ووال كفاها كل شيء يهمها … فليست لشيء آخر الليل تسهر (¬٣) قالوا: وكان سبب تزوج عمر بن عبيد الله عائشة أنه أتاها يخطبها على بشر بن مروان بن الحكم فقالت له: أما وجد بشر رسولا إلى ابنة عمك غيرك، وأين بك عن نفسك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم، فتزوجها. قال الجحمي: قال الأصمعي، قالت رملة لعمر: أسائل أنت كل امرأة تلقاها؟ أفمن رأيك أن تحدث الناس بأني من نسوتك اللاتي تزعم أنهن يعشقنك ويراسلنك فذلك قوله: قلت من أنتم فصدّت وقالت … أمبد سؤالك العالمينا أي أسائل أنت كل إنسان على حدته لا ترى أحدا إلاّ سألته، ويروى: أمبثّ. وقال عمر بن أبي ربيعة: وبالأمس أرسلنا بذلك خالدا … إليك وبيّنا له الشّأن أجمعاوفي قصيدة له يعني خالد بن عبد الله القسري، وذلك أن عبد الملك حين تسيير ابن سعيد بن العاص سير عبد الله بن يزيد لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد الأشدق، فصار إلى مكة ومعه ابنه خالد، وهو غلام، فنشأ بمكة، وكان فيه لين. وقال الأصمعي: وأنشد سليمان بن عبد الملك، أو أنشد قول عمر: تبالهن بالعرفان لما عرفنني … وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا وقرّبن أسباب الصبا لمقتّل … يقيس ذراعا كلما قيس إصبعا (¬١) فقال: إن من هذا اشتقّ النّسيب. قال: وكان عمر بن أبي ربيعة وجميل العذري يتعارضان في الشعر، فقال عمر: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أم رائح فمهجر (¬٢) فقال جميل: أغاد أخي من آل ليلى فمبكر … أبن لي أغاد أنت أم متهجّر (¬٣) فلم يصنع جميل مع عمر شيئا وعارضه عمر في قوله: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي (¬٤) فقال: جزى ناصح بالود بيني وبينها … فقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي (¬٥)فلم يصنع مع جميل شيئا. وروي عن ابن أبي الزناد قال: خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشام إما غازيا وإما إلى بعض بني أمية، فلما كان بالخبار (¬١) لقيه جميل فقال له عمر: أنشدني فأنشده: خليليّ فيما عشتما هل رأيتما … قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي في قصائد له، ثم قال له جميل: أنشدني يا أبا الخطاب فأنشده: ألم تعرف الأطلال والمتربعا … ببطن خليات دوارس بلقعا (¬٢) حتى مر بقوله: فلما تواقفنا وسلّمت أشرقت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا تبالهن بالعرفان لما رأينني … وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا فصاح جميل ألا إن النسيب أخذ من هذا، ثم أنشده جميل طرفا من غزله، فقال عمر لجميل: امض بنا إلى بثينة نسلم عليها فقال: إن السلطان أحل لهم ضربي إن وجدوني بأرضهم، وهاتيك أبياتها فأتاها عمر، فوقف ببابها وتأنس حتى كلّم، فقال: يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني، فخرجت إليه في مباذلها ثم قالت: يا عمر، والله لا أكون من نسائك اللاتي تزعم أن قد قتلهنّ الوجد بك. قال عمر: فانكسرت، وإذا امرأة أدماء طويلة. وذكر بعض القرشيين أن امرأة شريفة أرسلت إلى عمر بن أبي ربيعة أنيوافيها بالصورين (¬١) ليلا وهو في طرف المدينة، وسمّت له ليلة فوافاها فتحدث عندها حتى أدركه السحر، ثم ركب راجعا إلى مكة ولم يدخل المدينة، وقال: والله ما بي زهادة في زيارة قبر رسول الله ﷺ، والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط زيارتك بشيء، ولا أدخل مكة إلاّ حلالا، وقال يكني عنها بزينب: ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثواء لئن كان الرحيل غدا (¬٢) وقيل إنه قال هذا الشعر في غير هذه المرأة. وقال القحذمي: حجت امرأة من آل أبي بكرة من أهل البصرة، فرآها عمر فشيعها حتى بلغت الخرنق (¬٣) وقال: وكيف طلابي عراقية … وقد جاوزت عيرها الخرنقا تؤمّ الحداة بها منهلا … من الطّفّ ذا بهجة مؤنقا (¬٤) فقالت له: لو بلغت أهلي فخطبتني زوجوك، فقال: لا أخلط تشييعي بخطبة، ولكني أرجع ثم آتيك خاطبا. وقال بعضهم اسمها سميعة وهي أم ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وأنشد ابن قحذم فيها لعمر: من البكرات عراقية … تسمى سميعة أطريتها من آل أبي بكرة الأكرمين … خصصت بودّي فأصفيتها ومن حبها زرت أهل العراق … وأسخطت أهلي وأرضيتهاوأقسم لو أن ما بي بها … وكنت الطبيب لداويتها (¬١) حدثني حفص بن عمر عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش الهمداني عن رجل من بني مخزوم قال: ترك عمر بن أبي ربيعة قول الشعر وغزا في البحر، فقال ابن عمر وغيره: لقد كان هزله هزلا، وجده جدا. وقال هشام ابن الكلبي: ولد عمر بن أبي ربيعة حين توفي عمر بن الخطاب، فكان يقال: أيّ خير رفع وأي شرّ وضع، ثم إنه تاب وغزا فقال ابن عمر: لقد تلافى نفسه من سفهها بخير عملها. قالوا: ولقي عمر بن أبي ربيعة عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تهكمك اليوم بنساء قريش؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس وراء ذلك مكروه ولا إثم واستغفر الله. قالوا: وآلى عمر بن أبي ربيعة ألا يقول بيتا إلا أعتق نسمة، فبينا هو ذات ليلة في الطواف إذ فتى يتبع جارية مثل المهاة فأخذ عمر بيده فقال له: يا بن عم خلّ عني فإني أموت إن حبستني عنها. قال: وما خبرك؟ قال: أنا فلان بن فلان وهذه ابنة عمي وأحبّ الناس إليّ، خطبتها إلى عمي وأبت أمها أن تزوجني إياها فخلّى يده، ومضى إلى أبي الجارية فضرب بابه فسئل من هو؟ فقال: عمر بن أبي ربيعة، فخرج إليه أبو الجارية فقال له: يا أبا الخطاب لم تعنيت؟ ولو أرسلت إلي أتيتك فما حاجتك بأبي أنت؟ قال: جئتك خاطبا لابنتك. قال: أمرها في يدك، فقال: قد زوجتها ابن أخيك وأصدقتها عنه أربعة آلاف درهم، وأمر فحمل المال إليه وأهديت الجارية إلى الفتى يقال من ليلتها، واستلقى عمر على فراشه حين انصرف من عند الرجل فجعل يأتيهالشعر، ويذكر يمينه فيتململ فقالت له جاريته: لقد عراك في هذه الليلة شر، وأنشأ يقول: تقول وليدتي لما رأتني … طربت وكنت قد أقصرت حينا بعيشك هل رأيت لها رسولا … فشاقك أم رأيت لها خدينا فقلت شكا إليّ أخ محبّ … لبعض زماننا إذ تعلمينا وقصّ علي ما يلقى بسعدى … فوافق بعض ما كنا لقينا (¬١) ولم يزل يقول حتى استتم اثنا عشر بيتا، ويقال ثمانية أبيات فأعتق بكل بيت مملوكا، وكان له نحو من مائة مملوك في أعمال ومهن وللخدمة. وغزا في بحر الشام فمات ويقال في غير البحر، فقالت جارية من جواري بني أمية كانت ربيت بالمدينة أو بمكة: مات عمر بن أبي ربيعة فمن للظرف بالحجاز بعده؟ فقيل: قد نشأ فتى من ولد عثمان له ظرف وغزل وتشبيب بالنساء، فقالت: الحمد لله الذي لم يخل حرمه من فتى يزينه، ويؤنس أهله ويذكر ملاحة نسائه أو كما قالت. قالوا: ولقي عمر ابنة الحارث بن عوف المري وهو يسير على بغلة له فقال لها: قفي أنشدك ما قلت فيك فأنشدها: ألا ياليل إن شفاء قلبي … نوالك إذ بخلت فنوّلينا وقد حضر الرحيل وحان منا … فراق فانظري ما تأمرينا (¬٢) فقالت: آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه.