page 3451, entry [611]Open original source
خبر البهلول بن بشر الشيباني ويقال ابن عمرو، ويلقب كثارة. قال ابو الحسن المدائني: خرج البهلول بن بشر الشيباني أيام خالد بن عبد الله القسري في سبعين رجلا كان من أهل الديوان معروفا بالشجاعة، وكان سبب خروجه أنه حج، فلما كان ببعض قرى السواد أرسل غلامه ليأتيه بخلّ فأتاه بخمر فردّها فأبى الخمار أن يقبلها، فاستعدى عليه والي القرية وكان من أهل الشام فلم يعده، وقال: خارجي خبيث، والله لهي خير منك وإني لأنفس بها على مثلك، فتركه ومضى لحجه، وجعل يخبر من لقي من إخوانه ويعجبهم، ويدعوهم إلى الخروج، فلما قضوا حجهم رجع إلى القرية التي كان بها الشامي فقتله، ثم أتى الموصل فاتبعه قوم من أهلها وأهل الجزيرة. وأقبل خالد من الكوفة فلما كان في موضع يقال له قياض (¬١)، وجه إليهخالد: يزيد بن قيس بن ثمامة الأودي أبو عافية بن يزيد الأودي القاضي، وكان على شرطة خالد، وكان في خف فلم يقاتله، فقال البهلول: إن صاحبكم هذا الأشجع الخلق وأحمق الخلق. ومضى البهلول إلى عين التمر ثم أتى لعلع (¬١) فأقام بها وهو في مائة وستين من الخوارج، وأقبل إليه عشرة نفر من الكوفة من أهل راية (¬٢) فعرض لهم قوم فقتلوهم قبل أن يصلوا إليه. وبلغه ذلك فسار إلى القرية التي قتلوا بها فقال لهم: من قتل هؤلاء الرهط فله عشرة آلاف درهم. فادعى قتلهم جماعة فقتلهم، فتنكّر له قوم من أصحابه وقالوا: غدرت بالقوم. فقال: أما كان لي أن أقتلهم وقد قتلوا إخوانكم؟ قالوا: بلى ولكنك كذبتهم. قال: إنا في دار حرب والحرب خدعة. قالوا: تب وإلا اعتزلناك. فتاب فقبلوا منه، ورجع فأقام بلعلع. وكان معه رجل يقال له أثال فتذكر أهله وولده فبكى، فقال بهلول: بكى جزعا بعبرته أثال … وليس بحين مكبى للرجال فلما أهل الديار لنا بأهل … ولا المال المراح لنا بمال وقال أيضا: من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى على قلبي من العسل فلا التقدم في الهيجاء يعجبني … ولا الحذار ينجيني من الأجل فوجه إليه خالد رجلا من آل حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني، فارتحل بهلول عن مكانه فسار يصبح بأرض ويمسي بأخرى يجول بالسواد،حتى أحفى دوابهم، ثم لقيهم وقد ضجروا وكلّت خيولهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انكشفوا، وصبر الرويمي في نفير قتلوا، وأهوى له بهلول ليطعنه فقال: أسألك بالرحم فاذكرك الله إني مستجير جانح، فأمسك عنه وأتى فلّهم الكوفة، وقدم قائد من أهل الشام في تلك الأيام وهو من بلقين ليوجهه خالد إلى الهند، فقال له: سر إلى هذه المارقة فإن قتلتهم لم أغزكم الهند، فسار القيني في أصحابه وهم ألفان من أهل الشام، وضم إليه خالد جندا من أهل الكوفة، فكان في خمسة آلاف، منهم ثلاثة آلاف من أهل الكوفة. فجعل البهلول ينتقل في السواد حتى قطع خيولهم، ثم أتى لعلع فالتقوا بها فقتل القيني، طعنه البهلول طعنة هتكت سلاحه وأوجره الرمح، فقال: قتلتني. قال: أبعدك الله يا عدو الله، وانهزم الشاميون، فقال البهلول لأصحابه: عليكم بالشاميين فإن الكوفيين أخرجوا كرها. فاتبعوهم فكانوا إذا لحقوا الشامي قتلوه وإذا لحقوا عراقيا لم يقتلوه. فقال رجل ممن نجا من الشاميين: ما كنت أدري ما السيوف ووقعها … حتى لقيت فوارس البهلول يضحي بأرض والمبيت بغيرها … هيهات من ممساك حيث تقيل وقال البهلول لأصحابه لما قتل القيني: علام نقيم على خالد وندع الذي أمّره؟ فتوجه إلى الموصل وهو يريد الشام، فوجه إليه والي الموصل قائدا يقال له سفيان، فهزمه البهلول. فكتب صاحب الموصل إلى هشام يخبره خبر البهلول ويستمده، فكتب هشام إلى عامل الجزيرة أن يمده فسرح إليه قائدا من أهل الجزيرة في خمسمائة، ووجه هشام من الرصافة جندا، وكتب إليه أن ضم إليهم جند الموصل واستعمل عليهم كثارة، وهو لا يعلمأن كثارة هو الخارجي، فتوافت الجنود بالموصل وبهلول نازل إلى جانب دير بالكحيل (¬١). فجعل عامل الموصل عليهم رجلا يقال له ابن أبي عطاء، فساروا حتى لقوا البهلول، فانهزم ابن أبي عطاء وأهل الشام، ولجأ بعضهم إلى الدير فحصرهم البهلول أياما. وقدم جند من أهل الشام، أيضا مددا، وانضم إليهم الفل فنزلوا بعقوة البهلول، وخرج إليهم من كان في الدير محصورا فتلا البهلول: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (¬٢) وحمل على أهل الشام فقتل منهم رجلا، ثم قال لأصحابه: يا أخلاء إنما خرجتم غضبا لله فلا تجزعوا ولا تكبروا القتل في الله، وناهضهم وقال: إن أصبت فأميركم دعامة بن عبد الله الشيباني. فعاجلوهم وكثر القتل والجراح في الفريقين، ثم ترجل البهلول وأصحابه عند المساء فشدّوا عليهم، فجال أهل الشام والبهلول يقاتل ويقول: من كان يكره أن يلقى منيته … فالموت أشهى إلى قلبي من العسل وكمن له أبو الموت الجدلي - جديلة قيس - فمر به فطعنه فأثبته، ويقال: الذي قتل البهلول عمرو بن ثوبان الحضرمي صاحب خيل الموصل، فقام بالأمر دعامة فانحازوا وتحاجزوا وقد أمسوا والجراح في الطائفتين فاشية، فقالت الخوارج لدعامة: فررت من الزحف وكفرت. فقال: إنما انحزت ولم أفرّ، فأبوا أن يرضوا به وبايعوا عمرو بن غالب اليشكريوأصبحوا فعاودهم القتال فقتل وقتل الخوارج غير نفير يسير انحازوا إلى العراق، وقال بعض الشعراء من الخوارج في دعامة: لبئس أمير القوم معترفا به … دعامة في الهيجاء شر الدعائم وكان الضحاك بن قيس - أحد بني محلم - جرح يومئذ فنزف وعطش، فرفع له خباء، فأتاه فوجد فيه امرأة، فاستسقى فسقته، وسقط فلم يقدر على النهوض، فلما أفاق مما كان به وبرئ أتى أصحابه من القعد فقالوا: فررت من الزحف. ولم يقرّ بالفرار واعتذر فلم يقبلوا عذره فكانوا لا يجالسونه ولا يكلمونه، فقال الضحاك: اللهم إني قد صدقتهم فكذبوني وبذلت نفسي فردّوني، اللهم أنت خير لي منهم. وقال: لا تطردوني إذا ما جئت زائركم … أرجو الفلاح وكونوا اليوم إخوانا بدّلت بعد أبي بشر وصحبته … قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا في أبيات. ثم إنه أقرّ بالكفر واستتابوه فتاب. قالوا: وكان بهلول لين السيرة لا يقاتل إلاّ من قاتله ولا يعرض لأحد ولا يأخذ شيئا إلا بثمن.