page 3238, entry [583]Open original source
فأما عبد الله الأكبر، فكان شجاعا، جوادا ولي العراقين ليزيد بن الوليد بن عبد الملك خلافته كلها، وهي ستة أشهر، فلما مات يزيد أقام واليا على العراقين فأراد أهل العراق أن يبايعوا له بالخلافة لمكان أبيه وقالوا: هذا ابن الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز، فقال في ذلك يحيى بن منصور الذهلي: خلافتكم حلوة عذبة … وتدعى على اسمك أحلى لها فدونكها يا بن عبد العزيـ … ـز سربلك الله سربالها وقال بعض الشعراء:لعبد الله عبد الله تجري … صحائفنا أمير المؤمنينا لمن زادته إمرته اتّضاعا … فذلك سنّة المتخشّعينا وهو احتفر نهر ابن عمر، ونسب إليه، وساوم عبد الله بن عمر رجلا بشيء فقال له الرجل: ما أشدّ مكابتك. فوجم عبد الله ثم قال: ويحك إياك أن تغضب قريشا فإنّ القرشي إذا غضب لم يكن له بقية. وخرج في أيام ولايته عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد كتبنا خبره. حدثني جماعة من أهل العلم منهم عباس بن هشام الكلبي عن أبيه، وقد ذكر ذلك المدائني، قالوا: لما ولي يزيد الناقص، بعد قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وجّه منصور بن جمهور إلى العراق واليا عليها وأمره أن يحمل يوسف بن عمر إليه، فنفذ منصور إلى العراق في خمسة آلاف ويقال إنه لم يولّه العراق، ولكنه أمره بحمل يوسف بن عمر، فوافى منصور العراق، وقد هرب يوسف منه إلى منزل له بالبلقاء من عمل دمشق، وأقام منصور بالعراق أشهرا ثم ولى يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وهو الناقص، عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال له: أن أهل العراق يحبونك فأحسن السيرة فيهم، فلما قدمها قال لمنصور بن جمهور: أنت أحد أخوالي، والخال والد فلا يتلعبنّ بك فتيان قريش وأقم معي. وقال الهيثم بن علي: دخل منصور بن جمهور الكوفة، لأيام خلت من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من في السجون التي ليوسف من العمال وأهل الخراج، وأقام بالكوفة نحوا منشهرين وخليفته عليها عبيد الله بن العباس بن يزيد الكندي. واستعمل على البصرة جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي. فلما قوي أمر يزيد بن الوليد وجاءته البيعة من الآفاق، ولى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فقدم على منصور فسمع له منصور وأطاع، وكذلك جميع قواد الشام، وقد كان خاف ألاّ يسلم له منصور. قالوا: وأجرى عبد الله بن عمر على منصور في الشهر مع نزله ثمانية آلاف درهم، وكان يقاتل معه، وولى عبد الله: المسيح بن الحواري بن زياد بن عمرو العتكي أزدشير خرّة من كور فارس، وسليمان بن حبيب بن المهلّب الأهواز، وأقر نصر بن سيّار الليثي على خراسان، وأعطى الناس أعطياتهم وأرزاقهم، فنازعه قواد الشام وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدونا؟ فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أرد فيئكم فيكم، وعلمت أنكم أحقّ فنازعني هؤلاء وأنكروا علي، فخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة وتجمعوا، فأرسل إليهم قواد أهل الشام يعتذرون ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئا مما بلغهم. وثار غوغاء الناس وسرعانهم من الفريقين فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يعرفوا، وعبد الله بن عمر حينئذ بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكندي بالكوفة، وكان منصور استخلفه عليها فأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل عبيد الله بن العباس إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري فأتاه فنحى الناس عنه، وزجر السفهاء، حتى تحاجزوا من بعضهم بعضا، فبلغ ذلك ابن عمر فأرسل إلى ابن الغضبان وكساه وحمله وأعظم جائزته، وولاهشرطه وخراج السواد، وأمر أن يفرض لقومه من بني شيبان، ففرض لهم في ستين وفي سبعين. وولى عبد الله بن عمر صلاة الكوفة: عاصم بن عمر أخاه، وقدم عبد الله والحسن ويزيد بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على عبد الله بن عمر، فنزلوا في النّخع في دار مولاهم الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم وأجرى عليهم في كل يوم ثلاثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقدمت بيعتهما على ابن عمر وهو بالكوفة، فبايع الناس لهما وزادهم في العطاء مائة مائة، وكتب ببيعتهما إلى الآفاق فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك إذ أتاه الخبر بأن مروان بن محمد بن مروان قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاد في البرّ، وفي ما كان يجري عليه، وأعدّه ليبايع له إن ظفر مروان بابراهيم، ويقاتل مروان معه. فماج الناس في أمرهم وقرب مروان من الشام، وخرج إليه إبراهيم فقاتله فهزمه مروان وظفر بعساكره، ومضى إبراهيم هاربا، وثبت عبد العزيز بن الحجاج، فقاتل حتى قتل. وأقبل اسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد هاربا حتى قدم الكوفة، وكان في عسكر ابراهيم فقاتل معه، فافتعل اسماعيل كتابا على لسان ابراهيم بولاية الكوفة، وأرسل إلى اليمانية فأعلمهم أن ابراهيم ولاه العراق،ووعدهم الإحسان والتفضيل، وقال: إني لا امن ان يعترض عليّ ابن عمر. فتقبّلوا ذلك منه. وبلغ الخبر ابن عمر فباكره مع صلاة الغداة فقاتله ومعه عمر بن الغضبان، فلما رأى اسماعيل ذلك، ولا عهد معه، وأنّ صاحبه الذي افتعل العهد على لسانه وقد هزم وهرب، وخاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، قال لأصحابه: إني كاره لسفك الدماء، ولم أظن أنّ الأمر يبلغ هذا، فكفّوا أيديكم. فتفرقوا عنه، ثم قال لأهل بيته: إنّ إبراهيم قد هزم وهرب ودخل مروان دمشق، فتحدث بذلك أهل بيته، واشتهر الخبر، واشرأبّت الفتنة، ووقعت العصبية بين الناس. وكان سبب الفتنة أن عبد الله بن عمر أعطى مضر وربيعة عطايا عظاما، ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذّهلي، وعثمان بن الخيبري أحد بني تيم اللاّت بن ثعلبة شيئا، ولم يسوّهما بنظرائهما، فدخلا عليه فكلماه كلاما غليظا، فغضب ابن عمر وأمر بهما أن ينحّيا فدفعهما عبد الملك الطائي، وكان يقوم على رأسه فخرجا مغضبين. وكان ثمامة بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني حاضرا، فغضب لصاحبيه، فخرجوا جميعا إلى الكوفة وابن عمر حينئذ بالحيرة، فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا ربيعة، فاجتمعت إليهم ربيعة واجتمعوا وائتمروا وبلغ الخبر ابن عمر، فبعث إليهم أخاه عاصما، فأتاهم وهم بدير هند، فاجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا، فاستحيوا منه وتشكروا له، وأقبلوا على صاحبيهم فسكنوهما فسكنا وكفّا.فلما أمسى ابن عمر بعث من تحت ليلته إلى عمر بن الغضبان بمائة ألف فقسمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف درهم، وإلى عثمان بن الخيبري بعشرين ألفا، فلما رأت الشيعة ضعف ابن عمر أغمزوا فيه واجترأوا عليه وطمعوا فيه، ودعوا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان الذي ولي ذلك هلال بن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد فاجتمعوا فيه، وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فورهم إلى عبد الله بن معاوية فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد حتى أدخلوه القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة. وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه وفيهم عمر بن الغضبان بن القبعثري ومنصور بن جمهور، واسماعيل بن عبد الله القسري، ومن كان من أهل الشام له بالكوفة أصل وأهل. وأقام ابن معاوية بالكوفة أياما، فبايعه الناس، وأتته الشيعة من المدائن، وفم النيل، واجتمع له الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة. وبرز له ابن عمر بمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من أهل الشام يسأل البراز فبرز له القاسم بن عبد الغفار العجلي، فقال له الشامي: لقد دعوت حين دعوت وما أظن أنه يخرج إلي إلاّ رجل مكره، إني والله ما أريد قتالك ولكني أحببت أن ألقي إليك ما انتهى إليّ. أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن: منصور، ولا اسماعيل، ولا غيرهما إلاّ وقدكاتب ابن عمر، وقد كاتبته مضر وندموا على ما كان منهم، ولم أر لكم معشر ربيعة كتابا ولا رسولا، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألاّ تكون بكم الحرّة (¬١) دون اليمن ومضر فافعلوا، فإني رجل من قيس، وسنكون غدا بإزائكم فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغته إياه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أعلمتكم حال الناس، فدعا القاسم بن عبد الغفار رجالا من قومه فأعلمهم ما قال له القيسي وأن من مع ابن عمر من مضر وربيعة سيقفوا بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال ابن معاوية: إن هذه علامة ستظهر لنا إذا أصبحنا فإن أحب عمر بن الغضبان فليأتني الليلة، وإن منعه شغل بما فيه فهو في عذر، وإني لأظن القيسي قد كذب. وأرسل إليه بذلك فأتى الرسول عمر بن الغضبان فرده إليه بكتاب يقول فيه: إن رسولي هذا بمنزلتي عنده فتأمره أن يتوثّق من منصور واسماعيل، فأبى ابن معاوية أن يفعل، وأصبح الناس غادين على القتال وقد جعل ابن معاوية أهل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مناديه: من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، والمال عند عمر بن الغضبان. والتقى فاقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى اسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، وزحمت غوغاء الناس أهل اليمن فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا، وقتل الهاشمي وهو العباس بن عبيد الله بن عبد الله زوج بنت الملاءة، أصابه سهم. وقتلمكبّر بن الحواري بن زياد في غيرهم، ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخلوا القصر بالكوفة، وبقيت الميسرة من مضر وربيعة ومن بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهل القلب من أهل الشام على الزيدية فانكشفوا حتى دخلوا الكوفة وبقيت الميسرة وهم نحو من خمسمائة. قالوا: كانت عاتكة بنت الملاءة تزوجت أزواجا منهم: العباس بن عبيد الله بن عبد الله - ببّة - بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فقتل أيام عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبية بالعراق، قالوا: وهو أخو عبد الله بن معاوية بن معاوية لأمّه أمهما بنت عون بن العباس بن ربيعة بن الحارث. وأقبل عامر بن ضبارة: ونباتة بن حنظلة، وعطية بن عبد الرحمن التغلبي، والنضر بن سعيد بن عمر الحرشي، حتى وقفوا على ربيعة فقالوا لعمر بن الغضبان: أما نحن يا معشر ربيعة فما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوف عليكم مثلها فانصرفوا، فقال عمر: ما كنت ببارح أبدا حتى أموت. فقال: إن هذا غير مغن عنك ولا عن أصحابك شيئا. فأخذوا بعنان دابته حتى أدخلوه بيوت الكوفة. قال أبو عبيدة: دخل ابن معاوية وأخاه القصر، فلما أمسوا قال لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معشر ربيعة: قد رأيتم ما صنع الناس بنا، فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم، وإن كنتم ترون الناس خاذلينا وإياكم، فخذوا لنا ولكم أمانا، فقد رضينا لأنفسنا ما رضيتم به لأنفسكم، فقال عمر: ما نحن بتاركيكم من إحدى الخلتين. إما أن نقاتل معكم، أو نأخذ لكم أمانا. كما نأخذه لأنفسنا فطيبوا نفسا. فأقاموا فيالقصر والزيدية على أفواه السكك يغدوا عليهم أهل الشام ويروحون يقاتلونهم أياما، ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدية ولعبد الله بن معاوية أمانا ألاّ يتبعوهم، وأن يذهبوا حيث شاؤوا. وأرسل ابن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر، وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابن الغضبان فرحّله ومن معه من شيعته ومن تبعه من: أهل المدائن، وأهل السواد، وأهل الكوفة، فسارت بهم رسل ابن عمر حتى أخرجوهم من الجسر، ونزل ابن عمر القصر. وكانت أم عبد الله بن معاوية ابنة عون بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فقال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: لقد أنكرت أن تأتي بخير … وأمّك أخت يعقوب بن عون قال أبو عبيدة: وكان وفاة يزيد بن الوليد بدمشق لانسلاخ ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة، فكانت ولايته ستة أشهر وليلتين، وبويع إبراهيم، وأمه أم ولد، بدمشق فلم يلبث إلا شهرا أو نحوه حتى أقبل مروان من الجزيرة، فدخل دمشق لثلاث خلون من صفر، فهرب ابراهيم وخلع، وبايع الناس مروان بن محمد، وأمه أم ولد، ويكنى أبا عبد الملك. قال أبو عبيدة: فلما ظهر مروان، واستقام أمره، كتب إلى النّضر بن سعيد بن عمرو الحرشي بولاية العراق، وإلى من معه من النزارية يأمرهم بالسمع والطاعة له، والنضر يومئذ مع عبد الله بن عمر مقيم بالحيرة، فقال من مع النضر من المضرية الشاميين: إنه لا طاقة لنا بمن مع ابن عمر مناليمانية إلاّ أن يأتيك مدد من قبل مروان يعلم به هؤلاء صحة أمرك وتولية مروان إيّاك، وغلبة مروان على الشام، واتساق الأمر له، فكتب النضر بذلك إلى مروان، وبلغ ذلك ابن عمر فبادر فأخرج النضر من الحيرة، فأتى الكوفة، فانطوت عليه ربيعة، وأنزلوه دار مصقلة بن هبيرة الشيباني، وتقوّضت إليه مضر الشام فأتوه بالكوفة فأنزل عامر بن ضبارة دار المسور بن عطاء في بني شيبان، وأنزل أبان النميري إخوته دار حوشب بن يزيد بن رويم، وأنزل نباتة ومن معه دار عتبة بن النّهاس العجلي، وفرّق بقية أصحابه في دور بكر بن وائل. ولما بلغ كتاب النضر مروان وجه إليه خالد بن الغزيّل الكلابي، أحد بني خويلد بن نفيل، في ثلاثمائة فارس، وأبان بن معاوية النميري ثلاثمائة، وبلغ ابن عمر مسيرهما فبادر إلى النضر ليقتله أو يخرجه من العراق قبل قدوم المدد، ووجه رجلا من بني تميم إلى الغزيل وقد قرب من الكوفة فقال له: أنا رسول النضر بن سعيد إليك وهو يقول لك: إنّا قد توادعنا هذين اليومين لننظر في أمرنا، فأقم في مكانك وأجم خيلك، فإذا مضى اليومان فأقبل فإن ابن عمر قد وعدنا أن يصير إلى طاعة أمير المؤمنين مروان. وأراد ابن عمر أن يربّثه ليخلو به فيقتله، أو يخرجه من الكوفة، فظن ابن الغزيّل أن الخبر حق، فاستراح إلى المقام، فأقام، وأقبل ابن عمر إلى النضر فيمن معه من اليمانية والنزارية، وأتاه النضر في النزارية من أهل العراق والشام، وكانوا قليلا، فلم يقم لهم النضر، وأقبل منهزما حتى دخل الكوفة، وبقي أخوه مسلمة بن سعيد، وأبو أمية بن المغيرة الثقفي يحمون الناس على أفواه السكك.وحلف ابن عمر ليحرقن دور بكر بن وائل، وبلغ ابن الغزيّل الخبر وهو بموضعه، فعلم أنه مكر به فأقبل مغذّا في سرعان خيله حتى دخل الكوفة، فحمل ابن عمر وأصحابه، وحمل مسلمة بن سعيد عليهم أيضا فهزموهم حتى أدخلوهم الحيرة، ثم إن حنظلة بن نباتة، وعامر بن ضبارة، والريّان بن سلمة اجتمعوا فقالوا: إنما نطلب هذا الأمر لأهله من بني مروان، وأي رجل منهم ظفر بالملك فغير خارج منهم، فعلام تقتلون أنفسكم؟ فانصرفوا إلى عساكرهم، وبعث ابن عمر في جوف الليل إلى ابن الغزيّل مائة ألف، ووعده إن غلب عدات أرغب له فيها، فتثاقل عن نصرة الحرشي، وخرج أيوب بن حوشب بن يزيد في رهط من أصحابه في طلب الحرشي، وكان قد صار إلى دير الأعور، فردّه من ليلته، وأصبح في منزله. ثم تغادوا للقتال وجعلوا يغدون ويروحون للقتال حتى بلغهم إقبال الضّحاك بن قيس الخارجي في ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف من الحرورية إلى العراق. وقال الهيثم بن عدي: كتب مروان إلى النّضر بن سعيد بولايته على العراق، فامتنع عليه ابن عمر، فصار الناس فرقتين: أهل اليمن، وخصائص من قريش مع ابن عمر، ومضر كلها من أهل العراق وأهل الشام مع النضر بن سعيد في طاعة مروان. وتحول النضر: إلى دار مصقلة بن هبيرة الشيباني، وتحولت إليه المضرية كلها، وابن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان، والحكم بن عبد الملك، وآل بشر بن مروان، فنهض إليهم ابن عمر يوم جمعة فهزمهم حتى دخلوا البيوت، ثم انصرف، فلما كانت ليلة السبت قدم ابن الغزيّل منقبل مروان في أربعة آلاف من أهل الجزيرة وقنّسرين، فدخلوا الكوفة ليلة السبت، ثم غدوا بغلس فأخذوا في أطراف الكوفة حتى انتهوا إلى الغريين. وخرج ابن عمر في اليمانية إلى غربي الحيرة وكردس الكراديس، وكان منصور بن جمهور معه، وكان يومئذ على الميمنة، وأقبل الحرشي في القيسيّة حتى حمل على ابن عمر في اليمانية، فانكشفوا حتى بلغوا أدنى بيوت الحيرة، وانحدر منصور إلى غربي بيوت الحيرة، ثم أخذ على النجف حتى ظهر على الطريق الغربية من حيث تجري الخيل فصار من وراء القيسية، ثم حمل عليهم وهو في نحو من أربعمائة وهيأ له الحرشي جلد أصحابه: ابن الغزيّل ومن معه. قال الهيثم: فأزالهم منصور قدر غلوة، ثم ثبتوا له في الخصاصات (¬١)، ثم حمل عليهم منصور مرة أخرى فقتل منهم نحوا من سبعين فانكفأوا حتى لجأوا إلى مصلى خالد بن عبد الله، ثم حمل عليهم فأدخلهم البيوت، ثم غدوا يوم الأحد فسألهم الحرشي الموادعة إلى أجل سماه. وأقبل الضّحاك بن قيس الحروري، فلما بلغ ابن عمر والنّضر بن عمرو الحرشي إقباله اجتمعت كلمة ابن عمر والنضر على قتاله، ودخل ابن عمر قصر الكوفة، وتحولت اليمانية، فنزلت في عشائرها بالكوفة، وذلك في رجب سنة سبع وعشرين ومائة، وأقبل الضحاك حتى نزل النخيلة، وخندقابن عمر خندقا في أطراف الكوفة، وسنكتب أخبار الضحاك فيما بعد إن شاء الله. وقال ابن الكلبي: لما ظهر مروان دعا عبد الله بن عمر إلى نفسه، وقال: أنا عين بن عين بن عين، أقتل ميم بن ميم بن ميم، فأظهر أهل العراق الرغبة فيه إذ كان ابن عمر بن عبد العزيز، وقالوا: هذا ابن الرجل الصالح، وهو أولى بالأمر من الجعدي، فقال فيه يحيى بن منصور الذهلي: عليك بها يا بن عبد العزيـ … ـز سربلك الله سربالها وولى عبد الله بن عمر: عمرو بن سهيل بن عبد العزيز البصرة، وهو كليجة. ثم إن الضحاك بن قيس الشيباني الحروري أقبل من ناحية الموصل مما يلي شهرزور فيمن معه من الخوارج، فلما بلغ ابن عمر إقباله إليه وهو بالحيرة استعد له وتحول إلى قصر الكوفة، فنزل الضحاك بإزائه فواقعه فهزمه الضحاك، وقتل ممن معه: عاصم بن عمر أخوه، قتله البرذون بن مورّق الشيباني أو غيره وجعفر بن العباس الكندي أخو عبيد الله بن العباس، قتله عبد الملك بن علقمة العبدي. وكان جعفر على شرطة ابن عمر، وكانت المعركة بين الكوفة والحيرة، ومضى عبد الله بن عمر نحو واسط، وسار النضر بن سعيد الحرشي يريد مدينة واسط، فلم يدخلها لمنع عامل ابن عمر إياه من دخولها ودفعه له عنها، وهو شبيب بن مالك الغساني، وكان شبيب لما بلغه قرب النضر من واسط أغلق أبواب المدينة وتحصّن، وبدر ابن عمر فدخلها وتحصن بها، واتبعه الضحاك فحصره بها أشهرا حتى أظهر الجنوح إليه وصالحه على أربعة آلاف ألف درهم، وعلى أن يسير الضحاك إلى مروانفيحاربه، فإن هو ظفر بمروان سمع وأطاع له، وإلا فلا بيعة له عليه إن غلبه مروان. وتعاقدا على محاربة مروان وأصحابه. وغلب الضحاك على الكوفة وسوادها، وتوجه الضحاك يريد مروان، وسار مروان يريد العراق لقتال الضحاك، فلما بلغه وهو بقرب قرقيساء أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك قد خرج عليه انصرف إليه فلقيه بخساف (¬١) أو قربها، فاستباح عسكره، وكان سليمان خليفة ابراهيم على عسكره، ثم أمّنه مروان، ثم خرج أيضا عليه، وانصرف مروان إلى الرقة وأتى حران وكان سليمان في موال لهشام، فلقي الضحاك فصار معه وصلى خلفه، فقال بعض الخوارج: ألم تر أنّ الله أنزل نصره … وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ويقال إن ذلك قيل في ابن عمر، حين جنح إلى السلم. وبلغ مروان انتقاض أهل حمص عليه، فأتاها وأقام عليها حتى فتحها، وهدم حائطها، ثم إن الضحاك أتى الجزيرة فحاصر نصيبين فلم يظفر بها، فأتى حرّان ومنزل مروان بها فواقعه مروان ثلاثة أيام ثم قتل. وولى مروان يزيد بن عمر بن هبيرة العراق فسار إلى واسط وعبد الله بن عمر بها وقد تهيأ للحصار، وانضم إليه قوم من الخوارج من قبل الضحاك، وعزم على قتال ابن هبيرة، ثم تفرقت الخوارج عنه، فتجمعت مضر ممن كان بواسط فردموا باب القصر على ابن عمر، وبعثوا العلاء بن مزروع إلىابن هبيرة يخبرونه أنهم قد حصروه فأقبل لا يلوي على شيء وحصره ثم أعطاه الأمان على حكم مروان، وكتب إلى مروان بذلك فكتب إليه مروان اقتله ولا تناظره. فراجعه في أمره فكتب إليه أن احمله إليّ فقال: أنا ابن عمر بن عبد العزيز وأرجو ألا يقدم عليّ مروان. فحمله ابن هبيرة فحبسه مروان، ثم بعث إليه من اغتاله بشربة سقيها، ويقال ديس بطنه، ويقال غمّ حتى مات. وقتل ابن عمر وكان لابن عمر ابن يقال له بشر كان في صحابة المهدي أمير المؤمنين. وأما منصور بن جمهور الذي قيل له، منصور بن جمهور أمير غير مأمور، فإنه خلع مروان وأقام بالجبل يجبي خراجه، ومال إلى شيبان خليفة الضحاك وولي عهده. ثم مضى إلى السند فغلب عليها حتى قدم عليه مغلس العبدي واليا على السند من قبل أبي مسلم فحاربه حتى قتله وهزم جنده، فلما بلغ أبا مسلم قتل عامله عقد لموسى بن كعب التميمي على السند فقدمها وواقع منصورا فهزمه وجيشه وقتل أخاه منظور بن جمهور، وخرج منصور مفلولا هاربا حتى ورد الهل (¬١) فمات عطشا. وحدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: قتل مع ابن عمر: عاصم أخوه فدفنه إلى جانب الأشعث، قال: وقتل جعفر بن العباس بن يزيد الكندي مع ابن عمر حين قاتل الضحاك والخوارج بينالكوفة والحيرة، وكان عبيد الله بن العباس بن يزيد يقاتل مع أخيه، ثم جنح إلى الخوارج. فقال أبو عطاء السندي. فقل لعبيد الله لو كان جعفر … هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل جنحت وقد ردّوا أخاك وأكفروا … أباك فماذا بعد ذاك تقول فقال: أقول أعضّك الله ببظر أمك. وولي عبيد الله لأبي العباس أمير المؤمنين قنسّرين، وللمنصور أرمينية. وبها مات. وقال امرأة من الصفرية: نحن قتلنا عاصما وجعفرا … والفارس الضّبيّ حين أصحرا ونحن جبنا الخندق المقعّرا -