page 2695, entry [502]Open original source
أمر عبد الله بن الزبير في أيام عبد الملك ومقتله قال الواقدي وغيره: لما بويع عبد الملك وهو بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستّة آلاف من أهل الشام وأمره أن لا ينزل على أحد وأن لا يدخل المدينة، وأن يعسكر بالعرصة (¬١) ففعل، وكان عامل عبد الله بن الزبير على المدينة الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي، ولاّه إيّاها بعد عزله مقوم الناقة لتشاؤم الناس بمقوّم الناقة، وغلاء السعر في ولايته، حتى بلغ مدّ النبي ﷺ درهمين، فهرب الحارث وكان ابن أنيف يدخل فيصلّي الجمعة بالناس ثم يعود إلى معسكره، فأقام وأصحابه شهرا لا يبعث إليهم ابن الزبير أحدا، ولم يلقوا كيدا، فكتب عبد الملك إلى ابن أنيف ومن معه في القفول إلى الشام فلم يتخلّف منهم أحد، وكان يصلّي بالناس بعده عبد الرحمن بن سعد القرظ ثم عاد الحارث بن حاطب إلى المدينة، ووجّه ابن الزبير سليمان بن خالد الزرقي من الأنصار، وكان رجلاصالحا، وجدّه ممّن شهد العقبة، إلى الحارث، وأمره بتوليته خيبر وفدك، فخرج سليمان فنزل في عمله. وبعث عبد الملك عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، ويقال عبد الملك بن الحارث بن الحكم وهو الثبت، في أربعة آلاف إلى المدينة فلما نزل أول عمل ابن الزبير ممّا يلي الشام، هرب عمّاله، وسار عبد الملك حتى نزل وادي القرى ووجّه منها خيلا عليها أبو القمقام إلى سليمان بن خالد فوجدوه قد هرب، فطلبوه حتى لحقوه فقتلوه ومن معه، فلما بلغ ذلك عبد الملك اغتم وقال: قتلوا رجلا مسلما محرما صالحا بغير ذنب، ودخل عليه قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعي، وكان يتولّى خاتم عبد الملك، وروح بن زنباع الجذامي فنعاه إليهما فارتاعا لذلك، وترحّما عليه. وعزل ابن الزبير ابن حاطب الجمحي، وولّى مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فوجّه جابر أبا بكر بن أبي قيس في ستّمائة وأربعين فارسا إلى خيبر، فوجدوا أبا القمقام ومن معه وهم الخمسمائة الذين قتلوا سليمان الزرقي مقيمين بفدك يعسفون الناس ويأخذون أموالهم، فقاتلوهم وانهزم أصحاب أبي القمقام، وأخذ منهم ثلاثون رجلا أسرى فقتلهم أبو بكر صبرا، ويقال: بل قتل الخمس المائة أو أكثرهم، وكان عبد الملك قد وجّه طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفّان، وهو الذي يقول فيه الشاعر: ولو تكلّمن ذممن طارقا … والدهر قد أمّر عبدا آبقا وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى، فيمنع عمّال ابن الزبير من الانتشار، ويحفظ ما بينه وبين الشام، ويسدّ خللا إن ظهر له، فوجّه طارق إلى أبي بكر خيلا فاقتتلوا، فأصيب أبو بكر في المعركة، وأصيب من أصحابهأكثر من مائتي رجل، وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيّام كان عامله على البصرة في البعث إليه بألفي رجل ليعينوا عامله على المدينة، ويقيموا معه بها فوجّه رجلا في ألفين فكان مع جابر. فلما قتل أبو بكر بن أبي قيس، كتب ابن الزبير إلى القادم من البصرة يأمره أن يخرج في أصحابه فيلقى طارقا، وبلغ طارقا الخبر، فصار نحو المدينة فالتقيا بموضع يعرف بشبكة الدوم، فقتل البصريّ وقتل أصحابه قتلا ذريعا، فطلب مدبرهم وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم ولم ينج منهم إلاّ الشريد، فلما بلغ ابن الزبير مقتله كتب إلى عامله على المدينة يأمره أن يفرض لألفي رجل من أهل المدينة وما والاها ليكونوا رداء لها، ففرض الفرض ولم يأته مال فبطل فسمّي ذلك الفرض فرض الريح. قال الواقدي: ويقال إنّ هذا الفرض كان في ولاية ابن حاطب. ورجع طارق إلى وادي القرى فكان سيّارة فيما بين المدينة ووادي القرى وأيله، وكان عامل ابن الزبير مقيما بالمدينة، قال: وعزل ابن الزبير جابر بن الأسود وولّى في صفر سنة سبعين طلحة بن عبد الله بن عوف، الذي يعرف بطلحة الندى، فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق بن عمرو، وقد قدمها يريد الحجّاج والحجّاج بمكة، وكان طارق حسن العفو والتقيّة له رفق. وقال الواقدي: لما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وأتى الكوفة، وجّه منها الحجّاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير في ألفين، ويقال: في ثلاثة آلاف، ويقال في خمسة آلاف من أهل الشام، وذلك في سنة اثنتين وسبعين، فلم يعرض للمدينة ولا طريقها، وسار على الربذة حتى أتىالطائف، فكان يبعث البعوث إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير إليه أصحابه فيقتتلون هناك وكلّ ذلك تهزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجّاج إلى الطائف. وقال عوانة بن الحكم: دخل عبد الملك بن مروان الكوفة حين قتل مصعبا فأقام بها أيّاما، ثم وجّه جيشا إلى ابن الزبير، وهو بمكة واستعمل عليه الحجاج بن يوسف الثقفي، فأقبل عليه الهيثم بن الأسود النخعي فقال له: يا أمير المؤمنين أوص هذا الغلام الثقفي بالكعبة، ومره أن لا ينفّر أطيارها، ولا يهتك أستارها، ولا يرمي أحجارها، وأن يأخذ على ابن الزبير بشعابها وفجاجها وأنفاقها، حتى يموت فيها جوعا أو يخرج عنها مخلوعا، فقال عبد الملك للحجاج: افعل ذلك واجتنب الحرم وانزل الطائف. فسار الحجاج حتى نزل الطائف، ثم إنّه كتب إلى عبد الملك إنّك متى تدع ابن الزبير وتكفّ عنه ولا تأمر بزحمه ومصادمته يكثر عدده وعدده وسلاحه فأذن لي في قتاله ومناجزته فكتب إليه: افعل ما ترى، فأمر أصحابه أن يتجهّزوا للحجّ، ثم أقبل من الطائف، وقدّم مقدّمته، فنصبوا المنجنيق على أبي قبيس، فلما هبطوا إلى منى رأى من في عسكر الحجاج المنجنيق منصوبة فقال الأقيبل بن شهاب الكلبي، وهو ينسب في القين بن جسر، فيقال القيني: لعمر أبي الحجّاج لو خفت ما أرى … من الأمر ما ألفيت تعذلني نفسي فلم أر جيشا غرّ بالحجّ قبلنا … ولم أر جيشا مثلنا غير ما خرسيقول لا يتكلم ولا ينكر: خرجنا لبيت الله نرمي ستوره … وأحجاره زفن الولائد في العرس دلفنا له يوم الثلاثاء من منى … بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس فإلاّ ترحنا من ثقيف وملكها … نصلّ لأيّام السباسب والنحس فبلغ الحجاج الشعر، فطلبه ليقتله، فهرب حتى لحق بدمشق، فضرب على قبر مروان بن الحكم خيمة مستجيرا به، فدعا به عبد الملك، فلما صار بين يديه أنشده: إنّي أعوذ بقبر لست مخفره … ولا أعوذ بقبر بعد مروانا فقال عبد الملك: وأنا لا أعوّذ به أحدا بعدك، وأمر كاتبه أن يكتب له إلى الحجاج بأن يمسك عنه، ويعلمه أنّه قد آمنه، فقال له الكاتب: عد إليّ، فلما خرج أمره عبد الملك أن يكتب إليه إني قد صرفت إليك الأقيبل فاعمل فيه بما ترى فإنك محمود الرأي موفّق للصواب فكتبه وختمه، فلما أخذه وانطلق به متوجّها يريد مكة فكر في أمره، فقال لعلّ الكتاب مثل صحيفة المتلمّس ففتحه ودفعه إلى من قرأه له فأنشأ يقول: لأطلبنّ حمولا قد علت شرفا … كأنّها في الضحى نخل مواقير فقد علمت وعلم المرء ينفعه … أنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير مستحقبا صحفا تدمى طوابعها … وفي الصحائف حيّات مناكير لئن أتيتك يا حجّاج معتذرا … إذا فلا قبلت تلك المعاذير وإن ظهرت لحجّاج ليقتلني … إنّي لأحمق من تحدى به عير ثم لحق بقومه في باديتهم، فلم يزل معهم حتى هلك.وحصر الحجاج ابن الزبير في المسجد، وألحّ عليه بالمنجنيق، وصيّر على رماتها رجلا من خثعم فجعل يرمي البيت وهو يقول: خطّارة مثل الفنيق المزبد … نرمي بها عوّاذ هذا المسجد وقد كان رماة المنجنيق يقولون مثل هذا في حصار حصين بن نمير أيّام يزيد بن معاوية. وقال الواقدي: كتب الحجاج من الطائف إلى عبد الملك يسأله المدد ويستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم ويعلمه أنّه قد روخي له في خناقه، وأنّه في فسحة من أمره، فأذن له في ذلك، وكتب إلى طارق بن عمرو يأمره باللحاق به، فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، فخرج عامل ابن الزبير عنها، وصيّر عليها طارق بن عمرو رجلا من أهل الشام يقال له ثعلبة، فكان ثعلبة ينكت المخّ على منبر رسول الله ﷺ ويأكله، ويأكل التمر على المنبر ليغيظ بذلك أهل المدينة، وكان مع ذلك شديدا على أهل الريبة، فأمنت الطرق وكان أصحابه يتعبّثون فيضربهم بالسياط، وأخذ قوما تناولوا من شعير لرجل قد دقّ شعيره فضرب كل امرئ منهم خمسمائة سوط، وأتي برجل اغتصب امرأة نفسها فضربه بالسياط حتى مات، ثم صلبه على باب المرأة، وقال جابر بن عبد الله لما رأى صنيعه على منبر رسول الله ﷺ: رحم الله عثمان أنكروا من أمره ما قد رأوا أعظم منه أضعافا، وإن كانت سيرة طارق صالحة. قال: وكانت العير تحمل إلى أهل الشام من عند عبد الملك السويق والكعك والدقيق، لا تفتر حتى أخصبوا.قال: ونحر ابن الزبير ونفر معه البدن عند المروة إذ لم يقدروا على إتيان منى وعرفة، وسأل الحجاج ابن الزبير أن يطوف بالبيت فلم يأذن له في ذلك إذ لم يأذن له الحجاج في حضور عرفة. وكان عبد الملك ينكر رمي البيت في أيّام يزيد بن معاوية، ثم أمر بذلك، فكان الناس يتعجّبون منه ويقولون خذل في دينه، وحجّ عبد الله بن عمر في تلك السنة، فأرسل إلى الحجّاج أن أتّق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنّك في شهر حرام، وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض يضربون آباط الإبل ويمشون على أقدامهم ليؤدّوا فريضة أو يزدادوا مزداد خير، فإنّ المنجنيق قد منعتهم من الطواف، فكفّ عن الرمي حتى قضوا ما يجب عليهم بمكة. وخرجوا إلى مني وعرفة فوقف بالناس بها وشهد معهم المشاهد ولم يعرض ابن الزبير للحجّاج في الزيارة وغيرها، ونادى منادي الحجّاج في الناس أن انصرفوا إلى بلادكم، فإنّا نعود بالمنجنيق على الملحد ابن الزبير، وتحلّب الناس إلى ابن الزبير ليقاتلوا معه إعظاما للبيت وحرمته، وقدم عليه قوم من الأعراب تقعقع وفاضهم، وقالوا: قدمنا لنقاتل معك فأعنّا على قتال أعدائك، فإذا مع كلّ امرئ منهم سيف كأنّه شفرة قد خرج من غمده فقال: يا معشر الأعراب لا قرّبكم الله، فوالله إنّ سلاحكم لرثّ، وإنّ حديثكم لغث، وإنّكم لعيال في الجدب، وأعداء في الخصب فتفرّقوا عنه. وقال الواقدي في روايته: قدم على ابن الزبير حبشان من الحبشة فقاتلوا معه، فكانوا يرمون بمزاريقهم فلا يقع لهم مزراق إلاّ في رجل، فقتلوا من الشاميين جماعة ونهكوا، فحمل عليهم أهل الشام فانكشفواوجعلوا يعتذرون إلى ابن الزبير ويقولون: لسنا بأصحاب مواجهة، ولكنّا أصحاب اتّباع بالمزاريق إذا ولوا، فلم يزل بعد ذلك يواجه الشاميينّ أصحاب السيوف ويتقدّم، وإذا ولى القوم أمر أصحاب المزاريق فرموهم، ثم إنّهم فارقوه لضيق الأمر عليهم. قال: وكان مع ابن الزبير قوم قدموا مع ابن عديس من مصر، ثم صاروا خوارج ذوو شجاعة وبأس فقاتلوا معه دافعين عن البيت معظمين لحرمته وكانت لهم نكاية في أهل الشام، فبلغه عنهم ما يقولون في عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: والله ما أحبّ أن أستظهر على عدويّ بمن يبغض عثمان، ولا بأن ألقي الله إلا ناصرا له، وجعل يماكرهم، فقالوا: والله ما نرى أن نقاتل مع رجل يكفّر أسلافنا، وما قاتلنا إلاّ لحرمة هذا البيت، وأن نردّها شورى فتفرّقوا عنه فاختلّ عسكره وعريت مصافّه ودنا منه عدوّه حتى قاتلوه في جوف المسجد، فقال عبيد بن عمير: عجبا لك ولما صنعت لهؤلاء القوم، وهم أهل البلاء الحسن والأثر الجميل هلاّ سكتّ عنهم واحتملتهم إلى أن يصنع الله وتضع الحب أوزارها، وقد قلت: لو أنّ الشياطين أعانتني على هؤلاء القوم لقبلتهم وقد كان رسول الله ﷺ يستعين في حربه بالمنافقين واليهود. قال: وأصابت الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسا له وقسم لحمه في أصحابه. وقال الواقدي: حدثني ابن جريج عن عطاء قال: رأيت العبّاد من أصحاب ابن الزبير يأكلون لحوم البراذين في حصر ابن الزبير.وقال الواقدي في روايته: وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، ومدّ الذرة بعشرين درهما، وإنّ بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا. وقال ابن الكلبي وغيره: كان أهل الشام ينتظرون فناء ما كان عند ابن الزبير من الطعام، فكان يحوط ذلك ولا ينفق منه إلاّ ما يمسك الرمق ويقول: أنفسهم قويّة ما لم يفن، يعني أنفس أصحابه. قالوا: ولما صدر الناس عن الحجّ أعاد الحجاج الرمي بالمنجنيق، فلقد كان الحجر يقع بين يدي عبد الله بن الزبير وهو يصلّي فلا يبرح. وحدثني أحمد بن ابراهيم الدورقي حدثنا محمد بن كثير حدثنا حمّاد بن سلمة عن قتادة قال: كان حجر المنجنيق يجيء عبد الله بن الزبير فيقال له تنحّ فيقول: سهّل عليك فإنّ الأمور … بكفّ الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيّها … ولا قاصر عنك مأمورها وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رأيت حجارة المنجنيق يرمى بها الكعبة حتى كأنها جيوب النساء، ولقد رميت بكلب فكفأ قدرا لنا فيها جشيشة (¬١) فأخذناه فوجدناه كثير الشحم، فكان أشدّ إشباعا لنا من الجشيشة. وقال عوانة: رميت الكعبة حتى ارتجّت ووهت فارتفعت سحابة ذات برق ورعد فسقطت صاعقة على المنجنيق فأحرقتها وقتلت من أصحابها اثني عشر رجلا، فذعر أهل الشام من ذلك، وكفّوا عن القتال، فقال الحجاجإنها تهامة، وهي بلاد كثيرة الصواعق فلا يروعنّكم ما ترون فإن من قبلكم كانوا إذا قرّبوا قربانا بعثت نار فأكلته، فيكون ذلك علامة تقبل ذلك القربان، فأتي بمنجنيق أخرى وعاود الرمي. المدائني عن مسلمة عن أشياخ له قال: رمى الحجاج البيت، فسقطت على المنجنيق صاعقة في يوم مطير فقال: لا يروعنكم فإنّها صواعق تهامة. قال: وجعل أهل الشام يقولون وهم يرمون: يا بن الزبير طال ما عصيكا … وطال ما عنيتنا إليكا لتجزينّ بالذي أتيكا … لنضربن بسيفنا قفيكا وجعلوا يقولون كقولهم في أيّام حصار حصين بن نمير: كيف ترى صنيع أمّ فروة … تقتلهم بين الصفا والمروة وكان مع الحجاج ممّن مع الحصين. حدثني محمد بن سعد والوليد بن صالح قالا: حدثنا الواقدي حدثني إسحاق بن يحيى بن يوسف قال: رمي بالمنجنيق فرعدت السماء وبرقت فتهيّب ذلك أهل الشام فرفع الحجاج بيده حجرا ووضعه في كفّة المنجنيق ورمى بعضهم، فلما أصبحوا جاءت صاعقة فقتلت من أصحاب المنجنيق اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا ما ترون فإنّما هي صواعق تهامة، وعظّم عندهم أمر الخلافة، وطاعة الخلفاء. وقال ابن الكلبي: اصابت الناس مجاعة في أيّام ابن الزبير وكان عامله على وادي القرى الجرّاح بن الحصين بن الحارث الجعفي، وكان لابن الزبيربها تمر كثير من تمر الصدقة، فأنهبه فلما قدم عليه جعل يضربه بدرّته ويقول: أكلت تمري وعصيت أمري، فلما كان حصار الحجاج إيّاه، دعا الحجاج الجّراح بن الحصين فقال له حدثني حديث الملحد وحديثك فدعا وجوه من معه فقال: اسمعوا أهذا ممن يرجى لخير؟! قال: وقدم عبد الله بن درّاج، مولى معاوية مكة، فاتّهمه ابن الزبير فقتله، فقال ابن الزبير الأسدي: أيها العائذ في مكّة كم … من دم أجريته في غير دم أيد عائذة معصمة … ويد تقتل من جاء الحرم قالوا: ولما كان قبل مقتل عبد الله بن الزبير بيوم، خطب الحجاج أصحابه وحضهم وقال: هذا الفتح قد حضر، وقد ترون خفّة من مع الملحد ابن الزبير من الرجال وقلتهم وما فيه أصحابه من الضيق والجهد، ففرحوا واستبشروا وملأوا ما بين الحجون إلى الأبواب. وقالت أسماء بنت أبي بكر، أمّ عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: والله ما أنتظر إلاّ أن تقتل فأحتسبك، أو تظفر فأسرّ بظفرك فإن كنت على حق وبصيرة في أمرك فما أولاك بالجدّ ومنازلة هؤلاء القوم، وإلاّ فالسلم منهم أولى بك، فقال: يا أمّه إنّي أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثّلوا بي ويصلبوني، فقالت: يا بنيّ إنّ الشاة إذا ذبحت لم تألم السلخ، فامض على بصيرتك فاستعن بالله ربك فخرج ابن الزبير، فدفع أهل الشام دفعة منكرة، وقتل منهم ثم انكشف وأصحابه فرجع، وبلغ أمّه الخبر فقالت: خذلوه وأحبّوا الحياة ولم ينظروا لدنياهم ولا آخرتهم، ثم قامت تصلّي وتدعو فتقول: اللهم إنّ عبد الله بن الزبير كان معظما لحرمتك، وقد جاهد فيكأعداءك وبذل مهجة نفسه لرجاء ثوابك فلا تخيّبه، اللهم أظهره وانصره، اللهم ارحم طول ذلك السجود والنحيب، وذلك الظمأ في الهواجر، وما أقول هذا القول تزكية له، ولكنّه الذي أعلمه منه وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، اللهم إنّه كان برّا بوالديه فاشكر ذلك له، فلما كان يوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي قتل فيه، جاء إلى امّه وعليه درعه ومغفره فودّعها وقبّل يدها فقالت: لا تبعد إلاّ من النار، وقال يا أمّه خذلني الناس إلاّ ولدي وأهل بيتي، وكان الحجاج قد بسط الأمان للناس، فاستأمن إليه خلق واعتزلوا ابن الزبير. قالوا: وخرج ابن الزبير من عند أمّه فقاتل أشدّ قتال وضرب رجلا من أهل الشام فقال: خذها وأنا ابن الحواريّ، فقتله، وضرب آخر وكان حبشيا فقطع يده وقال: اصبر أبا حممه، اصبر ابن حام. وقال أبو مخنف: جعل يقاتل يومئذ قتالا لم ير مثله وهو يقول: صبرا عفاق إنّه شر باق قبلك سنّ الناس ضرب الأعناق قد قامت الحرب بنا على ساق المدائني عن يزيد بن عياض عن صالح بن كيسان قال: برز عبد الله بن الزبير في اليوم الذي قتل فيه فدمي وهو يقول: لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدما وهذا البيت لخالد بن الأعلم. حليف بني مخزوم، وهو عقيليّ، وكان أسر يوم بدر، فقدم في فدائه عكرمة بن أبي جهل، وقال بعضهم: هو لأبي عزّة الجمحي.قالوا: ورأى الحجاج الناس يخيمون عن ابن الزبير، فغضب وترجّل، وأقبل يسوق الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير، وهو بين يديه فتقدّم ابن الزبير صاحب علمه، وضاربهم فانكشفوا، وعرّج فصلّى ركعتين عند المقام فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة، وصار العلم في أيدي أصحاب الحجاج فلما فرغ من صلاته تقدّم فقاتل بغير علم، والحجاج يذمر الناس، وقد شحنت الأبواب ولم يتخلّف من أهل عسكر الحجاج أحد من أصحابه وأصحاب طارق، فأصابت ابن الزبير رمية فسقط، وصاحت امرأة: وا أمير المؤمنيناه، وتعاووا عليه فقتلوه. وقال أبو مخنف وغيره: أتى عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب ابن الزبير ليلة الثلاثاء فعرض عليه أن يخرج إلى الحجاج على أن يأخذ له أمانا، وقال: خرجت منكرا للظلم، متّبعا لهدي الصالحين، وقد قتل على ذلك قوم معي مستبصرين، فإن قتلت فإنّي سأجتمع وقاتلي بين يدي الحكم العدل، فلما أصبح سمع الحجاج يقول: خذوا الأبواب لا يهرب، فقال: لقد ظنّ ابن الخبيثة بي ظنه بأبيه ونفسه يوم فرّ من الحنتف بن السجف. وقال أبو مخنف في روايته: دخل ابن الزبير على أمّه فقبّل يدها وعانقها، وكانت عمياء، فلما مسّت الدرع قالت: هذه تثقلك فنزعها وشمّر ثيابه وأدرج كمّه، فقالت: والله ما أحبّ أن أموت يومي هذا حتى أعلم إلى ما يصير أمرك إليه من الظفر الذي أرجوه، أو الأخرى، فأحتسبك وتمض لسبيلك على بصيرتك ونيّتك.وجعل أهل الشام ينادونه: يا بن العمياء يا بن ذات النطاقين فأنشد: وعيّرها الواشون أنّي أحبّها … وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقاتل وهو يقول: شيخ كبير علّ … قد عاش حتّى ملّ وقال ابن الزبير - وأخبر أنّ بني سهم قد مالوا برايتهم إلى الحجاج فدخلوا في أمانه، وأنّه قال: من دخل دار الحارث بن خالد ودار شيبة الجحبي فهو آمن - فقال: فرّت سلامان وفرّت النمر … وقد تلاقى معهم فلا تفر وفي رواية الواقدي: أنّ أسماء كانت تقول: وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم، فيقال: للحجاج، فتقول: ربما أمر بالباطل، فإذا قيل هي لعبد الله قالت: اللهم انصر أهل طاعتك، ومن غضب لك. وفي روايته أيضا: أنّ إسحاق بن عبيد الله الأسلمي قال: شهدت حصار ابن الزبير الآخر، فكان يباشر القتال بنفسه، ولقد رأيته يقتل بيده مثل جميع من يقتله أصحابه، ورأيته اليوم الذي قتل فيه وهو يوم الثلاثاء، وإنّه لبين الركن والمقام يقاتلهم أشدّ القتال حتى إنّهم ليغشونه من كلّ ناحية حتى قتل، وكان يدعى إلى تبييت الحجّاج، فيقول: البيات لا يصلح ولا نستحلّه. قالوا: وعرض على ابن الزبير أن يدخل الكعبة، فقال: والله إنّي لأكره أن أدخلها فأوخذ كما تؤخذ الضبع من وجارها، ولكنّي أقاتل بسيفي هذا حتى أقتل، والله ما باطن الكعبة عند الحجاج إلاّ كظاهرها، وكانيحمل على رجليه حتى يبلغ الأبطح كأنّه أسد في أجمة، ثم يرجع إلى المسجد، وقد جعل الحجاج يومئذ على كل باب أهل جند من أجناد الشام، وجعل ابن الزبير يقول: إنّي إذا أعرف يوم أصبر … والصبر أولى بالفتى وأعذر وبعضهم يعرف ثم ينكر وقال أبو مخنف وعوانة في روايتهما: قال حمزة بن الزبير لعبد الله: لو رقيت فوق الكعبة يا أمير المؤمنين قاتلنا حولك حتى نقتل جميعا قبلك، فقال ابن الزبير: أبّى لابن سلمى أنّه غير خالد … حذار المنايا أيّ وجه تيمّما فلست بمبتاع الحياة بسبّة … ولا مرتق من خيفة الموت سلّما ثم قال لأصحابه: أيّكم طلبني، فإنّي في الرعيل الأوّل. وقيل له لو لحقت بموضع كذا؟ فقال: لبئس الشيخ أنا في الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا، ثم فررت عن مثل مصارعهم، وقال لمن بقي معه: غضوا أبصاركم عن البارقة، وعضّوا على النواجذ، ولينظر رجل كيف يضرب، ولا تخطئوا مضاربها فتكسروها، فإنّ الرجل إذا كان أعضب لا سيف معه أخذ أخذا كما تؤخذ المرأة وكان يقول: لا عهد لي بغارة مثل السيل … لا ينقضي غبارها حتّى الليل قالوا: وقاتل ابن مطيع حتى قتل وهو يقول: أنا الذي فررت يوم الحرّة … والحرّ لا يفرّ إلاّ مرّة فاليوم أجزي فرّة بكرّة ويقال: إنه أصابته جراح فمات منها بعد أيّام، وذلك أثبت.قالوا: وشرب ابن الزبير الصبر أياما، ثم المسك مخافة أن يصلب فيشمّ نتنه وقال طارق، ورأى ابن الزبير: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج اتقرظ مخالفا لأمير المؤمنين وطاعته؟ قال: ذلك أعذر لنا في محاصرته سبعة أشهر ونصفا، أو قال: ستة أشهر ونصفا، وهو في غير حصن ولا منعة، فبلغ ذلك عبد الملك ذلك فصوب طارقا. وقال الواقدي: حصر ابن الزبير في غرّة ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وقتل يوم الثلاثاء في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكان الحصار ستّة أشهر وسبع عشرة ليلة، وحجّ الحجّاج بالناس في سنة ثلاث وسبعين حجّا تامّا، وقتل ابن الزبير وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: رمى عبد الله بن الزبير رجل من السكون بآجرّة فأثبته فوقع، وتولّى قتله رجل من مراد وحمل رأسه إلى الحجاج، فسجد الحجاج وأوفد السكوني والمراديّ إلى عبد الملك فأعطى كلّ واحد منهما خمسمائة دينار، وفرض لكلّ واحد منهما في مائتي دينار، ونصب عبد الملك رأس ابن الزبير، وأمر فبعث به إلى النواحي. وحدثني محمد بن سعد عن محمد بن عمر الواقدي عن خالد بن إلياس عن أبي سلمة الحضرمي قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر يوم الثلاثاء، وبين يديها كفن قد أعدّته ونشرته ودخّنته، وأمرت جواري لها أن يقمن على أبواب المسجد فإذا قتل عبد الله صحن، فلما قتل سمعت صياحهنّ فأرسلت لتحمله، فوجدت الحجاج قد حزّ رأسه فبعث به إلى عبد الملك وصلبه منكّسا، وإذا هي تقول: قاتل الله المبير يحول بيني وبين جثّته أن أواريها.وحدثني روح بن عبد المؤمن حدثنا عارم بن الفضل حدثنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن نافع: أنّ ابن عمر مرّ بجذع ابن الزبير، فقال: أهو هو، قلت: نعم، قال: لقد كان عن هذا غنيّا. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: لما أحسّ ابن الزبير بالقتل تمسّك، وكانت له سجّادة كركبة العنز، فلما قتله الحجاج صلبه على الثنيّة اليمنى بالحجون، فأرسلت أسماء إليه: قاتلك الله على ماذا صلبته؟ فقال: إنّي استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة، فكانت اللبجة (¬١) به، فسبقني إليها، فاستأذنته في تكفينه، ودفنه فأبى ووكّل بجثّته من يحرسها، وكتب إلى عبد الملك بصلبه إيّاه، فكتب إليه عبد الملك يلومه على صلبه، ويقول: ألا خلّيت بينه وبين أمه فأذن لها الحجّاج فوارته بمقبرة الحجون، وصلّى عليه عروة بن الزبير، ويقال غيره. وقال عوانة بن الحكم: مرّ عبد الله بن عمر حين أخبر بصلب ابن الزبير فجعلت ناقته تحتكّ بخشبته، أو قال: بجذعه، ورائحة المسك تسطع منه فقال: رحمك الله أبا خبيب، رحمك الله أبا خبيب، والله لقد كنت صوّاما قوّاما، ولكنّك رفعت الدنيا فوق قدرها وأعظمتها، ولم تكن لذلك بأهل، وإنّ قوما أنت من شرارهم لقوم صدق أخيار. وقال عوانة: بلغني أنّ الحجاج ربط إلى ابن الزبير هرّة ميّتة، ويقال: كلبة ميتة، فكانت رائحة المسك تغلب على ريحها، قال: وتوفيّت أمّه بعده بقليل.قال: ولما قتل ابن الزبير كبّر أهل الشام، فقال ابن عمر: لمن كبّر من الأخيار لمولده أكثر ممّن كبّر من الأشرار لقتله، وكان أوّل مولود ولد بالمدينة من أبناء المهاجرين. وقال عوانة وغيره: لما قتل الحجاج ابن الزبير وصلبه بعث إلى أمّه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لتأتيه، فأبت أن تفعل، فبعث إليها لتقبلنّ أو لأبعثنّ إليك من يجرّك بقرونك فقالت لرسوله: قل لابن أبي رغال: لست أفعل أو تبعث إليّ من يجرّني بقروني، فلبس سبته وجعل يتوذّف (¬١) في مشيته حتى دخل عليها فقال: كيف رأيت ما صنعت بطاغيتك؟ قالت: من عنيت؟ قال: عبد الله، قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وإنّ أعجب ممّا فعلت تعييرك إيّاي بالنطاقين، فليت شعري بأيّ نطاقيّ عيّرتني، أبالذي كنت أحمل به الطعام إلى رسول الله ﷺ، وهو في الغار، أم بنطاقي الذي تنتطق الحرّة بمثله في بيتها، أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في ثقيف مبير وكذّاب»، فأمّا الكذّاب فقد رأيناه، وأمّا المبير فأنت هو، فانصرف وهو يقول: مبير المنافقين، مبير المنافقين، قالت: بل عمودهم. قالوا: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يسأله أن يبعث إليه بعروة بن الزبير، وكان عروة بن الزبير قد شخص إلى عبد الملك حين قتل أخوه وذكر أنّ أموال عبد الله عنده، فلما وصل الكتاب إليه قال للخرسيّ: خذ بيده، وكان عروة في مجلسه، وقد آمنه فقال عروة: ما على هذا أتيتك؟! فقال: لا بدّمن الحجاج فنهض عروة وهو يقول: ليس الذليل من قتلتموه، ولكنّ الذليل من ملكتموه، فاستحيا عبد الملك وقال للحرسيّ: خلّ عنه، وكتب إلى الحجاج ينهاه عن الكتاب فيه فكفّ عنه، وكانت أمّ عروة أيضا أسماء. المدائني عن عبد الله بن فائد، قال: ركب عروة ناقة لم يدرك مثلها، فقدم الشام قبل قدوم رسل الحجاج بقتل عبد الله بن الزبير على عبد الملك، فأتى باب عبد الملك فاستؤذن له، فلما دخل سلّم عليه بالخلافة فردّ عليه عبد الملك ورحّب به وعانقه وأجلسه على السرير، ثم قال عروة: نمتّ بأرحام إليك قريبة … ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب ثم تحدّث حتى جرى ذكر عبد الله، فقال عروة: إنّ أبا بكر بان، فقال عبد الملك: وما فعل؟ قال: قتل ﵀، فخرّ عبد الملك ساجدا، فقال عروة: فإنّ الحجاج صلبه فهب جثّته لأمّه، قال: نعم، وكتب إلى الحجاج يعظم ما بلغه من صلبه، وكتب إليه إيّاك وعروة فقد آمنته فكان مسيره من الشام راجعا إلى مكة ثلاثين يوما، فأنزل الحجاج جثّة عبد الله عن خشبته، وبعث بها إلى أمّه فغسلته فلما أصابه الماء تقطّع، فقال: قيل لي في المنام يا أمّ المقطّع، فكنت أظنّه المنذر لأنّه جدّع بالسيوف، ولم أظنّه ابني فغسلته عضوا عضوا فاستمسك ودفنته، وصلّى عليه عروة. المدائني عن عامر بن حفص، قال: صلب الحجاج ابن الزبير وقرن به كلبا ميتا. قال: وكتب الحجاج في عروة إنّ عروة كان مع أخيه، فلما قتل عدوّ الله أخذ مالا من مال الله، وهرب فكتب إليه عبد الملك: إنّه لم يهرب ولكنّهأتاني مبايعا، وقد آمنته وحللته ممّا كان، وهو قادم عليك فإيّاك وعروة فعاوده، فكتب إليه أعرض عنه ولا ترادّني فيه. المدائني، قال: قال عوانة: أكثر الحجاج الكتب في عروة حتى همّ عبد الملك أن يشخصه إليه، فقال عروة: ليس الذليل من قتلتموه، ولكنّه من ملكتموه. قال أبو الحسن المدائني: ويقال إنّ عروة قال: ليس بملوم من صبر حتّى مات كريما، ولكنّ الملوم من خاف من الموت، وسمع مثل هذا الكلام فقال: لن تسمع أبا عبد الله منّا شيئا تكرهه. قال عامر بن حفص: ووفد عروة مع الحجاج فقال يوما: قال أبو بكر، فقال الحجاج: لا أمّ لك أتكني منافقا عند أمير المؤمنين، فقال له: ألي تقول لا أمّ لك، وأنا ابن عجائز الجنّة، أمّي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق، وجدّتي صفيّة بنت عبد المطّلب، وخالتي عائشة وعمّتي خديجة بنت خويلد؟! وقال الواقدي في بعض روايته: ركبت أسماء دابّتها ووقفت على ابنها مصلوبا، فقالت: لأثنينّ عليك بعلمي لقد قتلوك مسلما محرما ظمآن الهواجر، مصلّيا في ليلك ونهارك، ودعت له طويلا وما تقطر من عينها قطرة، ثم انصرفت وهي تقول: من قتل على باطل، فلقد قتلت على حقّ، وأنت منيع بسيفك فلا تبعد. وفي بعض رواية الواقدي: أنّ الحجاج وقف على أسماء فقال: كيف رأيت نصر الله الحقّ؟ قالت: إنّه ربّما أديل الباطل على الحقّ ليجعل الله ذلك فتنة للقوم الظّالمين، قال: إنّ ابنك ألحد في البيت، وقال الله:﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (¬١) وقد أذاقه الله ذلك العذاب، قالت: كذبت لقد كان أوّل مولود في الإسلام بالمدينة، فسرّ به المسلمون، وكبّروا يوم ولد، ولقد سررت أنت وأصحابك بقتله، فلمن فرح به يومئذ خير منك ومن أصحابك، ولقد كان صوّاما قوّاما تعوّذ بالبيت فما أعذتموه وانتهكتم حرمته، يا بن أمّ الحجاج إنّ الله للظالمين بمرصاد، وبلغ عبد الملك ما جرى بينه وبين أسماء فكتب إليه: ما لك ولابنة الرجل الصالح. وقال الواقدي: شخص عروة مستأمنا إلى عبد الملك، وكان له صديقا ومجالسا في مسجد المدينة أيّام تنسّك عبد الملك، فآمنه عبد الملك وطلبه الحجاج منه، فأراد أن يبعث به إليه، ثم تذمم فتركه وأرسل معه رسولا إلى الحجاج في ترك التعرّض له، وأن لا يراجعه فيه بكتاب وأن ينزل عبد الله من خشبته، ويخلّي بين أهله وبين دفنه، فأنزل وصلّى عليه عروة. قال الواقدي: وقد سمعت أنّه أنزل وعروة غائب، فصلّى عليه غيره، والأوّل أثبت. قال الواقدي: وأمّا أبو الزناد فكان يقول: حال الحجاج بينهم وبين الصلاة عليه وقال: إنّما أمر أمير المؤمنين بإنزاله ودفنه. وحدثني هشام بن عمّار قال: حدّثت عن الزبيري عن الزهري أنّه قال: كان من أعظم ما أنكر على عبد الله بن الزبير تركه ذكر رسول الله ﷺ في خطبته، وقوله حين كلّم في ذلك: إنّ له أهيل سوء إذا ذكر استطالوا ومدّوا أعناقهم لذكره.وقال الواقدي: قتل مع عبد الله بن الزبير عروة بن عبد الله بن الزبير، ومعاوية بن المنذر بن الزبير، وحمزة بن الزبير، مات من جراح أصابته، وعبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي، وعبد الله بن مطيع العدوي، مات من جراح بعد المعركة، وصلّى الحجاج عليه، فقيل أتصلّي عليه وأنت قتلته؟ فقال: أتدرون ما قلت، إنّما قلت: اللهم إنّه كان يعادي أولياءك ويوالي أعداءك فأصله النار، وعمارة بن عمرو بن حزم الأنصاري، وبعث الحجاج برؤوس: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة، فنصبت بها، ثم أنفذت إلى عبد الملك، فلما رأى رأس ابن صفوان قال: ألم يكن أعرج حائنا (¬١)؟. وقال جابر بن عبد الله الأنصاري لعبد الله بن عمير بعد مقتل ابن الزبير: كيف أنت يا أبا عاصم؟ فقال: بخير من رجل قتل إمامه وظهر عليه عدوّه، فقال جابر: اللهم ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (¬٢). المدائني في اسناده، قال: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن خالد بن (عمرو بن) عثمان بن عفّان: إنّما تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك، قال: صدقت لقد قتلوا أبي، ولكنّ المهاجرين والأنصار قتلوا أباك. وقال الواقدي: لما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير، كنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وأتته ولاية مكة والمدينة، وكان عبد الملك حينبعثه لقتال عبد الله بن الزبير عقد له على مكة، ولكنه أحبّ تجديد ولايته إيّاها، فشخص الحجاج إلى المدينة واستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخفّ بهم، وقال: أنتم قتله أمير المؤمنين عثمان، وختم يد جابر بن عبد الله برصاص وأيدي قوم آخرين كما يفعل بالذمّة، ثم عاد فبنى الكعبة على ما هي عليه اليوم وذلك لورود كتاب من عبد الملك عليه في ذلك، وغيّر بناءها الذي بناها عليه عبد الله بن الزبير بعد حصاره الأوّل، فكان عبد الملك يقول بعد ذلك: لوددت أنّي قلدت ابن الزبير من أمر الكعبة ما تقلّد، وكان المتولّي لبنائها والنفقة عليها عبد الرحمن بن نافع، ويقال: إنّه كتب إلى عبد الرحمن من المدينة أن يأخذ في بنائها، فابتدأه ثم قدم الحجاج مكة فاستتمّ بحضرته. وقال الواقدي: استخلف نافع بن علقمة الكناني، خال مروان، ولما رجع إلى مكة استخلف على المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف، وكان إليه القضاء. وروي: أنّ الحجاج لما فرغ من أمر ابن الزبير وبناء الكعبة شخص إلى عبد الملك واستخلف على مكة عبد الرحمن بن نافع، وعلى المدينة عبد الله بن قيس، وأشخص معه محمد ابن الحنفيّة بأمر عبد الملك، فأمره أن لا يكون له عليه أمر وردّه مكرما، وسأله عمّن استخلف بالمدينة فقال: عبد الله بن قيس، فقال عبد الملك: استخلفته من أحمق أهل بيت من قريش، ثم رجع الحجاج بعد ذلك فلم يزل والياً على الحجاز حتى أتته ولايته على العراق حين مات بشر بن مروان بالبصرة.وقال قوم: كان الحجاج قد وفد إلى عبد الملك، فأتاه نعيّ أخيه وهو عنده، فولاّه العراق، فشخص من الشام إلى الكوفة، وذلك في سنة خمس وسبعين، وولّى عبد الملك مكة عبد الرحمن بن نافع أقرّه عليها، وولّى المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص، ثم بعده أبان بن عثمان بن عفان. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في اسناده قال: لما خرج الحجاج من المدينة قال: الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث أهل، أغشّه لأمير المؤمنين وأحسده له على نعمته، والله لولا ما كان يأتيني من كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعواد يعوذون بها، ورمّة قد بليت، يقولون منبر رسول الله وقبر رسول الله، فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إنّ أمامه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال، ثم أخذه الله بعد أن أنظره. وقال المدائني: لما قتل الحجاج ابن الزبير دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثم وقف على ابن الزبير فرآه صريعا فأمر به فصلب منكّسا، قال: وكان الحجاج رأى كأنّه أخذ ابن الزبير فسلخه، ويقال: بل رأى أنّه نكحه، فذلك كان سبب تولية عبد الملك الحجاج حربه. قال: وقال ابن الزبير يوم قتل انا ابن اثنتين وسبعين سنة وأشهر، ثم قاتل وهو يقول: أنا ابن أنصار النبيّ أحمد … عبد الإله والرسول المهتدي أضرب منهم كلّ وغد قعدد قال: وقاتل عروة يوما فقال: أبى الحواريّون إلاّ مجدا … من يقتل اليوم يلاق رشداوقال ابن الزبير: فما ميتة إن متّها غير عاجز … بعار إذا ما غالت النّفس غولها أرى الموت يغشاني عيانا وإنّما … رأيت منايا الناس يشقى ذليلها قالوا: وأخّر الحجاج الصلاة يوما فقال ابن عمر: إنّ الشمس لا تنتظرك. ووطيء ابن عمر زجّ رمح، فكان ذلك سبب موته فقال الحجاج: من بك؟ قال: أنت قتلتني وأصحابك. وقال النهشلي نحن وفينا مقتل الإمام … بابن الزبير وبني هشام حتى جعلناهم مع الحمام … بين مصلّى الناس والمقام المدائني عن عامر بن حفص وغيره، قالوا: قاتل عطاء بن أبي رباح مع ابن الزبير. قالوا: وقال عروة لعبد الله: قد دعاك هؤلاء القوم إلى الأمان وخيروك نزول أيّ بلد شئت من البلدان، وخيّروك من الولاية ما أحببت، وقد صالح الحسن فكن مثله، قال: أفلا أكون مثل الحسين مات كريما. قالوا: وكتب ابن الزبير بعد مقتل مصعب إلى أهل العراق يدعوهم إلى طاعته وبعث بكتابه إليهم مع رجل من الأنصار، فرفع ذلك إلى بشر بن مروان فأخذ الأنصاريّ فقتله، وكان هذا الأنصاري نازلا على نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس وكان نعيم يذمّ بشرا وينسبه الى الفسق والأفن، ويقرّظ ابن الزبير، ويدعو إلى طاعته سرّا، ويقال: إنّه كان مع الأنصاري كتاب من ابن الزبير إليه في معاونته على أمره، فسعى بالأنصاريوبنعيم إلى بشر بن مروان حوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني فقتله وقتل الأنصاريّ. وقال بعض الرواة: سعى بهما يزيد بن الحارث نفسه، وذلك غلط، لأنّ يزيد قتل بالريّ في أيّام مصعب، قتله الزبير بن عليّ الحارثي. وبعث بشر بالكتاب الذي كتبه ابن الزبير إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج، والحجاج بالطائف أن سر إلى ابن الزبير فانزل معه وأشغله، فقدم مكة وحصره ورماه بالمنجنيق. وقال جوّاس بن القعطل الكلبي: إنّ الخلافة يا أميّة لم تكن … أبدا تدرّ لغيركم ثدياها فخذوا خلافتكم بأمر حازم … لا يحلبنّ الملحدون صراها سيروا الى البلد الحرام وشمّروا … لا تصلحوا وسواكم مولاها لا تتركنّ منافقين ببلدة … إلاّ أملتم بالسيوف طلاها قالوا: ووجد الحجاج في بيت مال ابن الزبير عشرة آلاف ألف درهم فأخذها. وقال عبد الله بن زهير بن أبي أميّة لابن الزبير: إنّ الناس قد خذلوك فإن أحببت أن نأخذ لك أمانا أخذناه؟ فقال: خذ لنفسك أمانا إن أردت، فأمّا أنا فلا حاجة لي في أمانهم، وقال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو القباع: أما والله لو قبلت أمان القوم كان خيرا لك ممّا أنت فيه، فقال: يا ابن آكلة حمام مكّة ألي تقول هذا، ويحك إنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلّ، وطلب عبد الله بن عمرو بن عثمان الأمان من الحجاج فأومن، وأتى حمزة بن عبد الله وخبيب بن عبد الله الحجاج، فقال عبد الله لابنه الزبير:إن أردت أن تذهب فاذهب فلأن تحيوا أحبّ إلي من أن تقتلوا، فقال: لبئس الولد أنا لك إن لم أواسك بنفسي حتى يصيبني ما أصابك، فقتل مع أبيه. المدائني، قال: قاتل غلام لابن الزبير، أو مولى له، وهو يقول: العبد يحمي ربّه ويحتمي وقتل ابن صفوان، وحمزة بن الزبير، وابناه عروة، والزبير، وأمّ عطاء بن أبي رباح من ضربة ضربتها. المدائني، قال: لما بلغ عبد الملك مقتل ابن الزبير سجد ودعا بمقصّ فأخذ من ناصيته، وأخذ من نواصي صغار أولاده، وأخذ من ناصية روح بن زنباع، وقال أنت منّا. المدائني عن أبي طالب بن ميمون عن ابن أبي عتيق، قال: كان ابن الزبير مضطجعا في المسجد وولده وأهل مكة يخرجون إلى الحجاج، وأنا عند رجله فقال: ما هذه الأصوات، أين يذهبون؟ قلت: إلى الحجاج، قال: فما يمنعهم أن يكفّوا أصواتهم فقد منعونا النوم، فقلت في نفسي: أتراه جادّا، ثم سمعت غطيطه، قال: ووقف الحجاج على جثّة ابن الزبير ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فقيل لنافع: ما قال لك؟ قال: أريد صلبه، فنهيته. وقال أبو دهبل أتاركة عليا قريش سراتها … وساداتها عند المقام تذبّح وهم عوّذ بالله لجيران بيته … به معصمون أن يباحوا ويفضحواالمدائني، قال: كتب عبد الملك إلى ابن عمر أن بايع الحجاج فإنّ فيك خصالا لا تصلح لك معها الخلافة، منها: البخل، والعيّ، فقال ابن عمر: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (¬١) يعيّرني ابن مروان بالبخل والعي، فوالله لو وليت فأعطيت الناس حقوقهم ما كان ذلك من مالي، وما من قرأ كتاب الله وترك القول فيما لا يعنيه بعيي. وقال جرير بن عطيّة في ابن الزبير دعوت الملحدين أبا خبيب … جماحا هل شفيت من الجماح (¬٢) وقال الراعي: ما إن أتيت أبا خبيب راغبا … أبدا أريد لبيعتي تحويلا ولا أتيت نجيدة بن عويمر … أبغي الهدى فيزيدني تضليلا (¬٣) وقال سليمان بن سلاّم الحنفي: إنّا دعونا سميعا فاستجاب لنا … وما به حين يدعو العبد من صم أراحنا من بني العوّام إذ قسطوا … واستخلف الله عدلا من بني الحكم مجرّب الوقع لا تنبو مضاربه … يمسي العدوّ له لحما على وضم بابن الزبير جنون لا شفاء له … إلاّ سريجيّة تشفي من اللمم رام الأمور فأعيته مطالعها … حتّى أحلّ بركن البيت والحرم وغرّنا بكتاب الله يدرسه … ولم يدع بطنه تمرا لمجترم وغال أعطية المصرين يأكلها … ولم يخف نقمة الرحمن ذي النّقم في أبيات.المدائني، قال: قال ابن عمر: أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة، وأهل الشام أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق، وأهل العراق أسأل الناس عن صغيرة، وأركبهم للكبيرة، يسألون عن قتل جرادة وقد قتلوا ابن بنت نبيهم. وتزوج عبد الله بن الزبير أم الحسن بنت الحسن بن عليّ وعائشة بنت عثمان بن عفّان، فولدت بكرا، وتزوج قهطم بنت منظور فولدت حمزة، وخبيبا، والزبير، ومنذرا، وثابتا، وعبّادا، ثم خلف على أختها أمّ هاشم، وتزوّج ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فولدت له عبد الرحمن، وتزوّج حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فولدت له موسى، وعامرا. وسوّدت أم الحسن وجواريها على عبد الله حين قتل.