page 2551, entry [478]Open original source
أمر المثنى بن مخربة العبدي وأمر عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي بالبصرة قالوا: وكان المثنّى لقي المختار عند انصراف من انصرف من التوّابين من عين الوردة بالكوفة، فبايعه فقال له المثنّى: إنّ لنا بالبصرة شيعة فأذن لنا في القدوم عليهم والدعاء لهم، فأذن له في ذلك، فخرج إلى البصرة فلم يزل بها حتى بلغه ظهور المختار، وكان ابن مطيع لما أخذ المائة الألف من المختار ليشخص إلى المدينة استحيا من الرجوع إلى ابن الزبير، فعدل إلى البصرة فأقام بها، وكان المختار خائفا من أن يوجّه إليه ابن الزبير جيشا لما فعل بابن مطيع ولإخراجه إيّاه، فكتب إليه: «أمّا بعد فقد عرفت مناصحتي كانت لك واجتهادي في طاعتك ونصرتك، وما كنت أعطيتني من نفسك، فلما وفيت لك خست لي ولم تعترف لي بما عاهدتني فكان منّي ما كان، فإن تراجعني أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك». فلما قرأ ابن الزبير كتابه دعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: قد ولّيتك الكوفة فسر إليها، فقال: وكيف وبها المختار؟ قال: قد كتب لي أنه سامع مطيع لي، فسار عمر إليها وبلغ المختار خبره، فوجّهزائدة بن قدامة الثقفي ومعه مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي في خمسمائة دارع ورامح، ومعه سبعون ألف درهم وقال: إذا لقيته فقل له عنّي: بلغني أنّك قد تكلّفت لسفرك خمسة وثلاثين ألف درهم، وهذه سبعون ألف درهم فخذها وانصرف، فإن أبى ذلك فأره أصحاب مسافر وحذّره إيّاهم، فلما لقيه زائدة أدّى إليه رسالة المختار فقال: ما أنا بقابل مالا ولا بدّ لي من النفوذ لأمر أمير المؤمنين، فدعا زائدة بالخيل وقد كان أكمنها فقال: إنّي محاربك بمن ترى ووراءهم مثلهم ومثلهم، فقال عمر: أمّا الآن فقد وجب العذر، وهذا أجمل بي، فأخذ السبعين الألف فاستحيا من الرجوع إلى مكة فصار إلى البصرة فأقام بها وذلك في إمارة القباع الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وقبل قدوم مصعب بن الزبير البصرة. قالوا: واتّخذ المثنّى بن مخرّبة مسجدا يصلّي فيه بأصحابه، واجتمعت الشيعة فبعث إليهم القباع عبّاد بن الحصين الحبطي في الخيل فبعث المثنّى رجلا من أصحابه فلقيه فهزم عبّاد، فبعث القباع الأحنف على خيل مضر ورجالها، فصاروا إلى عبد القيس، فخرج مالك بن مسمع في بكر بن وائل مانعا لعبد القيس منهم بالربعيّة لأنّه كان يرى رأي المثنّى، وبعثت ربيعة إلى الأزد فأجابوهم، ورئيس الأزد يومئذ زياد بن عمرو العتكي فكانوا يقتتلون قتالا ضعيفا، وكلّهم يهوى الصلح فكان عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الله بن مطيع يختلفان بين الفريقين فقال لهم عمر: يا معشر بكر والأزد ألستم على طاعة ابن الزبير؟ قالوا: بلى غير أنّا نكره أن نسلم إخواننا من عبد القيس، فقال ابن مطيع: قالوا لإخوانكم فليذهبوا حيث شاؤوا فهم آمنون، ولا يدخلنّ بينكم وبين أهل مصركم فرقة، فأتىمالك بن مسمع، وزياد بن عمرو: عبد القيس فقالا: إنّ هؤلاء القوم قد دعوا إلى الصلح، وأعطوا النصف، ولم نأتكم حين أتيناكم ونحن نرى رأيكم، ولكنّا حمينا لكم أن تضاموا وتوطأوا، ثم أخذا بيد المثنّى فقالا له: إنّ الذين يرون رأيك قبلنا قليل، فخذ أمانا لنفسك والحق بأصحابك، فقبل ذلك، وجاء ابن مطيع وعمر بن عبد الرحمن فعرضا الصلح فقبله القوم وأجابوا إليه، وأمّا الأحنف فقالا له: إنّ القوم قد أحبّوا الصلح ودعوا إليه، فكأنّ الأحنف كره ذلك وتأرّب (¬١) فلم يجب إليه، فقال له عمر بن عبد الرحمن: إنّي لأعجب ممّن يزعم أنّكم حليم، قبل القوم الصلح وأجابوا إلى النصف وتأبى إلاّ الفرقة وما تسفك فيه الدماء وتنتهك الحرمة؟ فقال الأحنف: هلمّ يا بن أخي إلى خالك، يعني نفسه، وذلك أنّ أمّ الحارث جدّه من ولد نهشل بن دارم فتميم أخواله، فقال له: إنّ ربيعة والأزد كثير عددهم بالمصر وقد تحالفوا وصاروا يدا علينا، فإن أريناهم الهيبة لهم ركبونا، والله ما هم بأحرص على السلم والصلح منّي، اذهب يا بن أخي فاصنع ما أحببت، فاصطلح القوم ورجع المثنّى وخرج من البصرة. وكتب المختار إلى الأحنف وهو على مضر: «أمّا بعد فويل أم ربيعة ومضر. من أمر سوء قد حضر. وإنّ الأحنف قد أورد قومه سقر. وإنّي لا أملك القدر. وما خطّ في الزبر. ولعمري لئن قاتلتموني وكذبتموني لقد كذّب من كان قبلي وما أنا بخيرهم». وكتب المختار أيضا إلى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو: «أمّا بعد فاسمعا وأطيعا وداوما. على أحسن ما أتيتما أوتيكما من الدنيا ما شئتما.وأضمن لكما الجنّة إذا توفيتما»، فلما قرأ مالك الكتاب ضحك وقال لزياد: لقد أكثر لنا أخو ثقيف، وأوسع، أعطانا الدنيا والآخرة، فضحك زياد وقال: نحن لا نقاتل بالنسيئة من عجّل لنا النقد قاتلنا معه. وحدثنا عليّ بن محمد المدائني عن أبي إسماعيل الهمداني عن الشعبي قال: جلست يوما إلى الأحنف، فقال رجل من جلسائه يا كوفيّ استنقذناكم من عبيدكم، يعني يوم قتل المختار، قلت قد عفونا عنكم يوم الجمل فلم تشكروا، وأنشدته شعر أعشى همدان: أفخرتم أن قتلتم أعبدا … وكفرتم نعمة الله الأجلّ نحن سقناكم إليهم عنوة … وجمعنا أمركم بعد الفشل فإذا فاخرتمونا فاذكروا … ما فعلنا بكم يوم الجمل فقال: يا كوفيّ أنتم أصحاب أنبياء، يعني المختار، قال: فأجبته بجواب كرهه الأحنف وقلت: تكذبون علينا في أشياء، فقام فجاء بصحيفة صفراء فقال اقرأ آنفا فإذا فيها: «من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف ومن قبله سلم أنتم، أما بعد فويل لربيعة ومضر. وإنّ الأحنف مورد قومه سقر. حين لا يستطيع لهم الصدر. وإنّي لا أملك لكم إلاّ ما خطّ في الزبر، وبلغني أنكم تكذّبوني وقد كذّبت الأنبياء مثلي ولست بخير من كثير» فقال الأحنف: يا شعبي أكوفيّ هذا أم بصريّ؟ ثم ضحك، وقال لأصحابه: أحسنوا مجالسة أخيكم.