page 2309, entry [441]Open original source
أمر أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري ﵁: من بني كنانة بن خزيمة. قالوا: لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه. وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله ﷿ " والذين يكنزون الذهب والفضة "الآية (¬١) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله، فوا الله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أُسخط الله برضاه، فأغضب عثمان وأحفظه، فتصابر وكفّ. وقال عثمان يوماً: أيجوز لإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي، الحق بكتبك، وكان مكتبه بالشام إلا أنه كان يقدم حاجاً ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر رسول الله ﷺ فيأذن له ذلك، وإنما صار مكتبه بالشام لأنه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعاً (¬٢): إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا بلغ البناء سلعاً فالهرب "، فأذن لي آت الشام فأغزو هناك، فأذن له.وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاثمائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلةً فلا حاجة لي فيها، وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إليّ بمال؟ وردها. وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مالك الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف، فسكت معاوية. وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمالٌ ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لا أرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً يُكذبُ. وأثرةً بغير تقى وصالحاً مستاثراً عليه. فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت به حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل جُندباً إليّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: ستعمل الصبيان ويحمي الحمى ويقرب أولاد الطلقاء، فبعث إليه عثمان الحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة، فقال: لا، قال: فبيت المقدس، قال: لا، قال: فبأحد المصرين (¬١)، قال: لا، ولكني مسيرك إلى الربذة (¬٢)، فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.ويقال إن عثمان قال لأبي ذر حين قدم من الشام: قربنا يا أبا ذر خير لك من بُعدنا يغدى عليك باللقاح ويراح فقال: لا حاجة لي في دنياكم ولكني آتي الربذة، فأذن فأتاها ومات بها. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن هشام بن الغاز حدثنا مكحول قال: قدم حبيب بن مسلمة من أرمينية فمر بأبي ذر بالربذة فعرض عليه خادمين معه ونفقه فأبى قبول ذلك فقال له: ما أتى بك ها هنا؟ قال: نفسي، رأيت ما هاهنا أسلم لي. حدثني محمد عن الواقدي عن عبد الله بن محمد بن سمعان عن أبيه أنه قيل لعثمان إن أبا ذر يوقل إنك أخرجته إلى الربذة، فقال: سبحان الله ما كان هذا شيء قط، وإني لأعرف فضله وقديم إسلامه وما كُنا نعد في أصحاب النبي ﷺ أكلَّ شوكة منه. وحدثني عباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن فضيل بن خديج عن كميل بن زياد قال: كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام، وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة. وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: تلكم أبو ذر بشيْ كرهه عثمان فكذبه فقال: ما ظننت أن أحداً يكذبني بعد قول رسول الله ﷺ: " ما أقلَّت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر "، ثم سيره إلى الربذة، فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقاً؛ فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابياً. قال: وشيع عليّ أبا ذر فأراد مروان منعه منه، فضرب عليّ بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين عليّ وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان:ما أنت بأفضل عندي منه، وتغالطا، فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا. وقد روي أيضاً أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالبذة قال: ﵀، فقال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه فقال له علي: يا عثمان اتق الله فإنك سيرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُم ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ، فكف عن عمار. حدثني محمد عن الواقدي عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن خراش الكعبي قال وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعرٍ فقال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يتركالحق لي صديقاً. حدثني محمد عن الواقدي عن شيبان النحوي عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قلت لأبي ذر ما أنزلك الربذة قال: نصحي لعثمان ومعاوية. محمد عن الواقدي عن طلحة بن محمد عن بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال: كان أهلي بالشربة فجلبت غنماً لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الرأس واللحية، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ، وإذا هو في حفشٍ ومعه قطعةٌ من غنم، فقلت:والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار، فقال: أُخرجت كارهاً؛ فقال بشر بن حوشب: فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسيب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبو ذر إليها راغباً في سكناها. وقال أبو محنف: لما حضرت أبا ذر الوفاة بالربذة أقبل ركبٌ من أهل الكوفة فيهم جرير بن عبد الله البجلي، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي، والأسود بن يزيد بن قيس بنيزيد النخعي، وعلقمة بن قيس بن يزيد عم الأسود في عدة آخرين فسألوا عنه ليسلموا عليه فوجدوه وقد توفي، فقال جرير: هذه غنيمة ساقها الله إلينا، فحنطه جرير وكفنه وصلى عليه - ويقال بل صلى عليه الأشتر - وحملوا امرأته حتى أتو بها المدينة، وكانت وفاته لأربع سنين بقيت من خلافة عثمان، وقال الواقدي: صلى عليه ابن مسعود بالربذة في آخر ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين. وحدثنا عفان بن مسلم حدثنا معتمر بن سليمان حدثنا أيوب حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حُميد بن هلال أن رفقةً خرجوا من الوفة لحجةٍ أو عمرة فأتوا الربذة فبعثوا رجلاً يشتري لهم شاة، فأتى على خباءٍ فقال: هل عندكم جزرة؟ فقالت أم ذر: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قالت: مات أبو ذر والناس خُلوف، وليس عنده أحد يغسله ويجنُّه وقد دعا الله أن يوفق قوماً صالحين يغسلونه ويدفنونه، فرجع الرجل فأعلمهم فأقبلوا مسارعين ومعهم الكفن والحنوط فقاموا بأمره حتى أجنوه. وروى الواقدي عن هُشيم في إسناده أن أبا ذر رضي الله تعالى عنه مات فقالت امرأته: بينا أنا جالسة عنده وقد توفي إذ أقبل ركب فسلموا فقالوا: ما فعل أبو ذر؟ قلت: هو هذا ميت قد عجزت عن غسله ودفنه،فأناخوا فحفروا له وغسلوه، وأخرج جرير بن عبد الله حنوطاً وكفناً فحنطه وكفنه، ثم دفنوه وحملوها إلى المدينة؛ فقالت حدثني أبو ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ: " إنك تموت بأرض غُربة وأخبرني أنه يلي دفني رهطٌ صالحون ". وحدثت عن هشام (¬١) عن العوام بن حوشب عن رجل من بني ثعلبة بن سعد قال: رأيت أبا ذر وقوم يقولون له فعل بك هذا الرجل وفعل، يعنون عثمان، فهل أنت ناصبٌ لنا رايةً فتجتمع إليك الرجال؟ فقال: لو أن ابن عفان صلبني على أطول جذع لسمعت وأطعت واحتسبت وصبرت فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، فرجعوا.