Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1194, entry [256]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله
page 1194, entry [256]Open original source
كتاب المنصور إلى محمد بن عبد الله وكتب المنصور إلى محمد بن عبد الله حين خرج: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (¬١) فإن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك فلك أن اؤمنك وجميع اخوتك وولدك وأهل بيتك وأتباعك، وأعطيك ألف ألف درهم. فكتب إليه محمد: ﴿طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (¬٢).وقال في كتابه: إن الله اختارنا واختار لنا فولدنا من النبيين محمد أفضلهم مقاما، ومن السلف أولهم إسلاما، ومن الأزواج خيرهنّ خديجة الطاهرة وأول من صلى القبلة، ومن البنات خيرهنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة. وإن هاشما ولد عليا مرتين وأن عبد المطلب ولد حسنا مرتين، فأنا أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أما وأبا. لم تعرق فيّ العجم، وانا ابن ارفع الناس درجة في الجنة وابن أهونهم عذابا في النار؛ ولك الأمان إن دخلت في طاعتي فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالوفاء بالعهد، فأيّ الأمانات ليت شعري أعطيتني: أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ فكتب إليه المنصور: قد بلغني كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتغرّ بذلك الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والعصبة، وقد جعل الله العم أبا وبدأ به قبل الوالد فقال: ﴿نَعْبُدُ إِلهَكَ وَ إِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ﴾ (¬١) فسمى اسماعيل أبا وهو عم يعقوب. ولقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ وله عمومة أربعة فدعاهم وأنذرهم فأجابه أثنان أحدهما أبي، وأبى الإسلام اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله وراثتهما وولايتهما عنه. وزعمت أنك ابن أخف الناس عذابا يوم القيامة وابن خير الأشرار، وليس من الكفر بالله صغير، وما شيء من عذاب الله بخفيف، وليس في الشرار خير، وليس ينبغي لمسلم يؤمن بالله أن يفخر بأهل النار. وأما ما فخرت به من أن عليا ولده هاشم مرتين، وأن عبد المطلب أبوهأبو طالب وأمه فاطمة بنت سيد بني هاشم ولد حسنا مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم ولا عبد المطلب إلا مرة واحدة. وفخرت بأنك لم تلدك العجم، ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد فخرت على من هو خير منك نسبا وآباء أولا وآخرا ابراهيم بن رسول الله ﷺ، كانت أمه مارية القبطية. وما ولد فيكم أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد وهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي بن الحسين وأمه أم ولد. وأما قولك أنكم بنو رسول الله ﷺ، فإن الله ﵎ يقول: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (¬١) ولكنكم بنو بنته وهي رحمها الله لا تحرز الميراث، ولا ترث الولاء، ولا يحل لها أن تؤمّ، فكيف تورث بهذا إمامة. وأما ما ذكرت من أمر علي فقد حضرت النبي ﷺ الوفاة فأمر غيره بالصلاة. في كلام طويل. قالوا: وكانت أم علي بن الحسين سجستانيه تدعى سلافة تزوجها، فكان عبد الملك بن مروان يقول ان علي بن الحسين ليرتفع من حيث يتضع الناس. قالوا: وأقام محمد بالمدينة حسن السيرة، وبلغه خروج ابراهيم أخيه بالبصرة (¬٢) فكان يقول لأصحابه: ادعوا الله لإخوانكم بالبصرة واستنصروهعلى عدوكم. قالوا: وكتب المنصور في حمل سلم بن قتيبة وكان بالري مع المهدي، فلما قدم عليه قال: كيف تركت أبا عبد الله. قال: أكمل الناس لو بسطت من يده. قال: يا أبا قتيبة إن أبي وأباك رجلان ليس الفساد من شأننا، ثم قال له: قد خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة. قال: ليس بشيء، خرج بأرض ليس بها حلقة (¬١) ولا كراع، قال: وقد خرج إبراهيم بالبصرة. قال: قد خرج بأرض لو شاء أن يقيم بها سنة يبايعه كل يوم ألف رجل ويضرب له فيها كل يوم ألف سيف لا يعلم به أحد لأمكنه ذلك. ثم قال: إنو يا أمير المؤمنين العفو تظفر. قال: هو رأيي. قال: فأبشر يا أمير المؤمنين بالظفر والنصر. قالوا: ووجه المنصور عيسى بن موسى إلى المدينة للقاء محمد بن عبد الله فقال له: يا أبا موسى. انك لتسير إلى حرم الله، وأهله ثلاث طبقات: طبقة قريش وهم قرابة رسول الله ﷺ وقومه بيضتي التي تفلقت عني، وطبقة «المهاجرون» والأنصار، وطبقة تجار جاوروا قبر النبي ﷺ، وأقاموا في حرمه. فإذا قتل محمد فارفع السيف ولا تتبعوا مولّيا ولا تجهزوا على جريح ولا تذبحوا فيها طائرا، وان طلب محمد الأمان فاعطوه إياه. أفهمت يا أبا موسى؟ ثلاث مرات يرددها. قال: نعم، فقال المنصور: اللهم اشهد، اللهم اشهد. فتوجه في أربعة آلاف ومعه محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس، وفي الجيش محمد بن زيد بن علي بن الحسين وغيره من ولد علي ﵈. ثم قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: إني أعيد عليك الوصية: إن قتلتمحمدا أو أسرته أسرا فلا تقتل أحدا، وإن قتل محمد بن أبي العباس فضلا عن سواه أحدا بعد قتل محمد أو أسره فأقده به. وإن فاتك محمد واشتمل عليه أهل المدينة فاقتل كل من ظفرت به من أهل المدينة. وكان مع عيسى بن موسى حميد بن قحطبة الطائي، فسار عيسى بذلك الجيش، وبلغ محمدا خبره فخندق على المدينة، وخندق على أفواه السكك. فلما كان عيسى بفيد كتب إلى محمد يعطيه الأمان، وكتب إلى أهل المدينة يعرض عليهم الأمان أيضا، وبعث بالكتاب مع محمد بن زيد بن علي والقاسم بن حسين بن زيد، فلما قدما به قال محمد بن زيد: يا أهل المدينة، تركنا أمير المؤمنين أصلحه الله حيا معافى وهذا عيسى بن موسى قد أتاكم فاقبلوا أمانه. فقالوا: إشهد أنا خلعنا أبا الدوانيق. وأقبل عيسى بن موسى إلى المدينة فكان أول من لقيه ابراهيم بن جعفر الزبيري على ثنيّة واقم (¬١)، فعثر بابراهيم فرسه فسقط فقتل. وسلك عيسى بطن قناة (¬٢) حتى ظهر على الجرف، فنزل قصر سليمان بن عبد الملك صبيحة اليوم الثاني عشر من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وهو يوم السبت وأراد تأخير القتال حتى يفطر فبلغه أن محمدا يقول: أهل خراسان على بيعتي، وحميد بن قحطبة قد بايعني ولو قد رآني انقلب إلي. وكان المنصور أمر القواد أن يكاتبوا محمدا ويطمعوه في أنفسهم لأنه كان على المضي إلى اليمن، فلما فعلوا أقام ولم يبرح المدينة. ويقال ان حميدا خاصّة كان قد بايعه بمصر أو وعده مبايعته، قالواوعاجله عيسى فلم يشعر أهل المدينة يوم الاثنين للنصف من شهر رمضان إلا بالخيل قد أحاطت بهم حين أسفر الصبح، وقال عيسى لحميد: أراك مداهنا، وأمره بالتجريد لمحمد فالتقوا فقاتلهم عيسى بن زيد ومحمد جالس بالمصلى، واشتد الأمر بينهم، ثم نهض محمد فباشر القتال فكان بازاء حميد بن قحطبة، وكان بازاء كثير بن الحصين العبدري يزيد وصالح ابنا معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان محمد بن أمير المؤمنين أبي العباس وعقبة بن سلم من ناحية جهينة، فطلب صالح ويزيد الأمان من كثير فأمنهما وأعلم عيسى ذلك فلم ينفذ أمانهما، فقال لهما كثير: امضيا إلى حيث شئتما فهربا. وكانت أم يزيد وصالح فاطمة بنت الحسن بن علي، فكان عبد الله بن حسن خالهما، ومحمد ابن خالهما. واقتتلوا إلى قريب من الظهر، ورماهم أهل خراسان بالنشاب فأكثروا فيهم الجراح، فتفرق الناس عن محمد ورجع إلى دار مروان فصلى فيها الظهر واغتسل وتحنط. فقال له عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن المسور بن مخرمة الزهري: إنه لا طاقة لك بمن ترى فالحق بمكة. فقال: إن فقدت من المدينة قتل أهلها كما قتل أهل الحرة، وأنت مني في حل يا أبا جعفر فاذهب حيث شئت. وخرج محمد إلى الثنية فقاتلوه فقال: يا حميد أتقاتلني وتنكث بيعتي فهلم أبارزك. فقال حميد: يا أبا عبد الله لا أبارزك وبين يدي هؤلاء الأغمار فإذا فرغت منهم برزت لك، فحدثني بعض ولد حميد بن قحطبة قال: كانت هذه المقالة من محمد مكيدة لحميد. قالوا: وجثا محمد على ركبتيه وجعل يذبّ بسيفه ويقول: ويحكم إنيمحرج مظلوم، وجعل الناس يتفرقون فقال له ابراهيم بن خضير (¬١) -هذا هو مصعب بن مصعب بن الزبير لقب خضيرا وكانت أمه أم ولد - لو شئت لحقت بأخيك ابراهيم بالعراق. فقال: ما كنت لأخيف أهل المدينة مرتين، مرة في خروجي وبعده. ومضى ابراهيم بن خضير إلى السجن فذبح رياح بن عثمان المري، ولم يجهز عليه فلم يزل يضطرب حتى مات، وكان إبراهيم بن خضير على شرطة محمد بن عبد الله، ومضى ابراهيم بن خضير إلى محمد بن خالد بن عبد الله القسري ليقتله في محبسه فنذر به، فردم باب البيت دونه فعالجه ابن خضير فأعياه فتركه ونجا محمد، وقدم الكوفة. ورجع ابن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل ابن خضير وقتل معه علي بن مالك بن خثيم بن عراك الغفاري، وسعيد بن أبي سفيان الصيرفي، في آخرين. وصابرهم محمد إلى العصر ثم جعل الناس يتفرقون عنه وهو يقول: يا بني الأحرار إلى أين؟. وقتل بيده اثنى عشر رجلا، وولي حميد بن قحطبة قتاله عند المساء فقال له: اتق الله واذكر بيعتك، فيقال إن حميدا قال له: وأنت أيضا فافش سرك إلى الصبيان، وولده يقولون أنه قال له: أبهذا يكاد مثلي. وقال غيرهم: قال له: إنما خدعناك. وعرض لمحمد رجل فضرب ذقنه فسقطت لحيته على صدره فرفعها بيده وقال: ناولوني شيئا أشدها به، فرمي إليه من سطح هناك بشقةشطوية (¬١) فشد بها لحيته، ورمي بنشابة في صدره وطعنه رجل من خلفه فأرداه عن دابته فسقط على يديه ثم استقل قائما، ورماه رجل بصخرة فأصابت منكبه فأثخنته. وطعنه حميد في صدره فصرعه مثبتا ونزل إليه فاحتز رأسه وأتى به عيسى بن موسى وعنده القاسم بن حسن بن زيد وغيره، فقالوا: هذا رأس محمد بعينه. وانهزم الناس، وانتهى عيسى إلى ما أمره به المنصور. وبعث عيسى بعدة ألوية فنصبت في مواقع متعددة، ونادى مناديه: من أتى لواء من الألوية المنصوبة فهو آمن. وبقي محمد بن عبد الله في مصرعه بقية يومه وليلته، وأصبح وقد سلب وهو ملقى على وجهه، ومطرت السماء تلك الليلة مطرا جوادا. وأرسلت أخته زينب بنت عبد الله إلى عيسى: قد قضيتم أربكم منه فأذنوا لنا في دفنه، فأذن لهم فدفنوه في البقيع. وبعث عيسى بن موسى برأس محمد بن عبد الله مع ابن أبي الكرام محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فدخل به على المنصور وهو عاض على أنفه. حدثني أبو مسعود الكوفي وغيره قالوا: جعل محمد بن عبد الله بن محمد - ويكنى أبا عبد الله - يقول يوم قتل: منخرق الخفّين يشكو الوجا … تنكّته أطراف مرو (¬٢) حداد أفردني الخوف فلا أمن لي … كذاك من يكره حرّ الجلادقد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد وحدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال محمد بن عبد الله للغاضري: ابشر، فقد بويع لي بالشام وخراسان والمصرين. فقال: يا بن أم، اجعل الأرض كلها لك، وهذا عيسى بالأعوص (¬١) ما ينفعك منها، والله ما أصبح قوم يعرفون آجالهم غيرنا. قالوا: وكان أبو العباس زوّج محمدا ابنه زينب بنت محمد بن عبد الله، فلما قتل أرسل ابن أبي العباس إلى عمتها زينب بنت عبد الله بن الحسن: إني أريد أن أدخل على أهلي فافرغوا من أمرها. فأرسلت عمتها إلى عيسى بن موسى: سبحان الله أرسل محمد إليّ بكذا وقد قتلتم أباها بالأمس ويعرس بها اليوم، والله ما رقأ دم أبيها بعد. فأرسل إليها عيسى، يا ابنة عم، ما علمت بهذا، ولكنه غلام حديث السن سيء الأدب، وأرسل إلى محمد بن أبي العباس يسفّهه، ولما لقيه تناوله بسوطه وقال له: يا مائق (¬٢)، أما والله ما هي بضغينة، فما كان بؤمنك أن يحضرها عقلها فتطلب بثارها وتشتمل على سكين فإذا أفضيت إليها قتلتك فتكون قد أخذت قود أبيها قبل جفوف دمه. ثم تزوجها عيسى بعد، ويقال ضمّت إلى محمد بعد ذلك، فلما مات تزوجها عيسى بعده، ثم خلف عليها محمد بن إبراهيم الإمام، ثم ابراهيم بن ابراهيم بن حسن بن زيد بن حسن بن علي، ثم عبد الله بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن فتوفيت عنده.وكان مقتل محمد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة. وأمن عيسى الناس وخرج يريد مكة صبيحة تسع عشرة ليلة من شهر رمضان، فلما كان بملل أتاه كتاب المنصور بخروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وأمره بالقدوم عليه، ويقال بل أتاه كتاب المنصور بالعرج (¬١) فرجع إلى المدينة فبات بالأعوص، ثم سار فقدم على أمير المؤمنين المنصور. وكان الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بمكة فلما قتل محمد خرج من مكة، وظهر السري بن عبد الله، وكان هشام بن عروة، وأيوب بن سلمة المخزومي قد بايعا محمد بن عبد الله فأمّنا حين اعتذرا. وقال ابن هرمة الفهري ودعاه محمد فلم يجبه: عجبت لأحلام الأولى ضل رأيهم … وكانوا على وجه من الحق لا حب دعوني وقد شالت لابليس راية … وأوقد للغاوين نار الحباحب فقلت لهم هذا من الشهر نغبة (¬٢) … تنافي المنايا لست فيها بلاعب أنا الليث تغترّون يحمي عرينه … وتلقون جهلا اسده بالثعالب فما أحكمتني السن إن لم يبدكم … وما يقضنني ماضيات التجارب (¬٣) ولما أتى ابراهيم مقتل أخيه محمد قال:يابا المبارك يا زين الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا الله يعلم أني لو خشيتهم … وأوجس القلب من خوف لهم فزعا لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم … حتى نعيش جميعا أو نموت معا وكان محمد يقول: إني لم أخرج حتى بايعني أهل الكوفة، وأهل البصرة، وواسط، والجزيرة، والموصل، ووعدوني أن يخرجوا في الليلة التي خرجت فيها. وخرج عثمان بن إبراهيم التيمي الى اليمامة ليأخذها لمحمد فلم يصل إليها حتى بلغه قتل محمد. قالوا: وكان محمد أسمر أرقط مخضوب الرأس بصفرة من أبناء ستين، وكان أخوه ابراهيم شابا قد وخطه الشيب حلو الوجه خفيف اللحية فأفاء، وكان أيدا شديد البطش، وكان يكنى أبا إسحاق، ويقال أبا الحسن. وحدثني بعض أشياخنا قال: أرسل المنصور قبل خروج محمد بن عبد الله إلى عيسى بن موسى بن محمد بن علي فلما دخل عليه ذكر له أمر محمد وإبراهيم فقال: قد بهضني أمرهما وظننت أني إذا أخذت أباهما وعمومتهما وقرابتهما ظهرا لي سلم أو حرب وقد هدآ في مربضهما وقرّا في مكمنهما يلتمسان لي الغوائل ويتربصان بي الدوائر، وترك إطفاء جمرة الشيطان قبل تأججها من تضييع أسباب الدولة، وفي تضييع أسباب الدولة حلول البلاء، وأنا أريد أن أبعثهما من مربضهما، واستنهضهما من مكمنهما وأنصب الحرب لهما فإني أرجو أن ينصر الله ورثة نبيه ويعزهم بالحق الذي جعله لهم وأكرمهم به، وينتقم لنا أهل البيت من الحاسدين الساخطين لما جرى لنا به قضاؤه،فما الرأي فيما ذكرت لك، وكيف وجه العمل فيما أعلمتك. فقال عيسى: إن من سوء التدبير تركك الاستعداد للأمر المخوف قبل وقوعه فأرشد الله أمير المؤمنين وأدام توفيقه، ومن الصواب أن تولي يا أمير المؤمنين المدينة رجلا من أهل بيتك له مكر ونكر، وتأمره بطلبهما، والبحث عنهما، وإذكاء العيون عليهما، حتى يظفرك الله بهما، فقال: يا أبا موسى، إن عداوتهما لنا باطنة لم يظهروها فإن استكفيت أمرهما رجلا من أهل بيتي منعته الرحم من مكروههما وحجزته القرابة عن طلبهما، قال: فولّ المدينة رجلا من أهل خراسان له حدّ وجدّ، ومره يقعد لهما بكل مرصد ولا يفتر عن طلبهما حتى يظفر بهما. فقال: يا أبا موسى إن محبة آل أبي طالب في قلوب أهل خراسان ممتزجة بمحبتنا، وإن ولّيت أمرهما رجلا من أهل خراسان حالت محبته لهما بينه وبين طلبهما والفحص عنهما ولكن أهل الشام قاتلوا عليا على أن لا يتأمّر عليهم لبغضهم إياه، ثم مات علي وهلك الذين قاتلوه فقام بنوه من بعده يطلبون الأمر فقام أبناء أهل الشام الذين قاتلوه فمنعوا بنيه الأمر وسفكوا دماءهم للبغض الذي ورثوه عن آبائهم، فالرأي أن أولي المدينة رجلا من أهل الشام، فولى رياح بن عثمان بن حيان المري المدينة وشحذه على طلب محمد وابراهيم، فلما قدم المدينة صعد المنبر فقال: يا أهل يثرب لا مقام لكم فاربعوا (¬١)، أنا ابن عم مسلم بن عقبة الشديد الوطأة، كان عليكم الوبيل الوقعة بكم الخبيث السيرة فيكم، ثم أنتم اليوم عقب الذين حصدهم السيف، وايم الله لأحصدنّ منكم عقب الذين حصد، ولألبسنّ الذل عقب من ألبس.ثم وضع على محمد وإبراهيم الأرصاد حتى خرج محمد في أهل المدينة وقتل رياح، فلما قتل في محبسه خرج صبيان أهل المدينة يكبرون حول جثته ويقولون: سلحت أم رياح … فأتتنا برياح فأتتنا بأمير … ليس من أهل الصّلاح ما سمعنا بأمير … قبل هذا من سفاح قالوا: ولما جاء المنصور خبر خروج محمد بن عبد الله قال: ألا تعجبون لهذا القاطع المشاقّ، ترك هذا الأمر وهو لبني أمية مستقيم فلما فتقناه عليهم وثلمناه، فوهت عراه، واسترخى طنبه، وضعف عموده فصار لنا شديد العرى محكم العقد والقوى عرض فيه للحين والردى، وبالله استعين عليه وعلى كل باغ. قال وكان المنصور حين أتاه خبر محمد نازلا بالدير الذي على الصّراة من بغداد، وهو يرتاد له منزلا، فاختار الموضع الذي يعرف بالخلد، فلما قرأ الكتاب الوارد عليه بخبره استوى قاعدا فتلا قول الله ﷿: ﴿وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (¬١). ثم أمر فنودي في الناس بالرحيل وحملت الأثقال. وقال: آتي الكوفة فاطأ أصمختهم وأنزل على رقابهم وأكون مكبحة لهم، ثم دعا بثيابه ودابته فلما قرّبت ليركبها تمثّل قول جذل الطعان الكناني: سيروا إلى القوم يا خزاع … ولا يأخذنكم من لقائهم وجلفالقوم أمثالكم لهم شع … ر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا ثم ركب دابته فبات بنهر صرصر، ثم غدا متوجها إلى الكوفة فنزل قصر أبي الخصيب مولاه. قال: فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة، وابراهيم بالبصرة أقبل إلى بغداد ومعه عبد الله بن الربيع الحارثي يسايره، فقال له عبد الله بن الربيع: لقد كان عبد الملك حازما، قال: أجل، كان رجل قومه فما بلغك عنه؟ قال عبد الله: بلغني عنه يا أمير المؤمنين أنه لما أنشد قول الأخطل: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتوا باطهار (¬١) قال: لا والله ما أتيت امرأة منذ وقعت حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى انقضت. فقال المنصور: وأنا والله يا أبا الربيع فما كشفت لامرأة كنفا منذ وقعت حرب محمد وابراهيم حتى انقضت. وقال السندي بن شاهك: كنت أيام حرب محمد وابراهيم وصيفا أقوم على رأس المنصور، فلما غلظ أمرهما مكث على مصلى بضعا وخمسين ليلة لا يتنحى عنه ولا يجلس ولا ينام إلا عليه، وعليه جبة ملونة، فتدنست واتسخ جيبها وما تحت لحيته منها فما غيّرها حتى فتح الله عليه، وكان إذا جلس للناس لبس فوقها سوادا وقال لا أغيرها حتى أدري أهي لمحمد وابراهيم أم لي. قال السندي: وأتته ريسانة قيّمة جواريه في تلك الأيام وأنا قائم على رأسه، وقد قدم عليه إسحاق الأزرق مولاه بامرأتين من قريش كان بعثه في خطبتهما: إحداهما فاطمة بنت محمد من ولد عيسى بن طلحة بن عبيد الله،وأمة الكريم بنت عبد الله، من ولد خالد بن أسيد، فقالت له: يا أمير المؤمنين إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر لهما من جفائك إياهما، فانتهرها وزبرها وقال: أهذه الأيام من أيام النساء؟ لا سبيل إليهما حتى أعلم أرأس ابراهيم لي أم رأسي له. قالوا: وأتي المنصور برجل معه كتب إلى أهل الكوفة من محمد وابراهيم فأمر بضرب عنقه، فذكر أنه مجبر مقهور محتاج كثير العيال، فأمر بتخلية سبيله، فقال: يا أمير المؤمنين، إني استحلفت أن أوصل الكتب إلى اصحابها إلا أن يحاط بي، وقد منّ أمير المؤمنين علي، فقال: خذها هبلتك أمك. فتناول الكتب ومضى فأوصلها، فلم تزل منازل من كتب إليه بطون الأرض حتى توفي المنصور، فبقي منهم بعد ذلك رجل أو رجلان. قالوا: وخرج محمد ثم خرج ابراهيم فقال المنصور: تفرقت الظباء على خداش … فما يدري خداش من يصيد وقال حين قتلا: فألقت عصاها واستقرت بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر قالوا: ولما قدم ابراهيم بن هرمة على المنصور وقد بلغه أن محمدا دعاه فلم يجبه، وقال في ذلك شعره الذي قاله، قال المنصور: يا إبراهيم، سلني حوائجك. فقال: إن في هذه الأرواح الصننة (¬١)، وإنما دواؤها شرب النبيذ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلى عامله ألا يحدّني فيه فعل. قال: لا سبيل إلى هذا ولكن اكتبوا له أن يجلد من أخذه مائة ويجلده ثمانين، فقال: قنعت. فكان يقول إذا سكر بالمدينة: من يشتري ثمانين بمائة.وحدثني الحسن بن علي الحرمازي، وأبو العباس الفضل بن العباس الهاشمي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله وغيرهما فسقت حديثهم ورددت من بعضه على بعض أن أبا بكر بن أبي سبرة كان عاملا لرياح بن عثمان على مسعاة أسد وطيء، فلما خرج محمد بن عبد الله دفع إليه ما كان معه من المال وقال: استعن به على أمرك فلما قتل محمد قيل لأبي بكر اهرب فقال: ليس مثلي هرب فأخذ أسيرا فطرح في حبس المدينة وكان الحابس له عيسى بن موسى، ويقال خليفته كثير بن الحصين العبدي، وولي المدينة بعد عيسى بن موسى عبد الله بن الربيع الحارثي، ويكنى أبا الربيع فعاث جنده وأفسدوا فوثب بهم أهل المدينة فقتلوا منهم وطردوا باقيهم وأخرجوا عبد الله عن المدينة وانتهبوا متاعه. فنزل بير المطلب يريد العراق، واجتمع سودان ورعاع وقلدوا أمرهم ورئاستهم أسود يقال له اوتيوا - فكان السودان فيما ذكر الحرمازي يدعونه أمير المؤمنين، وجاؤوا فكسروا باب السجن وأخرجوا من فيه، وأخرجوا أبا بكر بن أبي سبرة فأرادوا فك حديده فأبى ذلك، وأقام فخطب ودعا إلى طاعة المنصور وحذر الفتنة، فقيل له: تقدم فصلّ، فقال: ان الأسير لا يؤمّ، ورجع إلى السجن فأقام به، واجتمع القرشيون فخرجوا إلى ابن أبي الربيع بما ذهب له أو أكثره، وأرضوا من بقي من جنده. ورأى ابن أبي ذئب اولئك السودان فقال لبعضهم: ما هذا؟ فقال: هذا اوتيوا أميرنا وهو أمير المؤمنين. فقال ابن أبي ذئب وهو يبتسم: يا رب ان كان في سابق علمك ان يلي أمرنا أوتيوا هذا فارزقنا عدله. وأتى محمد بن عمران بن ابرهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أوتيواوقد خفّ من معه فلم يزل يخدغه حتى أمكنته الفرصة منه فقبض عليه، وأمر به فأوثق، وتفرق السودان بعد أن أخذ أوتيوا وقبض كل رجل على أسود منهم، ومات أوتيوا في السجن وكان مثقلا بالحديد، ويقال إنه مات جوعا، وقال الحرمازي قتل قتلا. وقال هشام ابن الكلبي: ولى المنصور محمد بن عمران بن ابراهيم بن محمد بن طلحة قضاء المدينة، ثم ولى المنصور جعفر بن سليمان المدينة فأمره باطلاق ابن أبي سبرة وقال: إن كان أساء، فقد أحسن بما كان منه.
Parsing and provenance details
Local passage ID
253542
Book record
shamela-9773
Source record
336366
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate