page 734, entry [178]Open original source
أمر السقيفة (¬١) - حدثنا وهب بن بقية، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال: لما قبض رسول الله ﷺ، أتى عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح فقال له: ابسط يدك نبايعك فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ. فقال: يا عمر، ما رأيت لك فهة (¬٢) منذ أسلمت قبلها؛ أتبايعني وفيكم الصدّيق وثاني اثنين؟ حدثنا عفان، ثنا معاذ بن معاذ، أنبأ ابن عون، أن محمد بن سيرين حدثهم قال: لما توفي رسول الله ﷺ، أتوا أبا عبيدة بن الجراح. فقال: أتأتوني وفيكم ثالث ثلاثة؟ قال ابن عون: فقلت لمحمد: وما ثالث ثلاثة؟ قال:ألم تقرأ هذه الآية: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ١؟﴾ - حدثنا محمد بن سعد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب وذكر بيعة أبي بكر، فقال: وليس فيكم من تمد إليه الأعناق - أو قال: تقطع إليه الأعناق - مثل أبي بكر. - حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ثنا حماد بن زيد، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: لما توفي رسول الله ﷺ، اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح. فقام حباب بن المنذر، وكان بدريا، فقال: منا أمير ومنكم أمير؛ فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم. قال: فقال عمر: إذا كان ذاك، قمت إن استطعت. فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كشقّ الأبلمة (¬٢) -قال حماد: يعني الخوصة - فبايع أول الناس بشير بن سعد، أبو «النعمان بن بشير». قال: فلما اجتمع الناس على أبي بكر، قسّم بينهم قسما، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار بقسمها مع زيد بن ثابت. فقالت:ما هذا؟ قال: قسم قسمه أبو بكر. فقالت: أترشوني عن ديني؟ قال: لا. قالت: أتخافوني أن أدع ما أنا عليه؟ قال: لا. قالت: فو الله لا آخذ منه شيئا. فرجع زيد إلى أبي بكر، فأخبره بما قالت. فقال: ونحن والله لا نأخذ مما أعطيناها شيئا أبدا. - حدثني عمرو بن محمد الناقد، أنبأ الحسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: لما قبض رسول الله ﷺ، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمّر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى. قال: فأيكم يطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر بعد ذلك؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر. - حدثني بكر بن الهيثم، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بلغني أن عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة، فعجّلت الرواح حين صارت الشمس «صكة عميّ» (¬١). فلما سكت المؤذنون، خطب فقال: إني قائل مقالة لا أدري لعلها قدام أجلي. فمن وعاها، فليتحدث بها حيث انتهت به راحلته. ومن خشي أن لا يعقلها شيء، فإني لا أحلّ لأحد أن يكذب عليّ. ثم قال: بلغني أن الزبير قال: «لو قد مات عمر، بايعناعليا، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلته» (¬١)، فكذب والله. لقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه، واختاره لعماد الدين على غيره، وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل منكم من تمدّ إليه الأعناق مثله؟ - وحدثني محمد بن سعد، ثنا محمد بن عمر الواقدي، عن أبي معمر، عن المقبري، ويزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن ابن شهاب قال: بينا المهاجرون في حجرة رسول الله ﷺ وقد قبضه الله إليه، وعلي بن أبي طالب والعباس متشاغلان به، إذ جاء معن بن عدي، وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر: «باب فتنة، إن لم يغلقه الله بك فلن يغلق أبدا. هذا سعد بن عبادة الأنصاري في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يبايعوه». فمضى أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاؤوا السقيفة، وإذا سعد على طنفسة متكئا على وسادة وعليه الحمى. فقال له أبو بكر؛ ما ترى يا أبا ثابت؟ فقال: أنا رجل منكم. فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير؛ فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصار، ردّ عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجرين، ردّ عليه المهاجري، أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب؛ إن شئتم فرزنا، فرددناها جذعة؛ من ينازعني؟ فأراد عمر أن يتكلم. فقال له أبو بكر: على رسلك؛ ثم قال أبو بكر: «نحن أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أنسابا، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما. وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا فيالدين. نصرتم، وآويتم، وآسيتم، فجزاكم الله خيرا. فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء. ولن تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش. فقد يعلم ملأ منكم أن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش». فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. فقال الحباب: ما نحسدك ولا أصحابك. ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا. فقال أبو بكر: إن تطيعوا أمري، تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة - وكان عن يمينه - أو عمر بن الخطاب، وكان عن يساره. فقال عمر: «وأنت حيّ؟ ما كان لأحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله ﷺ. فبسط يدك». فبسط يده، فبايعه عمر، وبايعه أسيد بن حضير، وبايع الناس وازدحموا على أبي بكر. فقالت الأنصار: قتلتم سعدا. وقد كادوا يطأونه. فقال عمر: اقتلوه، فإنه صاحب فتنة. فبايع الناس أبا بكر. قال: وقال ابن رومان: وقد يقال إنّ أول من بايع من الأنصار بشير بن سعد. وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه. وسمع العباس وعليّ التكبير في المسجد، ولم يفرغوا من غسل رسول الله ﷺ. فقال عليّ: ما هذا؟ فقال العباس: «ما ردّه مثل هذا قط. لهذا ما قلت لك الذي قلت». قال: فخرج عليّ، فقال: يا أبا بكر، ألم تر لنا حقا في هذا الأمر؟ قال: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وقد قلدت أمرا عظيما. فقال علي: وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمرك بالصلاة، وأنك ثاني اثنين في الغار، وكان لنا حق ولم نستشر، والله يغفر لك. وبايعه (¬١).-وقال أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: لما قبض النبي الله ﷺ، انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة (¬١)، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره. فأتى أبا بكر آت، فقال: أدرك الناس قبل أن يتفاقم الأمر. - حدثنا محمد بن مصفى الحمصي، ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيري، عن الزهري قال: خطب عمر الناس يوما، فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فوقى الله شرها: اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتبايع سعد بن عبادة. فقال الحباب بن المنذر: نحن كتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين منا أمير ومنكم أمير، حتى يكون الأمر بيننا كشقّ الأبلمة. فتكلم أبو بكر، وكان رشيدا، فقال: نحن قريش، والأئمة منا، وأنتم إخواننا ووزراؤنا قد آويتم ونصرتم فجزاكم الله خيرا. فبايعوه إلا سعدا، فإنه راغ ثم أتى الشأم (¬٢).-حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: قال العباس لعليّ: «ما قدّمتك إلى شيء إلا تأخرت عنه». وكان قال له لما قبض رسول الله ﷺ: اخرج حتى أبايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان. فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبدّ علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون. فلما بويع أبو بكر، قال له العباس: ألم أقل لك يا علي؟ - علي بن محمد المدائني، عن ابن جعدبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس. أن عمر بن الخطاب خطب خطبة، قال فيها: إنّ فلانا وفلانا قالا: «لو قد مات عمر، بايعنا عليا فتمت بيعته، فإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها»، وكذبا. والله ما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ولقد أقامه رسول الله ﷺ مقامه واختاره لدينهم على غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر». فهل منكم أحد تقطع إليه الأعناق كما تقطع إلى أبي بكر؟ فمن بايع رجلا على غير مشورة، فإنهما أهل أن يقتلا. وإني أقسم بالله، ليكفنّ الرجال أو ليقطعنّ أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل. وإني أخبركم أن الله لما قبض رسوله، اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وتكلم خطيب الأنصار فقال: نحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط هنا؛ وإذا هم يريدون أن يخرجونا من أصلنا ويغصبونا أمرنا. فأردت أن أتكلم، وكنت قد زوّرت مقالة أردت أن أقدّمها بين يدي أبي بكر. فقال أبو بكر: علىرسلك يا عمر. وتكلم أبو بكر فما ترك كلمة أعجبتني إلا قالها مع أمثالها حتى سكت. فقال: ما كان من خير فأنتم له أهل. ونحن، بعد، ممن نحن منه. ولن تعرف العرب الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وقد قال ﷺ: «هذا الشأن بعدي في قريش». فقال الحباب بن المنذر، أحد بني سلمة: قد نعرف لكم فضلكم، ولكن منا أمير ومنكم أمير، فذلك أحرى ألا يخالف أحد منا صاحبه، فإلا تفعلوا فأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (¬١). ثم قال بشير بن سعد: الأمر بيننا وبينكم كشقّ الأبلمة. فقلت: وأنت أيضا يا أعور؟ نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأئمة من قريش»؟ قال: اللهم نعم، فرغم أنفي. قلت ففيم الكلام؟ وقال أبو بكر: أدعوكم إلى أي المهاجرين شئتم: عمر، أو غيره. فهي التي كرهت من كلام أبي بكر؛ ولأن أقدم فيضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ. ثم قال أبو بكر: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء وإخواننا في الدين، وأحبّ الناس إلينا. فأذهب الله عنهم نزغ (¬٢) الشيطان.وقال الزهري: كان معن (¬١) يقول: إني أحبّ أن لا أموت حتى أصدّق رسول الله ﷺ ميتا كما صدّقته حيا. واستشهد يوم اليمامة. حدثني ابن عباس، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن محمد بن إسحاق بنحوه (¬٢). وحدثني محمد بن سعد، ثنا عفان، ثنا شعبة، أنبأ الجريري، عن أبي نضرة قال: لما أبطأ أناس عن بيعة أبي بكر قال: من أحق بهذا الأمر مني؟ ألست أول من صلى؟ ألست، ألست، وذكر خصالا فعلها مع النبي ﷺ. - حدثني هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ الجريري، عن أبي نضرة قال: لما بايع الناس أبا بكر، اعتزل علي والزبير، فبعث إليهما عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت. فأتيا منزل عليّ، فقرعا الباب، فنظر الزبير من قترة (¬٣) ثم رجع إلى عليّ فقال: هذان رجلان من أهل الجنة، وليس لنا أن نقاتلهما. قال: افتح لهما. ثم خرجا معهما حتى أتيا أبا بكر، فقال أبو بكر: يا علي أنت ابن عم رسول الله وصهره، فتقول إني أحق بهذا الأمر؛ لاها الله لأنا أحق به منك. قال: لا تثريب، يا خليفة رسول الله، ابسطيدك أبايعك. فبسط يده فبايعه. ثم قال للزبير: تقول أنا ابن عمة رسول الله وحواريه وفارسه وأنا أحقّ بالأمر؛ لا ها الله لأنا أحق به منك. فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه. - المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه قبس فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك محرّقا علي بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع وقال: كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن. - وقال أبو مخنف: لما استخلف عثمان، دخل العباس على عليّ، فقال: ما قدّمتك إلا تأخرت، قلت لك وقد احتضر النبي ﷺ: تعال، فاسأله عن هذا الأمر لمن هو بعده، فقلت: أكره أن لا يقول لكم. فلا نستخلف أبدا. ثم توفي، فقلت: أبايعك، فلا يختلف عليك اثنان. فأبيت. ثم توفي عمر، فقلت: قد أطلق الله يدك، وليس عليك تبعه. فلا تدخل في الشورى. فأبيت، فما الحيلة؟ - المدائني، عن أبي جزيّ، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر. فلما ماتت، ضرع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه. فقال له عمر: لا تأته وحدك. فقال: وماذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر. فقال علي: والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في الأمرنصيبا استبدّ به علينا. فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، فلم يزل عليّ يذكر حقه وقرابته، حتى بكى أبو بكر. فقال ميعادك العشية. فلما صلى أبو بكر الظهر، خطب فذكر عليا وبيعته. فقال علي: إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبا استبدّ به علينا. ثم بايع أبا بكر. فقال المسلمون: أصبت وأحسنت. المدائني، عن أبي جزيّ، عن الجريري، عن أبي نضرة: أن عليا قعد عن بيعة أبي بكر فقال أبو بكر: ما يمنعك من بيعتي وأنا كنت في هذا الأمر قبلك؟ - حدثنا سلمة بن الصقر، وروح بن عبد المؤمن قالا: ثنا عبد الوهاب الثقفي، أنبأ أيوب، عن ابن سيرين قال: قال أبو بكر لعليّ رضي الله تعالى عنهما: أكرهت إمارتي؟ قال: لا، ولكني حلفت أن لا أرتدي بعد وفاة النبي ﷺ برداء حتى أجمع القرآن كما أنزل. - وحدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي ﵃ حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه، جرى بينهما كلام. فقال علي: إحلب حلبا لك شطره. والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقا لا يجهلونه. ثم أتاه فبايعه.-وحدثت عن الحسن بن عرفة، عن علي بن هشام بن اليزيد، عن أبيه، عن أبي الجحاف قال: لما بويع أبو بكر وبايعه الناس، قام ينادي ثلاثا: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله ﷺ في الصلاة، فمن ذا يؤخرك؟ - المدائني، عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى عليّ. فقال: يا بن عم، إنه لا يخرج أحد إليّ. فقال: هذا العدو، وأنت لم تبايع. فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر. فقام أبو بكر إليه، فاعتنقا، وبكى كل واحد إلى صاحبه. فبايعه فسرّ المسلمون، وجدّ الناس في القتال، وقطعت البعوث. - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني، عن صالح بن كيسان قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبي ﷺ، فأتى عليا وعثمان فقال: أنتما الشعار دون الدثار؛ أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: أو غلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء. قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر واضطغنها عمر. المدائني، عن عوانة وابن جعدبة قالا: لم يبايع خالد بن سعيد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر، فمر به أبو بكر وهو قاعد في سقيفة، فقال له: يا خالد ما رأيك في البيعة؟ قال: أبايع يا أبا بكر. فأتاه أبو بكر. فأدخله خالد الدار وبايعه. وقال غير المدائني: بايع خالد أبا بكر بعد شهرين.حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يزيد بن عياض، عن ابن جعدبة، عن محمد بن المنكدر قال: جاء أبو سفيان إلى عليّ فقال: «أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة؟ أما والله، لئن شئتم لأملأنّها عليه خيلا ورجلا». فقال: «لست أشاء ذلك؛ ويحك يا أبا سفيان إنّ المسلمين نصر بعضهم لبعض وإن نأت دارهم وأرحامهم وإنّ المنافقين غششة بعضهم لبعض وإن قربت ديارهم وأرحامهم. ولولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلا، ما خليناه وإياها». المدائني، عن الربيع بن صبيح، عمن حدثه، عن الحسين، عن أبيه. أن أبا سفيان جاء إلى عليّ ﵇، فقال يا علي: بايعتم رجلا من أذلّ قبيلة من قريش، أما والله لئن شئت لأضرمنها عليه من أقطارها ولأملأنها عليه خيلا ورجالا، فقال له علي: إنك طال ما غششت الله ورسوله، والإسلام، فلم ينقصه ذلك شيئا؛ إنّ المؤمنين وإن نأت ديارهم وأبدانهم نصحة بعضهم لبعض وإنا قد بايعنا أبا بكر وكان والله لها أهلا. - المدائني، عن أبي زكريا العجلاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن أبا سفيان كان حين قبض النبي ﷺ غائبا، بعث به مصدقا. فلما بلغته وفاة النبي ﷺ، قال: من قام بالأمر بعده؟ قيل: أبو بكر. قال: «أبو الفصيل؟ أني لأرى فتقا لا يرتقه إلا الدم». وقال الواقدي: أجمع أصحابنا إن أبا سفيان كان حين قبض رسول الله ﷺ حاضرا.-حدثني روح بن عبد المؤمن، حدثني علي بن المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح أن سعد بن عبادة خرج إلى الشأم فقتل بها. المدائني، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان، وعن أبي مخنف، عن الكلبي وغيرهما. أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر، وخرج إلى الشأم. فبعث عمر رجلا وقال: ادعه إلى البيعة واختل له، وإن أبى فاستعن بالله عليه. فقدم الرجل الشأم، فوجد سعدا في حائط بحوارين (¬١)، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فإني خارج، فرماه بسهم فقتله. وروي أن سعدا رمي في حمام. وقيل: كان جالسا يبول، فرمته الجن فقتلته. وقال قائلهم: قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده … رميناه بسهمين فلم تخط فؤاده - حدثني محمد بن سعد، عن عبد الله الحميدي المكي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الوليد بن كثير عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض رسول الله ﷺ، ارتجّت مكة. فقال أبو قحافة (¬٢): ما هذا؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ. قال: فمن ولي أمر الناس بعده؟ قالوا:ابنك. فقال: أرضي بذلك بنو هاشم، وبنو عبد شمس، وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: فإنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع. ثم ارتجت مكة حين مات أبو بكر رجة دون الأولى، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: مات أبو بكر. قال: رزء جليل. - حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما ولي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فقد وليتكم ولست بخيركم، ولكن القرآن نزل، وسنّ رسول الله ﷺ السنن، فعلمنا. اعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور. وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له حقه. وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع. فإذا أحسنت فأعينوني وأن زغت فقوموني. حدثني الحسين بن علي بن الأسود، ثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثت أن الحسن كان يقول: قد علم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يغضّ نفسه. - حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله ويزيد بن عياض، عن الزهري قال: خطب أبو بكر حين بويع واستخلف. فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه على الأمر كله علانيته وسرّه، ونعوذ بالله من شرّ ما يأتي في الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا قدّام الساعة. فمن أطاعه رشد، ومن عصاههلك. ألا وإني قد وليتكم ولست بخيركم. ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك أني خشيت الفتنة. وايم الله ما حرصت عليها يوما قط ولا ليلة، ولا طلبتها، ولا سألت الله إياها سرّا ولا علانية، وما لي فيها راحة. ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان. ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني. فعليكم بتقوى الله. وإنّ أكيس الكيس التقى، وإنّ أحمق الحمق الفجور. وإني متّبع ولست بمبتدع. وإنّ إضعف الناس عندي الشديد حتى آخذ منه الحق، وإنّ أشد الناس عندي الضعيف حتى آخذ له الحق. فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، واعلموا أيها الناس أنه لم يدع قوم الجهاد قط إلا ضربهم الله بذلّ، ولم تشع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم البلاء، أيها الناس اتبعوا كتاب الله واقبلوا نصيحته فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. واحذروا يوما ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع. فليعمل اليوم عامل ما استطاع من عمل يقرّبه إلى الله ﷿ قبل ألا يقدر على ذلك. أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم. - المدائني، عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن أبي عمرو الجوني قال، قال سلمان الفارسي حين بويع أبو بكر: «كرداذ وناكرداذ» (¬١)، أي عملتم وما عملتم؛ لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.-محمد بن سعد، عن الواقدي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قال: لما بلغ عمر في حجته التي رجع منها فطعن، أن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلته، فقال: إن كانت فلتة فقد وقى الله شرّها؛ وإن حدث بي حدث فالأمر إلى الستة الذين قبض رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.