Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ثم غزاة فتح مكة

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 451, entry [116]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: ثم غزاة فتح مكة
page 451, entry [116]Open original source
ثم غزاة فتح مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثمان. وكان سببها أن رسول الله ﷺ قاضى قريشا عام الحديبية على ما قاضاهم عليه، فسمع رجل من خزاعة - وكانوا مع رسول الله ﷺ في عهده وعقده - رجلا من كنانة - وكانوا في عهد قريش وذمتها - يهجو رسول الله ﷺ. فوثب عليه وشجه، فاقتتلت خزاعة وكنانة، وأعانت قريش بني كنانة، وخرج وجوههم يقاتلون متنكرين، فقدم على رسول الله ﷺ عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي في عدّة من قومه يستنفر رسول الله ﷺ ويذكره الحلف بين عبد المطلب وبينهم، فقال: لا همّ إني ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا … وهم أذلّ وأقل عددا فانصر هداك الله نصرا أيّدا … وادع عباد الله يأتوا مددا فحدثني عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة أن خزاعة نادوا النبي ﷺ وهو يغتسل، فقال: لبيكم. واستعدّ رسول الله ﷺ لغزو أهل مكة إذ نقضوا العهد ونكثوه. فكتب حاطب بن أبيبلتعة اللخمي، حليف الزبير، إلى صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو يعلمهم غزو رسول الله ﷺ إياهم، وبعث بكتابه مع امرأة من مزينة يقال لها كنود. ويقال مع سارة، مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليها قرونها. فوجّه رسول الله ﷺ إليها علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبا مرثد الغنوي، وكلّهم فارس. فلحقوها بروضة خاخ (¬١). فأناخوا بعيرها، ثم فتشوها. فلما رأت الجدّ، أخرجت الكتاب من عقصتها. وقال بعضهم: لم تجعل الكتاب في رأسها، ولكنها جعلته في حجزتها. وقيل إنها جعلته في رأسها حتى أمنت، ثم جعلته في حجزتها. فقال رسول الله ﷺ لحاطب: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إني صانعت القوم على مالي وأهلي قبلهم، ولست لهم بقرابة ولا فيهم من يذبّ عني. فقبل رسول الله ﷺ عذره، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه فقد خان الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: «أوليس هو من أهل بدر؟ ما ندري لعل الله قد اطلّع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد أوجبت لكم الجنة». فأنزل الله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (¬٢). ومضت سارة إلى مكة. وكانت، فيما يزعمون، مغنيّة. فأقبلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ والمسلمين. ولما وافى رسول الله ﷺ مكة، تسلح قوم معهم وقالوا: لا يدخلها محمد عنوة، فقاتلهم خالد بن الوليد، وكان أول من أمره رسول الله ﷺ بالقتال. وبعث رسول الله ﷺالزبير في كتيبة، سوى كتيبة خالد. وجعل أبا عبيدة بن الجرّاح على الحسّر، فأوقعوا بالمشركين. وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ بذي الحليفة، وهو يريد مكة وقد أظهر إسلامه، فأمره أن يمضي نقله إلى المدينة وقال: «هجرتك، يا عم، آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة». وكانت قريش لما جنت ما جنت، خافت رسول الله ﷺ، فبعثت أبا سفيان يجدّد الحلف ويصلح بين الناس، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنت سيد قريش، فاضرب يدا على يد، وأجدّ الحلف وأصلح بين الناس. فانصرف وهو يرى أنه قد صنع شيئا، ثم رجع وأقام بمرّ الظّهران حتى وجدته خيل رسول الله ﷺ فأتته به. فمنعه العباس واستأمن له. فدخل مكة مع رسول الله ﷺ، فلما رأى كثرة المسلمين وإيقاعهم بمن أوقعوا به من المشركين، قال: أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحبّ الفخر على قريش، فاجعل له شيئا يعرف به. فقال ﷺ: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن وضع سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». وأمر أن لا يجهز على جريح، ولا يتبّع مدبر، وأراد أبو سفيان دخول داره، فقالت له هند: وراءك، قبّحك الله فإنك شرّ وافد. وقتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة نفر. ويقال إنه قتل من قريش ثلاثة وعشرون، وهرب أكثرهم واعتصموا برؤوس الجبال وتوقلوا فيها. ويقال انه استشهد من المسلمين كرز بن جابر الفهري، وخالد الأشعر الكعبي. وقال الكلبي: هو حبيش الأشعر بن خالد الكعبي، من خزاعة.ودخل رسول الله ﷺ مكة، وعليه عمامة سوداء، ولواؤه أسود. وأمر رسول الله ﷺ بالأصنام فهدمت، وبالصّور التي كانت في الكعبة فمحيت، وأمر بلالا، حين جاءت الظهر، فأذّن على ظهر الكعبة، وقريش فوق الجبال: منهم من يطلب الأمان، ومنهم من قد أومن. فلما قال: «أشهد أن محمدا رسول الله»، قالت جويرية بنت أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع نهيق ابن أم بلال فوق الكعبة. ويقال إنها قالت: لقد رفع الله ذكر محمد؛ وأما نحن فسنصلي، ولكنا لا نحبّ والله من قتل الأحبة أبدا. وقال خالد بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم ير هذا اليوم، ولم يسمع هذا الصوت. وقال الحارث بن هشام: واثكلاه، ليتني متّ ولم أسمع نهيق ابن أم بلال على الكعبة. وهذا أثبت مما روى عن جويرية، ويقال إنّ عكرمة بن أبي جهل قال: لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع نهيق ابن أم بلال على الكعبة. وقيل لرسول الله ﷺ: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ فقال ﷺ: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ وكان عقيل باع منزل رسول الله ﷺ ومنازل إخوته من الرجال والنساء. ونظر رسول الله ﷺ، وأبو بكر يسايره، إلى بنات أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية يلطّمن وجوه الخيل بالخمر وقد نشرن شعورهن، فتبسم وقال: يا أبا بكر كيف قال حسان بن ثابت؟ فأنشده: تظلّ جيادنا متمّطرات … تلطّمهنّ بالخمر النساء (¬١) وكان حماس [بن قيس] (¬٢) بن خالد الدّيلي قال لامرأته حين أظلهم رسول الله ﷺ: لآتينك بخادم منهم، فلما جاء منهزما، قالت هازئة به:أين الخادم الذي وعدتني فإني لم أزل منتظرة له؟ فقال: وأنت لو شهدتنا بالخندمة … إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة أبو يزيد كالعجوز المؤتمة … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة إذ ضربتنا بالسيوف المسلمه … لهم زئير خلفنا وغمغمة وكان هؤلاء الذين ذكرهم يقولون: لا ندع محمدا يدخل مكة أبدا. - وأمر رسول الله ﷺ بقتل ستة نفر، وأربع نسوة. فأما النفر: فعكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة، والحويرث بن نقيد، وابن خطل. وأما الأربع النسوة فهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب، وقينتا هلال بن عبد الله بن الأخطل الأدرمي - ويقال هو عبد الله بن هلال؛ والأول قول الكلبي، وقينتاه فرتنا وأرنب، ويقال قريبة - وأبو يزيد: سهيل بن عمرو. - فأما عكرمة، فإنه هرب. وأسلمت امرأته أمّ حكيم فقالت: يا رسول الله زوجي هرب خوفا منك، فقال: «هو آمن». فخرجت في طلبه، ومعها غلام لها رومي فراودها عن نفسها، فلم تزل تمنيه حتى انتهت إلى حيّ من العرب فاستغاثهم عليه. فأوثقوه رباطا. وأدركت عكرمة في ساحل من السواحل، قد ركب البحر. فجعل النوتي يقول له: قل لا إله إلا الله، فقال: ويحك، ما هربت إلا من هذه الكلمة. وقالت له امرأته: جئتك، يا بن عم، من عند أوصل الناس وأحلمهم وأكرمهم، قد أمنك وعفا عنك، فرجع. وأخبرته خبر الرومي. فقتله وهو لم يسلم بعد، ثم لما قدم على رسول الله ﷺ، وقف بين يديه. فأظهر السرور به. وأسلم وسأل النبي ﷺ أن يستغفر له. فاستغفر له، وقال: والله لأجتهدنّ في جهادأعداء الله، وجعل على نفسه أن يحصي كل نفقة أنفقها في الشرك فينفق مثلها في نصر الإسلام، وأقرّ رسول الله ﷺ امرأته على نكاحه. - أما هبّار بن الأسود، فكان ممن عرض لزينب بنت رسول الله ﷺ حين حملت من مكة إلى المدينة، فكان رسول الله ﷺ يأمر سراياه إن لقوه أن يحرّقوه. ثم قال: لا يعذّب بالنار إلا خالق النار. فأمر بقطع يديه ورجليه وقتله، فلما كان يوم الفتح، هرب ثم قدم على رسول الله ﷺ المدينة. ويقال أتاه وهو بالجعرانة حين فرغ من أمر المشركين بحنين، فمثل بين يديه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقبل إسلامه، وأمر أن لا يعرض له، وخرجت سلمى مولاة رسول الله ﷺ، فقالت: لا أنعم الله بك عينا، فقال رسول الله ﷺ: مهلا، فقد محا الإسلام ما قبله. قال الزبير بن العوام: لقد رأيت رسول الله ﷺ بعد غلظته على هبّار يطأطئ رأسه استحياء منه، وهو يعتذر إليه. - وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه أسلم وكان يكتب بين يدي رسول الله ﷺ فيملي عليه «الكافرين»، فيجعلها «الظالمين»، ويملي عليه «عزيز حكيم» فيجعلها «عليم حكيم»، وأشباه هذا، فقال: أنا أقول كما يقول محمد وآتي بمثل ما يأتي به محمد. فأنزل الله فيه ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ (¬١). وهرب إلى مكة مرّتدا، فأمر رسول الله ﷺ بقتله، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاع، فطلب فيه أشدّ طلب حتى كفّ عنه رسول الله ﷺ، وقال: أما كان فيكم من يقوم إلى هذا الكلب قبل أن أؤمنّه فيقتله؟ فقال عمر - ويقال أبو اليسر - لو أومأت إلينا، قتلناه. فقال: إنيما أقتل بإشارة، لأن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين. وكان يأتي النبي ﷺ، فيسلم عليه. وولاه عثمان مصر، فابتنى بها دارا، ثم تحوّل إلى فلسطين فمات بها. وبعض الرواة يقول: مات بإفريقية. والأول أثبت. - وأما مقيس بن صبابة الكناني، فإن أخاه هاشم بن صبابة بن حزن أسلم وشهد غزاة المريسيع مع رسول الله ﷺ فقتله رجل من الأنصار خطأ وهو يحسبه مشركا. فقدم مقيس على رسول الله ﷺ، فقضى له بالدية على عاقلة الأنصاري، فأخذها وأسلم ثم عدا على قاتل أخيه فقتله وهرب مرتدا وقال: شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا … تضرّج ثوبيه دماء الأخادع ثأرت به فهرا وحملت عقله … سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وتري وأدركت ثؤرتي … وكنت عن الإسلام أول راجع فأمر رسول الله ﷺ بقتله من لقيه. فلما كان يوم الفتح، خرج مدججّا، وهو يقول: دون دخول محمد أياها ضرب كأفواه المزاد. وكان قد اصطبح ذلك اليوم في أصحاب له. وكانت أمه سهمية. وكان معهم. فعاد حين انهزم الناس، فشرب. وعرف نميلة بن عبد الله الكناني موضعه، فدعاه. فخرج إليه ثملا، وهو يقول متمثلا: دعيني أصطبح يا بكر إنيّ … رأيت الموت نقّب عن هشام ونقّب عن أبيك أبي يزيد … أخي القينات والشرّب الكرام فلم يزل يضربه بالسيف حتى قتله. فقال شاعرهم:لعمري لقد أخزى نميلة رهطه … وفجّع أضياف الشتاء بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس … إذا النفساء أصبحت لم تخرّس (¬١) - وأما الحويرث بن نقيد، فكان يعظّم القول في رسول الله ﷺ، وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة. فلما كان يوم الفتح، هرب من بيته. فلقيه علي بن أبي طالب فقتله. - وأما هلال بن عبد الله بن عبد مناف الأدرمي، وهو ابن خطل - وبعضهم يقول عبد الله، والثبت أن اسمه هلال - فإنه أسلم وهاجر إلى المدينة. فبعثه النبي ﷺ ساعيا على الصدقة، وبعث معه رجلا من خزاعة. فوثب على الخزاعي فقتله. وذلك أنه كان يخدمه، ويتخذ له طعامه. فجاء ذات يوم ولم يتخذ له شيئا، فاغتاظ وضربه حتى قتله. وقال: إن محمدا سيقتلني به، فارتدّ وهرب وساق ما كان معه من الصدقة، وأتى مكة. فقال لأهلها: لم أجد دينا خيرا من دينكم. وكانت له قينتان، فكانتا تغنينان بهجاء رسول الله ﷺ، ويدخل عليهما المشركون فيشربون عنده الخمر. فقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: اقتلوه ولو كان متعلقا بأستار الكعبة. فقتله أبو برزة الأسلمي. واسمه نضلة بن عبد الله، وذلك الثبت. وبعضهم يقول: اسمه خالد بن نضلة، وهو قول الهيثم بن عدي. وبعضهم يقول: عبد الله بن نضلة أيضا، ويقال قتله شريك بن عبدة، من بني العجلان. وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن عبد الله القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي برزة.أنه سمعه يقول: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (¬١). فأخرجت عبد الله بن خطل، وهو في أستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام. ويقال: قتله عمار بن ياسر. ويقال سعيد بن حريث المخزومي أخو عمرو بن حريث. - أما هند، فأسلمت وكسرت كل صنم في بيتها، وأتت رسول الله ﷺ مسلمة، وبايعها مع النساء؛ وكان في بيعة النساء «أن لا يزنين»، فقالت: «وهل تزنى الحرّة؟». وأهدت إلى رسول الله ﷺ جديين، واعتذرت من قلة ولادة غنمها. فدعا لها رسول الله ﷺ، فكثرت غنمهم. فكانت تقول: هذا ببركة رسول الله ﷺ؛ فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وأكرمنا برسوله، وقالت حين هدمت الأصنام التي كانت في بيتها: لقد كنا منكم في غرور. - وأما سارة، صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، فكانت مغنّية نوّاحة. وكانت قدمت من مكة، فوصلها رسول الله ﷺ حين شكت إليه الحاجة. وقالت: إني قد تركت النوح والغناء. ثم رجعت إلى مكة مرتدّة، وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ. فقتلها علي بن أبي طالب. ويقال غيره. - أما قينتا ابن خطل، فإن إحداهما وهي أرنب - ويقال قريبة - فقتلت. وبقيت الأخرى، فجاءت مسلمة، وقد تنكرت. واسمها فرتنا. ولم تزل باقية إلى خلافة عثمان. فانكسرت لها ضلع، وماتت، وقال الواقدي: كسرت ضلع من أضلاع فرتنا، قينة ابن خطل، فقضى عثمان فيه بثمانية آلاف: ستة آلاف ديتها وألفان لتغليظ الجناية.-وكان عبد الله بن أبي أمية من أشدّ الناس على النبي ﷺ. وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شديدا عليه وكان يكذّبه ويهجوه. وفيه يقول حسان: (شعر) أتهجوه ولست له بند … فشرّكما لخيركما الفداء (¬١) فأتيا رسول الله ﷺ بنيق العقاب فلم يأذن لهما، فأما عبد الله بن أبي أمية، فتكلمت فيه أخته أم سلمة، حتى أذن له فسلم عليه وبايعه ولم يغمص عليه في إسلامه حتى استشهد يوم الطائف، وأما أبو سفيان، فتكلم فيه العباس حتى أذن له وبايعه، ولم يزل مستغفرا مما كان فيه، مجتهدا في مناصحة الإسلام حتى مات في خلافة عمر، وصلى عليه عمر. ويقال إنّ أبا سفيان أتى النبي ﷺ وهو بالأبواء، فأسلم. ويقال إنّ أبا سفيان كان أخا النبي ﷺ من الرضاع: أرضعته حليمة أياما. - قالوا: وجعل رسول الله ﷺ يطعن الأصنام بمحجن معه ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (¬٢)، ودفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وكان قد أسلم قبل الفتح، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص في وقت واحد، وخرج عن المدينة إلى مكة، وفيه نزلت ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (¬٣). - وبعث سهيل بن عمرو ابنه، عبد الله بن سهيل، إلى رسول الله ﷺ، فأمنه رسول الله ﷺ. فقال سهيل: «بأبي وأمي هو، فلم يزل برّاحليما صغيرا وكبيرا». وخرج مع رسول الله ﷺ على شركه، فأسلم بالجعرانة. - وهرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وهو يومئذ زوج أم هانئ بنت أبي طالب، وابن الزّبعرى - وقال أبو عبيدة: الزّبعرى بالفتح - معه إلى نجران. فأما ابن الزبعرى، فرجع مسلما. فلما رآه النبي ﷺ، قال: قد جاءكم عبد الله وإنما أرى في وجهه نور الإسلام. فقال: السّلام عليك يا رسول الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. واعتذر إلى النبي ﷺ، فقبل عذره وقال: الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، فقد محا الإسلام ما كان قبله، ومات هبيرة بنجران مشركا. - وهرب حويطب بن عبد العزى. فرآه أبو ذرّ في حائط، فأخبر رسول الله ﷺ بمكانه، فقال: أوليس قد أمنّا الناس إلا من أمرنا بقتله؟ فأتاه فأخبره، أو أخبر غيره بذلك، فأمن. وكان حويطب بن عبد العزى دخل على مروان بن الحكم بعد، وهو والي المدينة، فقال له مروان: تأخّر إسلامك يا شيخ. فقال: قد والله هممت به غير مرة، فكان أبوك يصدّني عنه. - وهرب صفوان بن أمية، وكان يكنى أبا وهب. فتكلم فيه عمير بن وهب الجمحي، وقال: سيد قومي هارب خوفا، فأمنه رسول الله ﷺ، فلحقه فأعلمه أمانه، فلم يثق به حتى بعث إليه رسول الله ﷺ ببردة كان معتجرا بها، فأطمأنّ ورجع مع عمير، وأقام كافرا، وأعار رسول الله ﷺ مائة درع بأداتها، وشهد حنين والطائف مع رسول الله ﷺ فرآى غنما كثيرة من الغنيمة، فنظر إليها. فقال له رسول الله ﷺ: أعجبتك؟ قال:نعم. قال: فهي لك. فقال: والله ما طابت بها إلا نفس نبي، وأسلم. وأقام بمكة. فقيل له: لا إسلام لمن لم يهاجر. وأتى المدينة. فقال له رسول الله ﷺ: عزمت عليك يا أبا وهب لما رجعت إلى أباطح مكة. فرجع ومات أيام خروج الناس إلى البصرة ليوم الجمل. واستسلف رسول الله ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، ومن صفوان خمسين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم. فردّها حين فتح الله عليه هوازن، وغنّمه أموالهم. وإنما استقرضها ليقوّي بها أصحابه. وكان ﵇ أمر بقتل وحشي، قاتل حمزة، فهرب إلى الطائف، ثم قدم في وفدها فدخل على رسول الله ﷺ. وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فقال النبي ﷺ: «أوحشي»؟ قال: نعم. قال: أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فأخبره. فقال: «غيّب عني وجهك». قال الواقدي: فأول من ضرب في الخمر وحشي، وأول من لبس المعصفر المصقول بالشأم وحشي، لا اختلاف بينهم في ذلك. قالوا: وأسلم الحارث بن هشام وأقام بمكة، وكان مغموصا عليه في إسلامه. فلما جاءت وفاة النبي ﷺ وبيعة أبي بكر، كان بمكة. ثم لما استنفر أبو بكر الناس لغزو الروم بالشأم، شخص هو وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فاستأذنوه في الغزو. فأذن لهم. فخرجوا إلى الشأم. فاستشهد عكرمة يوم أجنادين. ومات سهيل. والحارث في طاعون عمواس. قالوا: وبلغ رسول الله ﷺ أنّ أنس بن زنيم، وهو أبو إياس - وكان ابنه مسمى باسمه - هجاه. فقدم عليه يعتذر في شعر يقول فيه:فما حملت من ناقة فوق رحلها … أعفّ وأوفى ذمة من محمد أحثّ على خير وأسرع نائلا … إذا راح يهتزّ اهتزاز المهنّد ونبّي رسول الله أني هجوته … فلا رفعت سوطي إليّ إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتية … أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد فبلغ رسول الله ﷺ اعتذاره وشعره، وكلّم فيه، فعفا عنه، وكان قد نذر دمه. وقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: «ألا إنّ كل دين ومال ودم ومأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاجّ. وأول الدماء دم آدم بن ربيعة». وكان حذيفة بن أنس الهذلي الشاعر خرج بقومه يريد بني عدي بن الديل، فوجدهم قد ظعنوا عن المنزل الذي عهدهم فيه، ونزّله بنو سعد بن ليث. فأغار على بني سعد، وآدم بن ربيعة مسترضع له فيهم وصغيرا، فقتل. فوضع رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح. فقال حذيفة بن أنس: أصبنا الألى لما نرد أن نصيبهم … فساءت كثيرا من هذيل وسرّت أسائل عن سعد بن ليث لعلهم … سواهم قد أصابت بهم فاستحرّت (¬١) فلا توعدونا بالجياد فإنها … لنا أكلة قد عضلّت فأمرّت وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم. ويقال كان خليفته أبا رهم الغفاري. وفشا الإسلام بمكة، وكسر الناس أصنامهم، ووجّه رسول الله ﷺ في كسر الأصنام التي حول مكة، وأقام رسول الله ﷺ بمكة، حتى خرج منها إلى حنين. واستخلف عليها عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية. وأسلم عبد الله بن أبي أمية في الفتح.
Parsing and provenance details
Local passage ID
253438
Book record
shamela-9773
Source record
336262
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ثم غزاة فتح مكة — shamela-9773 · Hadith Research Library