page 2901, entry [1326]Open original source
١- منهجه في التأليف: تدل الكتب التي وصلتنا من مؤلفات ياقوت على أنه كان يدين بمبادىء في التأليف يحرص عليها، ومن أهمها: ١- الاستقصاء في الاطلاع: ولذلك كانت أهم كتبه تمثل مشروعات طويلة المدى، لا يمكن إنجازها في وقت محدد، بل هي «موضوعات مفتوحة» تتحمل الزيادة على مرّ السنين. ٢- الابتعاد عن الأسطورية وما يأبى العقل قبوله، ومع ذلك فإنه يقرّ أنه أورد نماذج وأخبارا بعيدة عن العادات المألوفة، تنفر منها الطباع السليمة «٣» ، كتبها وهو مرتاب بها نافر عنها، وإنما دونها حرصا على إحراز الفوائد، إذ هي مفيدة إن كانت حقا، وامتحان لسلامة التفكير إن كان باطلا. وقال في موضع آخر: وفي أخبار قصاص المسلمين أشياء عجيبة تضيق بها صدور العقلاء، أن أحكي بعضها غير معتقد لصحتها «٤» ، وبعد أن روى بعض الأساطير قال: وإنما هي أشياء تكلم بها القصاص ... لا مستند لها من عقل ولا نقل «٥» .٣- الصدق في النقل والرواية دون تغيير أو إيجاز مخلّ وهذا يعني أنه غير ملوم إذا نقل أحيانا ما لا يقبله العقل، شرط أن ينوه بذلك. ٤- الاعتماد على الثقة في ناقل الرواية، ومبلغ تحرّيه في النقل، فهو يقبل حكاية رواها السمعاني ثم يقول: وهذه حكاية على ما يرى من الاستحالة، وقد أوردتها أنا لثقة موردها وتحرّيه في الرواية، فإن صحّت فقد فزت بحظ من العجب، وإلا فاجعلها كالسمر تستمتع به «١» . ٥- محاولة التبرؤ من مسؤولية الخطأ باللجوء إلى الحديث عن فقدان العصمة لدى البشر، وطلب العذر عن الخطأ، فالكمال محال لغير ذي الجلال، والنسيان في الإنسان غير معدوم، وليقس القارىء قلة الخطأ إلى كثرة الصواب فإنه حينئذ يدرك أن الناحية الايجابية هي الغالبة. ٦- إيمانه بأن العالم الإسلامي وحدة كبيرة، وأنه مسؤول عن الترجمة لمشاهير أدباء ذلك العالم وشعرائه، ورسم صورة لبلدانه وقراه وبحاره وأنهاره، كذلك فعل في معجم الأدباء وكذلك كان منهجه في معجم البلدان «ولم أقصد أدباء قطر، ولا علماء مصر، ولا إقليم معين، ولا بلد مبين، بل جمعت البصريين والكوفيين والبغداديين والخراسانيين، والحجازيين واليمنيين والمصريين والشاميين والمغربيين وغيرهم» «٢» . ٧- التنويع في مادة الكتاب بين الحكمة والخبر والشعر والنثر والهزل والجد. ٨- إنكار الاختصار بعد أن يكتمل الكتاب حسبما رسمه مؤلفه، لأن الاختصار يدل على تخلف الهمم لدى طلاب العلم، وفيه تشويه للكتاب الأصلي «ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سويّ فقطع أطرافه» «٣» . وعلى الرغم من جنوح ياقوت إلى التواضع وهو يقوم بالتأليف فإنه كان يشعر بالزهو البالغ حين يكتمل الكتاب ويتأمل مبلغ ما بذله فيه من جهد، وما أحرزه فيه منإتقان. وعلى الرغم من اعترافه بأن الخطأ جائز على جميع البشر، فإنه يرى الأمور نسبية ويضيف قائلا: «وعلى ذلك فإنني أقول ولا أحتشم، وأدعو إلى النزال كلّ علم في العلم ولا أنهزم، إن كتابي هذا (أي معجم البلدان) أوحد في بابه، مؤمّر على أضرابه، لا يقوم بإبراز مثله إلا من أيّد بالتوفيق، وركب في طلب فوائده كلّ طريق» «١» ، وبهذه الروح نفسها يتحدث عن معجم الأدباء أيضا، فهو قد أبرزه في أبهى من الحليّ على ترائب الكعاب «٢» ثم يقول: «واعلم أنني لو أعطيت حمر النعم وسودها، ومقانب الملوك وبنودها، لما سرّني أن ينسب هذا الكتاب إلى سواي» «٣» ويبدو أن عظم الكتاب في نظره- بعد الجهد الذي بذله في سبيل تأليفه هو الدافع إلى منعه من ملتمسيه، وحجبه عن الراغبين في الاطلاع عليه. وعلى هذا الأساس يمكن أن يقال إن منهج ياقوت في التأليف كان يرمي إلى إذكاء الشعور بالرضى عن نفسه في نفسه، أو بما يتجاوز الرضى إلى نوع من السعادة الذاتية التي يغذيها لديه حب الظهور.