page 2557, entry [1111]Open original source
[١٠٧٥] محمد بن عبيد الله أبو الفتح ابن التعاويذي ، ويعرف أيضا بسبط ابن التعاويذي، وكلاهما نسبة لجدّه لأمه أبي محمد المبارك بن المبارك بن علي السراج الجوهري المعروف بابن التعاويذي الزاهد: كان شاعر العراق في وقته، وكان كاتبابديوان الاقطاع ببغداد، واجتمع به العماد الكاتب الأصفهاني لما كان بالعراق وصحبه مدة، فلما انتقل العماد إلى الشام واتصل بالسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كان ابن التعاويذي يراسله، فكان بينهما مراسلات ذكر بعضها العماد في «الخريدة» . وعمي أبو الفتح في آخر عمره سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وله في ذلك أشعار كثيرة يندب بها بصره وزمان شبابه. ومدح السلطان صلاح الدين بثلاث قصائد أنفذها إليه من بغداد، إحداها عارض بها قصيدة أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصرّدرّ التي أولها: أكذا يجازى ودّ كلّ قرين فقال ابن التعاويذي وأحسن ما شاء «١» : إن كان دينك في الصبابة ديني ... فقف المطيّ برملتي يبرين والثم ثرى لو شارفت بي هضبه ... أيدي المطيّ لثمته بجفوني وانشد فؤادي في الظباء معرّضا ... فبغير غزلان الصريم جنوني ونشيدتي بين الخيام وإنما ... غالطت عنها بالظباء العين لولا العدى لم أكن عن ألحاظها ... وقدودها بجآذر وغصون لله ما اشتملت عليه قبابهم ... يوم النوى من لؤلؤ مكنون من كل تائهة على أترابها ... في الحسن غانية عن التحسين خود ترى قمر السماء إذا بدت ... ما بين سالفة لها وجبين غادين ما لمعت بروق ثغورهم ... إلا استهلّت بالدموع شؤوني إن تنكروا نفس الصّبا فلأنها ... مرّت بزفرة قلبي المحزون وإذا الركائب في المسير تلفّتت ... فحنينها لتلفّتي وحنيني يا سلم إن ضاعت عهودي عندكم ... فأنا الذي استودعت غير أمين أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى ... لكم بأول عاشق مغبونرفقا فقد عسف الفراق بمطلق ال ... عبرات في أسر الغرام رهين ما لي ووصل الغانيات أرومه ... ولقد بخلن عليّ بالماعون وعلام أشكو والعهود نقضنها ... بلحاظهنّ إذا لوين ديوني هيهات ما للغيد في حبّ امرىء ... أرب وقد أربى على الخمسين ومن البلية أن تكون مطالبي ... جدوى بخيل أو وفاء خؤون ليت الضنين على المحبّ بوصله ... ألف السماحة عن صلاح الدين ملك إذا علقت يد بذمامه ... علقت بحبل في الوفاء متين قاد الجياد معاقلا وان اكتفى ... بمعاقل من رأيه وحصون سهرت جفون عداه خيفة فاتح ... خلقت صوارمه بغير جفون لو أنّ لليث الهزبر سطاه لم ... يلجا إلى غاب له وعرين أضحت دمشق وقد حللت بجوها ... مأوى الضعيف وموئل المسكين لك عفة في قدرة وتواضع ... في عزة وصرامة في لين وأريتنا بجميل صنعك ما روى ال ... راوون عن أمم خلت وقرون وضمنت أن تحيي لنا أيامهم ... بالمكرمات فكنت خير ضمين كاد الأعادي أن يصيبك كيدها ... لو لم تكدك برأيها المأفون تخفي عداوتها وراء بشاشة ... فتشفّ عن نظر لها مشفون دفنت حبائل مكرها فرددتها ... تبلى بغيظ صدورها المدفون وعلمت ما أخفوا كأنّ قلوبهم ... أفضت إليك بسرها المخزون فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم ... بالنحس طائر جدّك الميمون وأما قصيدته الثانية فهي «١» : حتّام أرضى في هواك وتغضب ... وإلى متى تجني عليّ وتعتب ما كان لي لولا ملالك زلة ... لما مللت زعمت أني مذنبخذ في أفانين الصدود فإن لي ... قلبا على العلّات لا يتقلب أتظنني أضمرت يوما سلوة ... هيهات عطفك من سلوّي أقرب لي فيك نار جوانح ما تنطفي ... شوقا وماء مدامع لا ينضب أنسيت أياما لنا ولياليا ... للهو فيها والخلاعة ملعب أيام لا الواشي يشي بتولّهي ... بك للرقيب ولا العذول يؤنب قد كنت تنصفني المودة راكبا ... في الحبّ من أخطاره ما أركب واليوم أقنع أن يمرّ بمضجعي ... في النوم طيف خيالك المتأوب قالت وريعت من بياض مفارقي ... ونحول جسمي بان عنك الأطيب إن تنقمي سقمي فخصرك ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب يا طالبا بعد المشيب غضارة ... من عيشه ذهب الزمان المذهب أتروم بعد الأربعين تعدّها ... وصل الدمى هيهات عزّ المطلب لولا الهوى العذريّ يا دار الهوى ... ما هاج لي ذكراك برق خلّب كلا ولا استسقيت للطلل الحيا ... وندى صلاح الدين هام صيّب ثم مضى في المدح فأجاد وأحسن. وأما الثالثة فنكتفي بإيراد أبيات من مديحها قال «١» : فلا يضجرنك ازدحام الوفود ... عليك وكثرة ما تبذل فإنك في زمن ليس فيه ... جواد سواك ولا مفضل وقد قلّ في أهله المنعمون ... وقد كثر البائس المرمل وما فيه غيرك من يستماح ... وما فيه إلّاك من يسأل وقال من قصيدة يندب بصره «٢» : لقد رمتني رميت بالأذى ... بنكبة قاصمة الظهروأوترت في مقلة قلما ... علمتها باتت على وتر جوهرة كنت ضنينا بها ... نفيسة القيمة والقدر إن أنا لم أبك عليها دما ... فضلا عن الدمع فما عذري ما لي لا أبكي على فقدها ... بكاء خنساء على صخر وقال أيضا في ذلك من أبيات «١» : حالان مستني الحوا ... دث منهما بفجيعتين إظلام عين في ضيا ... ء من مشيب سرمدين صبح وإمساء معا ... لا خلفة فاعجب لذين قد رحت في الدنيا من ال ... سراء صفر الراحتين أسوان لا حيّ ولا ... ميت كهمزة بين بين وقال أيضا في ذلك من أبيات «٢» : فها أنا كالمقبور في كسر منزلي ... سواء صباحي عنده ومسائي يرقّ ويبكي حاسدي لي رحمة ... وبعدا لها من رقة وبكاء وقال في الشيخوخة «٣» : من شبه العمر بالكاس يرسو ... قذاه ويرسب في أسفله فإني رأيت القذا طافيا ... على صفحة الكاس من أوله وقال في الهرم أيضا «٤» : وعلوّ السنّ قد كسّ ... ر بالشيب نشاطي كيف سمّوه علّوا ... وهو أخذ في انحطاط وقال في ذلك أيضا «٥» :أسفت وقد نفت عنّي الليالي ... جديدا من شباب مستعار وكان يقيم عذري في زمان ال ... صبا لون الشبيبة في عذاري ولم أكره بياض الشيب الا ... لأن العيب يظهر في النهار وقال أيضا «١» : سقاك سار من الوسميّ هتّان ... ولا رقت للغوادي فيك أجفان يا دار لهوي وأطرابي ومعهد أت ... رابي وللهو أوطار وأوطان أعائد لي ماض من جديد هوى ... أبليته وشباب فيك فينان إذ الرقيب لنا عين مساعدة ... والكاشحون لنا في الحبّ أعوان وإذ جميلة توليني الجميل وعن ... د الغانيات وراء الحسن إحسان ولي إلى البان من رمل الحمى طرب ... فاليوم لا الرمل يصبيني ولا البان وما عسى يدرك المشتاق من وطر ... إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا إن المغاني معان والمنازل أم ... وات إذا لم يكن فيهنّ سكان لله كم قمرت لبي بجوك أق ... مار وكم غازلتني فيك غزلان وليلة بات يجلو الراح من يده ... فيها أغنّ خفيف الروح جذلان خال من الهمّ في خلخاله حرج ... فقلبه فارغ والقلب ملآن يذكي الجوى بارد من ريقه شبم ... ويوقد الظرف طرف منه وسنان ان يمس ريان من ماء الشباب فلي ... قلب إلى ريقه المعسول ظمآن بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان فكيف أصحو غراما أو أفيق جوى ... وقدّه ثمل بالتيه نشوان أفديه من غادر بالعهد غادرني ... صدوده ودموعي فيه غدران في خدّه وثناياه ومقلته ... وفي عذاريه للعشّاق بستان شقائق وأقاح نبته خضل ... ونرجس أنا منه الدهر سكرانوكان له راتب في الديوان فلما عمي طلب أن يجعل باسم أولاده، ثم كتب هذه القصيدة ورفعها إلى الخليفة الناصر التمس بها تجديد راتب مدة حياته «١» : خليفة الله أنت بالدين وال ... دنيا وأمر الاسلام مضطلع أنت لما سنّه الأئمة أع ... لام الهدى مقتف ومتبع قد عدم العدم في زمانك وال ... جور معا والخلاف والبدع فالناس في الشرع والسياسة وال ... إحسان والعدل كلهم شرع يا ملكا يردع الحوادث وال ... أيام عن ظلمها فترتدع ومن له أنعم مكرّرة ... لنا مصيف منها ومرتبع أرضي قد أجدبت وليس لمن ... أجدب يوما سواك منتجع ولي عيال لا درّ درّهم ... قد أكلوا دهرهم وما شبعوا إذا رأوني ذا ثروة جلسوا ... حولي ومالوا إليّ واجتمعوا وطالما قطّعوا حبالي اع ... راضا إذا لم تكن معي قطع يمشون حولي شتّى كأنهم ... عقارب كلما سعوا لسعوا فمنهم الطفل والمراهق وال ... رضيع يحبو والكهل واليفع لا قارح منهم أؤمل أن ... ينالني خيره ولا جذع لهم حلوق تفضي إلى معد ... تحمل في الأكل فوق ما تسع من كل رحب المعاء أجوف نا ... ريّ الحشا لا يمسّه الشبع لا يحسن المضغ فهو يترك في ... فيه بلا كلفة ويبتلع ولي حديث يلهي ويعجب من ... يوسع لي خلقه ويستمع نقلت رسمي جهلا إلى ولد ... لست بهم ما حييت أنتفع نظرت في نفعهم وما أنا في اج ... تلاب نفع الأولاد مبتدع وقلت هذا بعدي يكون لكم ... فما أطاعوا أمري ولا سمعواواختلسوه مني فما تركوا ... عيني عليه ولا يدي تقع فبئس والله ما صنعت فأض ... ررت بنفسي وبئس ما صنعوا فإن أردتم أمرا يزول به ال ... خصام من بيننا ويرتفع فاستأنفوا لي رسما أعود على ... ضنك معاشي به فيتسع وان زعمتم أني أتيت بها ... خديعة فالكريم ينخدع حاشا لرسم الكريم ينسخ من ... نسخ دواوينكم فينقطع فوقّعوا لي بما سألت فقد ... أطمعت نفسي واستحكم الطمع ولا تطيلوا معي فلست ولو ... دفعتموني بالراح أندفع وحلفوني أن لا تعود يدي ... ترفع في نقله ولا تضع وكل شعر أبي الفتح غرر، وديوانه كبير يدخل في مجلدين جمعه بنفسه قبل أن يضر، وافتتحه بخطبة لطيفة، ورتبه على أربعة أبواب، وما حدث من شعره بعد العمى سماه الزيادات، وهي ملحقة ببعض نسخ ديوانه المتداولة، وبعض النسخ خلو منها، وله كتاب سماه «الحجبة والحجاب» في مجلد كبير، ونسخه قليلة. ولد أبو الفتح ابن التعاويذي في اليوم العاشر من رجب سنة تسع عشرة وخمسمائة وتوفي في ثاني شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ببغداد ودفن في مقبرة باب أبرز.