page 2046, entry [885]Open original source
علي بن يوسف يعرف بابن البقال يكنى أبا الحسن: قال أبو عبد الله الخالع: هو من أهل بغداد وممن نادم المهلبي ونفق عليه، وكانت له محاضرة حسنة وبضاعة في الأدب صالحة، وطبقة في الشعر جيدة، يذهب مذهب النامي في التطبيق والتجنيس وطلب الصنعة، وكان بكثرة نوادره ومزاحه مستطابا متقبّلا، وكان حسن اليسار جميل الزيّ يلبس الدرّاعة، وخلّف لما مات ما يزيد على مائة ألف درهم، وكانت وفاته في أيام شرف الدولة بن عضد الدولة، ومنزله في سكة العجم من الزبيدية بالجانب الغربي من مدينة السلام، وخلّف ابنة وزوجة، فأحبت امرأته أحد بني المنجم وزوّجت ابنتها به فأنفقت المال عليه، وماتت الزوجة ولازمته أمها تخدمه كما تخدم المنقطعات. قال: وكان ابن البقال بخيلا جشعا، وكان يلقاني في أيام عضد الدولة فيقول: يا سيدي ما عندك من حديث الشعراء؟ فأقول: قد أمر لهم بمال ولك بجائزة سنية منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا، وأكثر عليه فيقول: منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغداولقيني مرة والسلاميّ معي فسألني عن مثل ذلك فأجبته بمثل الجواب المقدم ذكره، فقال له السلامي، يكذب، والله ما أمر إلا بقطع أيديهم وأرجلهم فقال: «حوالينا الصدود ولا علينا» . وأنشد الخالع لابن البقال يعاتب بعض أصدقائه: وإني في استعطاف رأي محمد ... عليّ ومدّي نحو معروفه يدي لكالمبتغي من بعد تسعين حجة ... تقمّصها رجع الشباب المجدد سأشكو اعتداء منك لولاه ما درت ... صروف الليالي في الهوى كيف تعتدي فلله قلبي حين أدعو إلى الهوى ... وأعلم حقا أنه غير مهتدي وله «١» : ولما وقفنا للوداع ودوننا ... عيون ترامى بالظنون ضميرها أماطت عن الشمس المنيرة برقعا ... فغيّبنا عن أعين الناس نورها وله: يا مذنبا ويقول إني مذنب ... ما إن سمعت بظالم يتظلّم لك صورة ذلّ الجمال لحسنها ... تقضي بجور في النفوس وتحكم ومن العجائب أنّ طرفك مشعر ... سقما وأنت بسقمه لا تعلم وله: يا طرفها هب لطرفي لذة الوسن ... واستبق ما لا يقلّ الثوب من بدني حاشاك فيّ من الشكوى وان ذهبت ... عيني من الدمع أو قلبي من الحزن ولا أقول ولو أتلفتني أسفا ... يا ليت ما كان من حبيك لم يكن وله: لئن كان طرفي فاز منك بنظرة ... لقد عاد طرفي بالبلاء على قلبي جعلت الهوى ذنبي فان كنت مذنبا ... به فاليك العذر من ذلك الذنبولما رأيت البعد منك مقربي ... تباعدت كي أحظى على البعد بالقرب محمد لا تجمع إلى الهجر غدرة ... فحسبي الذي بي من فراقك يا حسبي وله يمدح المهلبي: أنوار أنت كما دعيت نوار ... لم تقض منك قضاءها الأوطار يا لحظة لحظ الحمام معيدها ... ما كان منك لناظر إنظار وإذا تساقطك الحديث تخاله ... كأسا عليك من العقار تدار إني ذكرتك والغرام مواصل ... نفسا عليك يهيجه التذكار متوقد منه الضمير كأنما ... نيرانه من وجنتيك تعار هو في الجفون إذا مرته زفرة ... ماء يمور وفي الجوانح نار ولربّ ليل من ذراك خماره ... للنجم فيه من الغمام خمار قد قلت حين طلعت فيه ببدره ... أرأيت كيف تشابه الأقمار يا صاحبيّ قفا بنجد عبرة ... حيث الدموع إذا ابتدرن بدار في منزل لبست بما لبس البلى ... منّي المشيب غدائر وعذار ولئن محتك يد الخطوب لما امّحى ... لهوى ديارك في الفؤاد ديار ولربما اهتزت ربوعك بالندى ... وتنفست بنسيمك الأسحار ومنها في المدح: وإذا بدا يوم الكريهة ضاحكا ... فهناك تسكب دمعها الأعمار حتى إذا بصروا بعقد لوائه ... عقدت مهابتها بها الأسرار في شرب هيجاء إذا اصطبحوا القنا ... فالطعن سكر والحمام قمار لهم من البيض الرقاق تحية ... في حوسها ومن الدماء عقار نهضت بعبء الملك منك عزائم ... للدهر بين عثارهن عثار لك هضبة في الملك قحطانية ... طرق الحوادث نحوها أوعار كجبال أندية الوقار إذا احتبوا ... وليوث ملحمة الوغى إن ثارواعجبا لأبناء المهلب إنهم ... لم يعدلوا في المجد حتى جاروا لم يطوهم دهر مضى إلا لهم ... بالجود في آثاره آثار فعطاؤك الرزق المقسّم في الورى ... والدهر أنت وسيفك المقدار وله أيضا في المهلبي: لعينك إذ سار الخليط المغوّر ... على كلّ واد دمعة تتحدّر نعم إن رسما بات تطوي به النوى ... محاسن كانت بالأوانس تنشر أرى وانيا من عبرة كيف لا يني ... وعلّم طرفا راقدا كيف يسهر وقفنا ومن ألحاظنا وقلوبنا ... لنا رائدا شوق مسرّ ومظهر يحلي ربى آرامه ونحورنا ... جفون بسمطيها من الدمع جوهر فمن بين معقود يبين فرنده ... علينا ومحلول عليهنّ ينثر وسرب رمين النجم في أخرياته ... بسافرة من وجهها الشمس تسفر بدت ويمين الصبح يبدو لثامه ... فلم يدر ليل أي صبحيه أنور ومادت فقلنا الغصن جادت به النقا ... بما آد من مجرى الوشاح المؤزّر أعاطل أجياد الأماني من التي ... بها الوفر إمّا استهلك العرض أوفر لئن عدّ فخرا لبسك المجد من أب ... فلبس الفتى من نفسه المجد أفخر وما ينفع الملتاح يورد موردا ... إذا كان ظمآنا عن الورد يصدر آلا بادرا عون التواني بدلجة ... يذلّ لها خدّ من العيس أصعر أما تريان الليل يحدو ظلامه ... بوجه القبيصيّ الصباح المنور فتى يمتري سجلي نداه وبأسه ... لهاذم تدمي أو غمائم تمطر وكالدهر لا يدري الذي هو رائم ... بخطب إذا ما أمّه كيف يحذر ويوم رماه النقع منه بليلة ... كواكبها فيه الأسنّة تزهر طبعن من الأحقاد في كلّ مأزق ... فلا حائن إلّا لها منه مضمر دلفت كأن الموت كان مؤامرا ... سيوفك منه والنفوس تقطّربمجر له في كلّ فجّ طليعة ... وفي كلّ أرض منه ذيل يجرّر سحبت رداء الموت فيه بوقعة ... رداء الفتى فيه من الطعن أقمر وأضحكت منه الجوّ والنقع كاتم ... به الشمس عن شمس بها البيض تشهر بحيث شفوف الأتحميّ مفاضة ... إذا زعزع الخطيّ والتاج مغفر تفرق في تفريقها الهام والتقى ... على قدر فيها الحمام المقدر عزائم يرمين الخطوب كأنما ... يقارع منها عسكر الدهر عسكر وله في المهلبي أيضا: عندي لذا الدهر إعقابي إساءته ... بالصفح إن أعقب الإصرار بالندم أمست منازل من حيّت مصافحة ... أيدي النحول عليها أيدي القدم ولو ملكت لها السقيا وهامدها ... تكفكف المحل عنه أدمع الرحم لقلت للسحّ من أيدي الوزير إذا ... حللت ناحلة الأطلال لا ترم اليعربيّ الذي خلّى الطريق له ... من يأخذ [الناس] رعبا منه باللقم يزاحم الليل ليل من جحافله ... ويقذف الوهدات الجرد بالأكم أطار منهم قذاة في عيونهم ... لو أنها في جفون الدهر لم ينم أبقى له الخوف من أشغال يقظتهم ... ما بات يرسله ليلا إلى الحلم عافت سيوفك في الهيجا لحومهم ... فهن يأكلن منها إكلة البشم وله أيضا فيه: روعة بالفراق قبل الفراق ... شرقت بالدموع منها المآقي جدّ جدّ البكا فأهدين باقي ال ... دمع منها إلى كرى غير باق فاض تندى به الخدود ولو غا ... ض لأمست منه الحشا في احتراق وعذارى تريك من سربها العي ... ن رنوّ الأحداق للأحداق مخطفات لو شئن من هيف الخ ... صر تبدّلن خاتما من نطاقحاليات تبدي المعاصم والسو ... ق وتخفي الأجياد في الأطواق لا تغرّنك غفلة الدهر فالعز ... مة إمضاؤها مع الإطراق قد أرانا ابتسامه الدهر لما ... أطلع الجود شمسه بالعراق بالمصفّى اللباب والأروع الب ... سّام بشرا والفاتق الرتاق ومعير معاندي الملك حدّا ... قاضيا في شقاقهم والنفاق حين حرّ الهوى بحران والبي ... ض لها من غمائم الهام ساق بعد ما زعزع الجزيرة بالخ ... طيّ يكرعن في الدماء الرقاق وأطارت بجوّ سنجار للمو ... ت ظباه نارا بلا إحراق في غمام من العجاج ووبل ... يسم الأرض من حميم العتاق حين والى بها شوازب يفضي ... ن إلى كلّ دارة من طراق كالحات كأنما نفث الصا ... ب العوالي منهنّ في الأشداق وكان ابن البقال يترفع عن الاختلاط بالشعراء ويتكبر عليهم، وكان الرؤساء يكرمونه ويقومون له إذا دخل إليهم، وكان ابن العميد يقدّمه على الناس كلهم ويعظمه، وأحضره المهلبي فأنشده بحضرة المتنبي قصيدة فيه؛ قال فحدثني الإمام الهاشمي قال قال لي المتنبي: ما رأيت ببغداد من يجوز أن يقطع عليه اسم شاعر إلا ابن البقال. قال ابن عبد الرحيم: وحدثني الأستاذ أبو الحسين ابن محفوظ، وقد جرى ذكر ابن البقال، فقال: كان أقل ما فيه الشعر، فغلب عليه وعرف به، وانه كان يضطلع بعلوم كثيرة من جملتها الكلام، وكان قويا فيه مقدّما في المعرفة به، وكان يقول بتكافؤ الأدلة، وهو بئس المذهب.[٨٥٨]