page 1871, entry [842]Open original source
[٨١١] علي بن محمد بن أبي الفهم بن داود بن ابراهيم التنوخي أبو القاسم القاضي، قد تقدم نسبه في ترجمة حفيده علي بن المحسن، قال السمعاني: ولد أبو القاسم هذا بأنطاكية في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائتين وقدم بغداد في حداثته في سنة ست وثلاثمائة وتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث ورواه، وولي القضاء بالأهواز وكورها، وتقلد قضاء ايذج وجند حمص من قبل المطيع لله، ومات بالبصرة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ودفن بالمربد. أعرف من التنوخيين هؤلاء ثلاثة ينبغي أن يذكروا في هذا الكتاب وهم: أبو القاسم هذا وابنه أبو علي المحسن صاحب «كتاب نشوار المحاضرة» و «كتاب الفرج بعد الشدة» وحفيده أبو القاسم علي الأخير شيخ الخطيب وتلك الطبقة، وقد ذكرت كلّ واحد منهم. وله تصانيف في الأدب منها: كتاب في العروض، قال الخالع: ما عمل في العروض أجود منه. وكتاب في علم القوافي، وكان بصيرا بعلم النجوم قرأه على البتّاني المنجم صاحب الزيج، ويقال إنه كان يقوم بعشرة علوم، وتقلّد القضاء بالأهواز وكورة واسط وأعمالها والكوفة وسقي الفرات وجند حمص وعدة نواح من الثغور الشامية وأرجان وكورة سابور مجتمعا ومفترقا، وأول ولايته القضاء رئاسة في أيام المقتدر بالله بعهد كتبه له أبو علي ابن مقلة الوزير وشهد الشهود عنده فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة في سنة أربعين وثلاثمائة وشهدوا على إنفاذه، وكان المطيع لله قد عوّل على صرف أبي السائب عن قضاء القضاة وتقليده إياه، فأفسد ذلك بعض أعدائه، وكان ابن مقلة قلده المظالم بالأهواز والإشراف على العيار بها، وكانأبو عبد الله البريدي قد استخلفه بواسط على بعض أمور النظر. ولم يزل نبيها متقدما يمدحه الشعراء ويجيزهم ويفضل على من قصده إفضالا أثر في حاله، وتوفي بالبصرة في سنة اثنتين وأربعين، وصلّى عليه الوزير أبو محمد المهلبي، وقضى ما كان عليه من الدين وهو خمسون ألف درهم. قال أبو علي التنوخي «١» : كان أبي يحفظ للطائيين سبعمائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظه لغيرهم من المحدثين والمخضرمين «٢» والجاهليين ولقد رأيت له دفترا بخطه هو عندي يحتوي على رؤوس ما يحفظه من القصائد مائتين «٣» وثلاثين ورقة أثمان منصوري لطاف، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا عظيما مع ذلك، وكان الفقه والفرائض والشروط والمحاضر والسجلات رأس ماله، وكان يحفظ منه ما قد اشتهر به من الكلام والمنطق والهندسة، وكان في النجوم وحفظ الأحكام وعلى الهيئة قدوة وفي حفظ علم العروض، وله فيه وفي الفقه وغيرهما عدة كتب مصنفة، وكان مع ذلك يحفظ ويجيب في فوق «٤» عشرين ألف حديث، وما رأيت أحدا أحفظ منه، ولولا أن حفظه افترق في جميع هذه العلوم لكان أمرا هائلا. قال أبو منصور الثعالبي «٥» : هو من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأته في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، او اقترحت فإني مدرعة راهب، أو آثرت فإني تحية شارب. وكان يتقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة زائرا ومادحا فأكرم مثواه وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله وزيد في رزقه ورتبته، وكان المهلبي الوزير وغيره من رؤساءالعراق يميلون إليه جدا ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء ونارنج «١» الظرفاء ويعاشرون منه من تطيب عشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره، ناظما حاشيتي البرّ والبحر وناحيتي الشرق والغرب. وبلغني أنه كان له غلام يسمى نسيما في نهاية الملاحة واللباقة، وكان يؤثره على سائر غلمانه ويختصه بتقريبه واستخدامه، فكتب إليه بعض من يأنس به: هل عليّ لامه مدغمة ... لاضطرار الشعر في ميم نسيم فوقع تحته: نعم ولم لا. قال «٢» : ويحكى أنه كان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي الايذجي «٣» وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووضع في يد كلّ منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوءا شرابا قطر بليا وعكبريا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثم يرشّ بها بعضهم على بعض، ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق البرم، ويقولون كلما نكبر شر هرهر «٤» ، وإياهم عنى السريّ بقوله: مجالس ترقص القضاة بها ... إذا انتشوا في مخانق البرم وصاحب يخلط المجون لنا ... بشيمة حلوة من الشيم تخضب بالراح شيبه عبثا ... أنامل مثل حمرة العنم حتى تخال العيون شيبته ... شيبة عثمان ضرّجت بدم فإذا أصبحوا عادوا إلى عاداتهم في التزمت والتوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمةالمشايخ الكبراء. ومن شعر التنوخي هذا «١» : وجاء لا جاء الدجى كأنه ... من طلعة الواشي ووجه المرتقب وفعل الظلام بالضياء ما ... يفعله الحرف بأبناء الأدب وله «٢» : وليلة مشتاق كأنّ نجومها ... قد اغتصبت عيني الكرى فهي نوّم كأن عيون الساهرين لطولها ... إذا شخصت للأنجم الزهر أنجم كأن سواد الليل والفجر ضاحك ... يلوح ويخفى أسود يتبسم وله «٣» : عهدي بها وضياء الصبح يطفئها ... كالسّرج تطفأ أو كالأعين العور أعجب به حين وافى وهي نيّرة ... وظلّ يطمس منها النور بالنور وله «٤» : لم أنس دجلة والدجى متصوّب ... والبدر في أفق السماء مغرّب فكأنها فيه بساط أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب وله «٥» : كتبت وليلي بالسّهاد نهار ... وصدري لورّاد الهموم صدار ولي أدمع غزر تفيض كأنها ... سحائب فاضت من يديك غزار ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى ... تلهّب منه في المدامع نار رحلت وزادي لوعة ومطيتي ... جوانح من حرّ الفراق حرارمسير دعاه الناس سيرا توسعا ... ومعنى اسمه إن حققوه إسار إذا رمت أن أنسى الأسى ذكّرت به ... ديار لها بين الضلوع ديار لك الخير عن غير اختياري ترحّلي ... وهل بي على صرف الزمان خيار وهذا كتابي والجفون كأنما ... تحكّم في أشفارهنّ شفار وله: فحم كيوم الفراق يشعله ... نار كنار الفراق في الكبد أسود قد صار تحت حمرتها ... مثل العيون اكتحلن بالرمد وله في محبوب جسيم «١» : من أين أستر وجدي وهو منهتك ... ما للمتيم في فتك الهوى درك قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهم ... الشمس أعظم جسم حازه الفلك وله «٢» : رضاك شباب لا يليه مشيب ... وسخطك داء ليس منه طبيب كأنك من كلّ القلوب مركّب ... فأنت إلى كلّ القلوب حبيب قال ومما أنشدته له ولم أجده في ديوانه «٣» : قلت لأصحابي وقد مرّ بي ... منتقبا بعد الضيا بالظّلم بالله يا أهل ودادي قفوا ... كي تبصروا كيف زوال النعم وحدّث السلاميّ قال، حدثني اللحام قال: خرج أبو أحمد ابن ورقاء الشيباني في بعض الأسفار فكتب إليه أبو القاسم التنوخي الانطاكي يتشوق إليه ويجزع على فراقه «٤» : تسير وقلبي في ذراك أسير ... وحادي ركابي لوعة وزفير ولي أدمع غزر تفيض كأنها ... جدى فاض في العافين منك غزيروطرف طريف بالسهاد كأنه ... نداك وجيش الجود فيه يغير أبا أحمد إنّ المكارم منهل ... لكم أول من ورده وأخير سماح كمزن الجود فيه تسجّم ... وغاب لأسد الموت فيه زئير شباب بني شيبان شيب إذا انتدوا ... وقلّهم يوم اللقاء كثير وجوه كأكباد المحبين رقة ... على أنها يوم اللقاء صخور وحدّث أبو سعد السمعاني ومن خطه نقلت باسناد رفعه إلى منصور الخالدي قال: كنت ليلة عند القاضي التنوخي في ضيافته فأغفى اغفاءة فخرجت منه ريح، فضحك بعض القوم، فانتبه لضحكه وقال: لعل ريحا، فسكتنا فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول: إذا نامت العينان من متيقظ ... تراخت بلا شك تشاريج «١» فقحته فمن كان ذا عقل فيعذر نائما ... ومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته ومن خطّ السمعاني باسناده له وهي من مشهور شعره: لم أنس شمس الضحى تطالعني ... ونحن من رقبة على فرق وجفن عيني بدمعه شرق ... لمّا بدت في معصفر شرق كأنه أدمعي ووجنتها ... لما رمتنا الوشاة بالحدق ثم تغطّت بكمّها خجلا ... كالشمس غابت في حمرة الشفق وله: تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا ... فمبلغ آراء الرجال رسولها وردّ وفكّر في الكتاب فإنما ... بأطراف أقلام الرجال عقولها وحدّث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي «٢» : جرى في مجلس أبي ﵀ يوما ذكر رجل كان صغيرا فارتفع، فقال بعض الحاضرين: من ذاكالوضيع؟ أمس كنا نراه بمرقّعة يشحذ، فقال أبي: وما يضعه من أن الزمان عضه ثم ساعده؟! كل كبير إنما كان صغيرا أولا، والفقر ليس بعار إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصة لا يعيبهم ذلك، وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع أو فقيرا فاستغنى أفضل ممن ولد في الغنى أو في الجلالة، لأن من ولد في ذلك إنما يحمل «١» على غيره فلا حمد له هو خاصة فيه، ومن لم يكن له فكان فكأنما بكدّه «٢» وصل إلى ذلك، فهو أفضل ممن وصل إليه ميراثا أو بجد غيره وكدّ سواه. حدّث أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد بن داود التنوخي، حدثني أبي قال «٣» : سمعت أبي ﵀ يوما ينشد، وسني إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض قصيدة دعبل بن علي الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ويعدد مناقبهم ويرد على الكميت فيها فخره بنزار، وأولها: أفيقي من ملامك يا ظعينا ... كفاك اللوم مرّ الأربعينا وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن لأنهم أهلي، فقلت: يا سيدي تخرجها إليّ حتى أحفظها، فدافعني فألححت عليه فقال: كأني بك تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت ثم ترمي بالكتاب وتخلقه عليّ، فقلت: ادفعها إليّ، فأخرجها وسلّمها إليّ، وقد كان كلامه أثر فيّ، فدخلت حجرة لي كانت برسمي من دار أبي «٤» فخلوت فيها ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها، فلما كان السّحر كنت قد فرغت منها من جميعها وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة على رسمي فجلست بين يديه فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟ فقلت قد حفظتها بأسرها، فغضب وقدّر أني قد كذبته وقال: هاتها فأخرجت الدفتر من كمي فأخذه وفتحه ونظر فيه وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت، فصفح منها عدة أوراق وقال: أنشد من هاهنا، فأنشدت مقدار مائة بيت آخر، فصفح إلى أن قارب آخرهابمائة بيت وقال: أنشدني من هاهنا، فأنشدته من مائة بيت فيها إلى آخرها، فهاله ما رأى من حسن حفظي، فضمني إليه وقبّل رأسي وعيني وقال: بالله يا ابني لا تخبر بهذا أحدا فإني أخاف عليك من العين. قال أبو علي قال لي أبي «١» : حفظني أبي وحفظت بعده من شعر أبي تمام والبحتري سوى ما كنت أحفظ لغيرهما من المحدثين من الشعراء مائتي قصيدة، قال: وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون من حفظ للطائيين أربعين قصيدة ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان، فقلت الشعر، وبدأت بمقصورتي التي أولها: لولا التناهي لم أطع نهي النهى ... أيّ مدى يطلب من جاز المدى قال أبو علي المحسن: وحدت في كتب أبي كتابا من أبي محمد المهلبي إليه قبل تقلده الوزارة بسنين أوله: كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي عن سلامة لا زالت له إلفا وعليه وقفا: وحمد لمولى أستمدّ بحمده ... له الرتبة العلياء والعزّ دائما وأن يسخط الأيام بالجمع بيننا ... وترضى المنى حتى يرينيك سالما وصل كتابه أدام الله عزّه فقمت معظما له وقعدت مشتملا على السرور به: وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور مثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور بنظام لفظ كالثغو ... ر وكاللآلىء في النحور أنزلته في القلب من ... زلة القلوب من الصدور قال أبو علي في «النشوار» «٢» حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت قال: كتب إليّ القاضي التنوخي جواب كتاب كتبته إليه: وصل كتابك: فما شككت وقد جاء البشير به ... أنّ الشباب أتاني بعد ما ذهباوقلت نفسي تفدي نفس مرسله ... من كلّ سوء ومن أملى ومن كتبا وكاد قلبي وقد قلّبته قرما ... إلى قراءته أن يخرق الحجبا قال: والشعر له وأنشدنيه بعد ذلك لنفسه. قال أبو علي: ولست أعرف له ذلك ولا وجدته في كتبه منسوبا إليه، ويجوز أن يكون مما قاله ولم يثبته أو ضاع فيما ضاع من شعره فإنه أكثر مما حفظ. ومن شعر أبي القاسم علي بن محمد التنوخي الأكبر: يجود فيستحيي الحيا عند جوده ... ويخرس صرف الدهر حين يقول عطايا تباري الريح وهي عواصف ... ويخجل منها المزن وهو هطول أقام له سوقا بضائعها الندى ... سماح لأرسل السماح رسيل له نسب لو كان للشمس ضوؤه ... لما غالها بعد الطلوع أفول وله: يا واحد الناس لا مستثنيا أحدا ... إذ كان دون الورى بالمجد منفردا أما ترى الروض قد لاقاك مبتسما ... ومدّ نحو الندامى للسلام يدا فأخضر ناضر في أبيض يقق ... وأصفر فاقع في أحمر نضدا مثل الرقيب بدا للعاشقين ضحى ... فاحمرّ ذا خجلا واصفرّ ذا كمدا وله: الق العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات الصبر خير وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات وله في الناعورة: باتت تئنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من وجد إلى نجد فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أقرحت خديوله: فديت عينيك وإن كانتا ... لم تبقيا من جسدي شيا إلا خيالا لو تأملته ... في الشمس لم تبصر له فيا وكان عبد الله بن المعتز قد قال قصيدة يفتخر فيها ببني العباس على بني أبي طالب أولها: أبى الله إلا ما ترون فما لكم ... غضابى علم الأقدار يا آل طالب فأجابه أبو القاسم التنوخي بقصيدة نحلها بعض العلويين وهي مثبتة في ديوانه أولها: من ابن رسول الله وابن وصيّه ... إلى مدغل في عقدة الدين ناصب نشا بين طنبور وزقّ ومزهر ... وفي حجر شاد أو على صدر ضارب ومن ظهر سكران إلى بطن قينة ... على شبه في ملكها وشوائب يقول فيها: وقلت بنو حرب كسوكم عمائما ... من الضرب في الهامات حمر الذوائب صدقت منايانا السيوف وإنما ... تموتون فوق الفرش موت الكواعب ونحن الألى لا يسرح الذمّ بيننا ... ولا تدّري أعراضنا بالمعايب إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهم ... وإن ركبوا كانوا بدور الركائب وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردى ... وإن ضحكوا بكّوا عيون النوائب وما للغواني والوغى فتعوذوا ... بقرع المثاني من قراع الكتائب ويوم حنين قلت حزنا فخاره ... ولو كان يدري عدّها في المثالب أبوه مناد والوصيّ مضارب ... فقل في مناد صيّت ومضارب وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه ... فأبعد بمحجوب بحاجب حاجب وقلتم نهضنا ثائرين شعارنا ... بثارات زيد الخير عند التحارب فهلّا بابراهيم كان شعاركم ... فترجع دعواكم تحلّة خائبوله في سيف الدولة «١» رحمه الله تعالى: لله أيام مضين قطعتها ... وطوالها بالغانيات قصار حين الصبا لدن المهزّ قضيبه ... غضّ وأنواء السرور غزار أجلو النهار على النهار وأنثني ... والشمس لي دون الشعار شعار حتى إذا ما الليل أقبل ضمّنا ... دون الإزار من العناق إزار فعلى النحور من النحور قلائد ... وعلى الخدود من الخدود خمار وبدت نجوم الليل من خلل الدجى ... تذكو كما يتفتّح النوار أقبلن والمريخ في أوساطها ... مثل الدراهم وسطها دينار والجوّ تجلوه النجوم على الدجى ... في قمص وشي ما لها أزرار وكأنما الجوزا وشاح خريدة ... والنجم تاج والوشاح خمار منها في المدح: ملك تناجيه القلوب بما جنت ... وتخافه الأوهام والأفكار فيد مؤيدة وقلب قلّب ... وشبا يشبّ وخاطر خطّار حين العيون شواخص وكأنها ... للخوف لم تخلق لها أبصار كلّ الورى أرض وأنت سماؤها ... وجميعهم ليل وأنت نهار وله: ما منهم إلا امرؤ غمر الندى ... سمح اليدين مؤمّل مرهوب يغريه بالخلق الرفيع وبالندى ... والمكرمات العذل والتأنيب فله رقيب من نداه على الورى ... وعليه من كرم الطباع رقيب وله: وقفنا نجيل الرأي في ساكني الغضا ... وجمر الغضا بين الضلوع يجول نشيم بأرض الشام برقا كأنه ... عقود نضار ما لهنّ فصولوله: أما في جنايات النواظر ناظر ... ولا منصف إن جار منهنّ جائر بنفسي من لم يبد قطّ لعاذل ... فيرجع إلا وهو لي فيه عاذر ولا لحظت عيناه ناه عن الهوى ... فأصبح إلا وهو بالحبّ آمر يؤثّر فيه ناظر الفكر بالمنى ... وتجرحه باللمس منها الضمائر حدث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي في «نشواره» «١» قصة لأبي معشر قد ذكرتها في «مجموع الاختطاف» عجيبة، ثم قال: وهذا بعيد جدا دقيق، ولكن فيما شاهدناه من صحة بعض أحكام النجوم كفاية، هذا أبي حوّل مولد نفسه في السنة التي مات فيها وقال لنا: هذه سنة قطع على مذهب المنجمين، وكتب بذلك إلى بغداد إلى أبي الحسن ابن البهلول القاضي صهره ينعى نفسه ويوصيه، فلما اعتلّ أدنى علة وقبل أن تستحكم علته أخرج التحويل ونظر فيه طويلا وأنا حاضر فبكى، ثم أطبقه واستدعى كاتبه وأملى عليه وصيته التي مات عنها وأشهد فيها من يومه، فجاء أبو القاسم غلام زحل المنجم «٢» فأخذ يطيّب نفسه ويورد عليه شكوكا، فقال له يا أبا القاسم: لست ممن يخفى عليه فأنسبك إلى غلط، ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فوافقه على الموضع الذي خافه وأنا حاضر، فقال له: دعني من هذا، بيننا شكّ في أنه إذا كان يوم الثلاثاء العصر لسبع بقين من الشهر فهو ساعة قطع عندهم، فأمسك أبو القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي وبكى طويلا وقال: يا غلام طستا، فجاؤوه به فغسل التحويل وقطعه، وودع أبا القاسم توديع مفارق، فلما كان في ذلك اليوم العصر [بعينه] مات كما قال. قال المحسن وحدثني أبي قال «٣» : لما كنت أتقلّد القضاء بالكرخ «٤» كان بوّابيبها رجل من أهل الكرخ وله ابن عمره حينئذ عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن ويمزح مع غلماني وأهب له في الأوقات الدراهم والثياب كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم، ثم خرجت عن الكرخ ورحلت عنها ولم أعرف للبوّاب ولا لابنه خبرا، ومضت السنون، وأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط برسالة إلى ابن رائق فلقيته بدير العاقول، ثم انحدرت أريد واسطا فقيل لي إن في الطريق لصا يعرف بالكرخي مستفحل الأمر، وكنت خرجت بطالع اخترته على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، فلما عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك في نحو مائة رجل، وهم كالعسكر العظيم، وكان معي غلمان يرمون بالنشاب، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة مائتي مقرعة «١» ، وذلك أنني خفت أن يقتل أحد منهم فلا يرضون إلا بقتلي، وبادرت فرميت بجميع ما كان معي ومع الغلمان من السلاح في دجلة واستسلمت طلبا لسلامة النفس، وجلست أفكر في الطالع الذي خرّجت «٢» ، فإذا ليس مثله مما يوجب عندهم قطعا، والناس قد أدبروا إلى الشطّ وأنا في جملتهم، وجعلوا يفرغون السفن وينقلون جميع ما فيها من الأمتعة إلى الشاطىء وهم يضربون ويقطعون بالسيوف، فلما انتهى الأمر إليّ جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك وأرى الطالع لا يوجبه، فبينا أنا كذلك وإذا بسفينة رئيسهم قد دنت مني وطرح عليّ كما صنع في سائر السفن ليشرف على ما يؤخذ، فحين رآني زجر أصحابه عنّي ومنعهم من أخذ شيء من سفينتي، وصعد بمفرده إليّ وجعل يتأملني، ثم أكبّ على يديّ يقبّلهما وهو متلثم، فارتعت وقلت: يا هذا ما شأنك؟ فأسفر لثامه وقال: أما تعرفني يا سيدي؟ فتأملته فلجزعي لم أعرفه فقلت: لا والله، فقال: بلى أنا عبدك ابن فلان الكرخي بوّابك هناك، وأنا الصبيّ الذي تربيت في دارك، قال: فتأملته فعرفته إلا أن اللحية قد غيرته في عيني، فسكن روعي قليلا وقلت: يا هذا كيف بلغت إلى هذه الحال؟ فقال: يا سيدي نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان فما قبلني أحد، وانضاف إليّ هؤلاءالرجال فطلبت قطع الطريق، ولو كان أنصفني السلطان وأنزلني بحيث أستحقّ من الشجاعة وانتفع بخدمتي ما فعلت بنفسي هذا، قال: فأقبلت أعظه وأخوّفه الله ثم خشيت أن يشقّ ذلك عليه فيفسد رعايته لي فأقصرت، فقال لي: يا سيدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا، فقلت: لا ما ذهب مني إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة، فضحك وقال: قد والله أصاب القاضي فمن في الكار «١» ممن تعتني به؟ فقلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغمّ بهم فلو أفرجت عن الجميع فقال: والله لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوه لفعلت ذلك، ولكنهم لا يطيعونني إلى رده، ولكن أمنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ بعد، فجزّيته الخير، فصعد إلى الشاطىء وأصعد جميع أصحابه ومنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ وردّ على قوم أشياء كثيرة كانت أخذت منهم وأطلق الناس، وسار معي إلي حيث أمن عليّ وودعني وانصرف راجعا. حدث أبو القاسم قال، حدثني أبي قال: كان أول شيء قلدته القضاء بعسكر مكرم وتستر وجنديسابور وأعمال ذلك من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، وكنت في السنة الثانية والثلاثين من عمري وذلك في شهور سنة عشر وثلاثمائة. ومن مشهور شعره ما نقلته من ديوان شعره: وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار هواء ولكنه ساكن «٢» ... وماء ولكنه غير جاري إذا ما تأملته وهو فيه ... تأملت ماء محيطا بنار فهذي النهاية في الإبيضاض ... وهذي النهاية في الإحمرار وما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط التنافي وفرط النفار ولكن تجاور سطحاهما ال ... بسيطان فاتفقا بالجوار كأنّ المدير لها باليمين ... إذا مال للسقي أو باليسارتدرّع ثوبا من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار قلت: وقد تنوزعت هذه الأبيات ورويت لغيره فقيل إنها لأبي النضر الأنطاكي النحوي وغيره.