page 1208, entry [446]Open original source
حمدان بن عبد الرحيم، أبو الفوارس الأثاربي: من قرية من أعمال حلب تدعى معراثا الأثارب. وكانت ملكه، ومن أولاده انتقلت إلى ملاكها الآن. أحد الأدباء الشعراء الخلعاء الأطباء الكتاب، كان دائبا في طلب العلم يحضر مجالس العلماء وأهل الأدب ويصحب من لقيه منهم ويلازمه. ولي للسلطان نور الدين أعمالا منها معرة النعمان. ودخل بغداد، وقال فيها: إن بغداد لمن أبصرها ... ورآها طرفة بين البلاد فتأمّلها تراها عجبا ... نعم بيض على قوم سواد توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة [١] . حدث حمدان بن عبد الرحيم ابن أخي هذا حمدان المذكور قال: جلس يوما عمي حمدان وجماعة من وجوه المعرة، منهم الرئيس نعمان، رئيس المعرة، وكان خال المحدّث حمدان، على مجلس أنس بمعرة النعمان، ومعهم مغنّية تسمى«ست النظر» ثم افترقوا بعد هزيع من الليل، فقام عمي حمدان إلى فراش قد هيّأه له الرئيس أبو الفتح ابن أبي حصينة في قبة له، وانتبه في أثناء الليل وأراد الخروج من القبة، فسقط من أعلاها إلى ناحية الدار، فعلم به الرئيس نعمان فجاءه في طائفة من أصحابه، وحملوه إلى فراشه. وأمر نعمان أصحابه ألا يخبره أحد بما جرى، ونام ساعة وهم حوله، ثم دعوا المغنية، فجلست عند رأسه تغني فانتبه من نومه، وجلس واستطاب وقته، فسألوه أن ينظم في ذلك شعرا، فعمل للوقت: أيا صاح قد صاح ديك الصباح ... وهبّت تغنيك ستّ النّظر بلفظ هو السحر سحر الحلال ... ووجه حوى الحسن مثل القمر وتشدوك قم وتنبّه لها ... وباكر صبوحك قبل البكر أفق كم تنام وهات المدام ... ورقرق لنا الجام وقّيت شر أما تنظر الفجر خلف الظلام ... محثا وأعلامه قد نشر وقد سامحتك صروف الزمان ... وكفّت أكفّ القضا والقدر فما العذر في ترك شرب الشّمول ... ونهب الأباريق كرا وفر فشرب الشمول بخفق الطبول ... ونفخ الزماري وقرع الوتر فما رونق الدهر باق عليك ... فخذ ما صفا واجتنب ما كدر قال: فبقي مدة لا يعلم ما جرى إلى أن قلت له يوما: ما تقول في من سقط من هذا المكان؟ وأشرت إلى (المكان) الذي سقط منه إلى أسفل فقال: ما يجمع الله به شملا. فقلت له: أتذكر ليلة «أيا صاح قد صاح ديك الصباح» ؟ فقال: وما جرى؟ فقصصت عليه القصة. فقال: لهذا تؤلمني أعضائي. ثم وقع مريضا لوقته وبقي مطروحا على الفراش شهرين. واتفق له الخروج إلى معراثا الأثارب، وكانت حينئذ بيد الإفرنج، فمرض صاحب الاثارب منويل، وهو ابن أخت صاحب أنطاكية، فدخل إليه حمدان فعالجه إلى أن عوفي، فمنّاه فطلب منه قرية فأعطاه معربونية فسكن بها مدة ثلاثين سنة، فسيّر إليه أبو الحسن ابن أبي جرادة من يعتبه على مقامه بين الفرنج، وسوء اختياره في المكوث بينهم، فكتب إليه:وقائل عائب لي إذ رأى شغفي ... بقرية ليس سكناها من الشرف ماذا دعاك إلى هذا؟ فقلت له ... صروف دهر وصرف الدهر غير خفي بخل الوفيّ وإعراض الرضي وتق ... صير الصفي وظلم المشرف الجنف فإن أقمت بها فالمسك موطنه ... في جلدة ومقرّ الدرّ في الصّدف ومن شعره [١] : لا جلق رقن لي معالمها ... ولا اطّبتني أنهار بطنان ولا ازدهتني بمنبج فرص ... راقت لغيري من آل حمدان لكن زماني بالجزر ذكرني ... طيب زماني وفيه أبكاني [٢] يا حبذا الجزر كم نعمت به ... بين جنان ذوات أفنان واجتاز [٣] بحمدان في بعض السنين الأمير مهند الدولة بن الحنشي [٤] فأنزله بداره في الأثارب وأقام عنده أشهرا، فلما وافى هلال رمضان قال الأمير: لله من قمر رآني معرضا ... عنه وإعراضي حذار وشاته طلع الهلال فقلت أعمل حيلة ... في قبلة تجني جنى وجناته فمضى وقال تصدّ عن قمر الهوى ... لترى الهلال رقى إلى درجاته فأنا وحقّ هواك أبعد مرتقى ... منه وتأثيري كتأثيراته أنا كامل أبدا وذلك ناقص ... فاجهد بوصفي ممعنا [٥] وصفاته- ٤٣٠-