page 941, entry [354]Open original source
الحسن بن علي بن إبراهيم بن الزبير ، أبو محمد المصري، أخو الرشيد أحمد بن علي- وقد تقدم ذكره «١» -: وكان من أهل أسوان من غسان، وكان الحسن هذايلقب بالقاضي المهذب، مات في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر، وكان كاتبا مليح الخطّ، فصيحا جيد العبارة، وكان أشعر من أخيه الرشيد، وكان قد اختص بالصالح ابن رزيك وزير المصريين، وقيل إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو عمل المهذب ابن الزبير، وحصل له من الصالح مال جمّ، ولم ينفق عنده أحد مثله. وكان القاضي عبد العزيز بن الجباب «١» المعروف بالجليس هو الذي قرّظه عند الصالح حتى قدمه، فلما مات الجليس شمت به ابن الزبير، ولبس في جنازته ثيابا مذهبة، فنقص عند الناس بهذا السبب واستقبحوا فعله، ولم يعش بعد الجليس إلا شهرا واحدا. وصنف المهذب «كتاب الأنساب» وهو كتاب كبير أكثر من عشرين مجلّدا، كل مجلد عشرون كراسا، رأيت بعضه فوجدته مع تحقّقي هذا العلم وبحثي عن كتبه غاية في معناه لا مزيد عليه يدلّ على جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه، إلا أنه حذا فيه حذو أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وأوجز في بعض أخباره عن البلاذري، إلا أنه إذا ذكر رجلا ممن يقتضي الكتاب ذكره لا يتركه حتى يعرّفه بجهده مع إيراد شيء من شعره وخبره. وكان المهذب قد مضى إلى بلاد اليمن في رسالة من بعض ملوك مصر، واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب، وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد حتى صحّ له تأليف هذا الكتاب. وكان أخوه الرشيد لما مضى إلى اليمن وادّعى الخلافة- كما ذكرناه في ترجمته- نمي خبره إلى المعروف بالداعي، فقبض عليه قبضا لا نعلم كيفيته وهمّ بقتله، فكتب المهذّب هذا إلى الداعي بقصيدته المشهورة يمدحه ويستعطفه حتى أطلقه، والقصيدة «٢» : يا ربع أين ترى الأحبّة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموانزلوا من العين» السواد وإن نأوا «٢» ... ومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهم ... وجد على مرّ الزمان مخيم رحلوا وقد لاح الصباح وإنما ... تسري إذا جنّ الظلام الأنجم وتعوّضت بالأنس روحي وحشة ... لا أوحش الله المنازل منهم لولا هم ما قمت بين ديارهم ... حيران أستاف التراب «٣» وألثم أمنازل الأحباب أين هم و ... أين الصبر من بعد التفرّق عنهم يا ساكني البلد الحرام وإنما ... في الصدر مع شحط المزار سكنتم يا ليتني في النازلين عشية ... بمنى وقد جمع الرفاق الموسم فأفوز إن غفل الرقيب بنظرة ... منكم إذا لبّى الحجيج «٤» وأحرموا إني لأذكركم إذا ما أشرقت ... شمس الضحى من نحوكم فأسلّم لا تبعثوا لي في النسيم تحية ... إني أغار من النسيم عليكم إني امرؤ قد بعت حظي راضيا ... من هذه الدنيا بحظّي منكم فسلوت إلا عنكم وقنعت ... الا منكم وزهدت إلا فيكم ورأيت كلّ العالمين بمقلة ... لو ينظر الحساد ما نظرت عموا ما كان بعد أخي الذي فارقته ... ليبوح إلا بالشكاية لي فم هو ذاك لم يملك علاه مالك ... كلا ولا وجدي عليه متمم «٥» أقوت مغانيه وعطّل ربعه ... ولربما هجر العرين الضيغم ورمت به الأهوال همة ماجد ... كالسيف يمضي غربه ويصمّم يا راحلا بالمجد عنّا والعلا ... أترى يكون لكم إلينا مقدميفديك قوم كنت واسط عقدهم ... ما إن لهم مذ غبت شمل ينظم لك في رقابهم وإن هم أنكروا ... منن كأطواق الحمام وأنعم جهلوا فظنّوا أنّ بعدك مغنم ... لما رحلت وإنما هو مغرم فلقد أقرّ العين أن عداك قد ... هلكوا ببغيهم وأنت مسلّم لم يعصم الله ابن معصوم من ... الآفات واخترم اللعين الأخرم «١» واعتضت بعدهم بأكرم معشر ... بدأوا لك الفعل الجميل وتمّموا فلعمر مجدك إن كرمت عليهم ... إن الكريم على الكرام مكرم أقيال بأس خير من حملوا القنا ... وملوك قحطان الذين هم هم متواضعون ولو ترى ناديهم ... ما اسطعت من إجلالهم تتكلم وكفاهم شرفا ومجدا باذخا «٢» ... أن أصبح الداعي المتوّج منهم هو بدر تمّ في سماء علاهم ... وبنو أبيه بنو زريع «٣» أنجم ملك حماه جنّة لعفاته ... لكنّه للحاسدين جهنم أثني عليك بما مننت وأين من ... أوصاف مجدك يا مليكا أعظم فاغفر لي التقصير فيه وعدّه ... مع ما تجود به عليّ وتنعم مع أنني سيرت فيك شواردا ... كالدرّ بل أبهى لدى من يفهم تغدو وهوج الذاريات رواكد ... وتبيت تسري والكواكب نوّم وإذا المآثر عدّدت في مشهد ... فبذكرها يبدا المقال ويختم وإذا تلا الراوون محكم آيها «٤» ... صلّى عليك السامعون وسلّموا وكفى برأي إمام عصرك ناقضا ... ما أحكم الأعداء فيك وأبرمواوأنشدني أبو طاهر إسماعيل بن عبد الرحمن الأنصاري المصري بمصر في سنة اثنتي عشرة وستمائة قال: أنشدني أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير مطلع قصيدة: أعلمت حين تجاور الحيّان ... أنّ القلوب مواقد النيران وعلمت أن صدورنا قد أصبحت ... في القوم وهي مرابض الغزلان وعيوننا عوض العيون أمدّها ... ما غادروا فيها من الغدران ما الوجد هزّ قناتهم بل هزّها ... قلبي لما فيه من الخفقان وتراه يكره أن يرى أظعانهم ... فكأنّما أصبحت في الاظعان وكان لما جرى لأخيه الرشيد ما جرى من اتّصاله بالملك صلاح الدين يوسف بن أيوب عند كونه محاصرا بالاسكندرية- كما ذكرناه في بابه- قبض شاور على المهذب وحبسه، فكتب إلى شاور شعرا كثيرا ليستعطفه فلم ينجع، حتى التجأ إلى ولده الكامل أبي الفوارس شجاع بن شاور ومدحه بأشعار كثيرة، وهو في الحبس، حتى قام بأمره واستخرجه من حبسه، وضمّه إليه واصطنعه، فمن ذلك قوله من قصيدة: يا صاحبي سجن الخزانة خلّيا ... نسيم الصبا ترسل إلى كبدي نفحا وقولا لضوء الصبح هل أنت عائد ... إلى ناظري أم لا أرى بعدها صبحا ولا تيأسا من رحمة الله أن أرى ... سريعا «١» بفضل الكامل العفو والصفحا فإن تحبساني في النجوم تجبّرا ... فلن تحبسا مني له الشكر والمدحا وكتب إليه: وما كنت أخشى قبل سجنكما على ... دموعي أن يقطرن خوف المقاطر وما لي من أشكو إليه أذاكما ... سوى ملك الدنيا شجاع بن شاور ومما قاله فيه، وهو لعمري من رائق الشعر وجيّده: إذا أحرقت في القلب موضع سكناها ... فمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها وإن نزفت ماء العيون بهجرها «٢» ... فمن أيّ عين تأمل العيس سقياهاوما الدمع يوم البين إلّا لآلىء ... على الرسم في رسم الديار نثرناها وما أطلع الزهر الربيع وإنما ... رأى الدمع أجياد الغصون فحلّاها ولمّا أبان البين سرّ صدورنا ... وأمكن فيها الأعين النّجل مرماها عددنا دموع العين لما تحدرت ... دروعا من الصبر الجميل نزعناها ولما وقفنا للوداع وترجمت ... لعينيّ عمّا في الضمائر عيناها بدت صورة في هيكل فلو آننا ... ندين بأديان النصارى عبدناها وما طربا صغنا القريض وإنما ... جلا اليوم مرآة القرائح مرآها وليلة بتنا: في ظلام شبيبتي ... سراي، وفي ليل الذوائب مسراها تأرّج أرواح الصّبا كلما سرى ... بأنفاس ريا آخر الليل رياها ومهما أدرنا الكأس باتت جفونها ... من الراح تسقينا الذي قد سقيناها [ومنها] : ولو لم يجد يوم الندى في يمينه ... لسائله غير الشبيبة أعطاها فيا ملك الدنيا وسائس أهلها ... سياسة من قاس «١» الأمور وقاساها ومن كلّف الأيام ضدّ طباعها ... وعاين أهوال الخطوب فعاناها عسى نظرة تجلو بقلبي وناظري «٢» ... صداه فإني دائما أتصداها وحدثني الشريف أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الادريسي أن السبب في حبسه كان أنه كاتب شيركوه الملقب بأسد الدين، وهو نازل على بلبيس بعساكره في محاربة شاور، فلما رحل أسد الدين عن بلبيس وجدت الكتب في منزله، فحملت إلى شاور فحبسه وهمّ بصلبه لو لم يستنقذه ابنه الكامل. وأنشدني المصريون للمهذب في رفّاء: بليت برفّاء «٣» لواحظ طرفه ... بنا فعلت ما ليس يفعله النّصليجور على العشّاق والعدل دأبه ... ويقطعني ظلما وصنعته الوصل ومن شعره أيضا «١» : ولئن ترقرق دمعه يوم النوى ... في الطرف منه وما تناثر عقده فالسيف أقطع ما يكون إذا غدا ... متحيّرا في صفحتيه فرنده ومنه أيضا «٢» : لقد طال هذا الليل بعد فراقه ... وعهدي به قبل الفراق قصير فكيف أرجّي الصبح بعدهم وقد ... تولّت شموس بعدهم وبدور ومنه أيضا: يعنّفني من لو تحقّق ما الهوى ... لكان إلى من قد هويت رسولي بنفسي بدر لو رآه عواذلي ... على الحبّ فيه فاد كلّ عذول ومنه أيضا «٣» : أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي ... أو لا فخذ لي أمانا من ظبا المقل من كلّ طرف مريض الجفن ينشدني ... «يا ربّ رام بنجد من بني ثعل» إن كان فيه لنا وهو السقيم شفا ... «فربّما صحّت الأجسام بالعلل» «٤» وقال يرثي صديقا له وقد وقع المطر يوم موته «٥» : بنفسي من أبكى السماوات فقده ... بغيث ظنّناه نوال يمينه فما استعبرت إلا أسى وتأسّفا ... وإلا فماذا القطر في غير حينهوله أيضا: لا ترج ذا نقص ولو أصبحت ... من دونه في الرتبة الشمس كيوان أعلى كوكب موضعا ... وهو إذا أنصفته نحس وله أيضا: فدع التمدح بالقديم فكم عفا ... في هذه الآكام قصر داثر إيوان كسرى اليوم عند خرابه ... خير لعمرك منه خصّ عامر