page 410, entry [137]Open original source
أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي ، وقال ابن الجوزي: أحمد بن زكريا بنفارس، ولا يعاج به. مات سنة تسع وستين وثلاثمائة، وقال قبل وفاته بيومين: يا ربّ إن ذنوبي قد أحطت بها ... علما وبي وباعلاني وإسراري أنا الموحّد لكنّي المقرّ بها ... فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري ووجد بخط الحميدي أن ابن فارس مات في حدود سنة ستين وثلاثمائة، وكل منهما لا اعتبار به، لأني وجدت خطّ كفه على «كتاب تتمة الفصيح» من تصنيفه، وقد كتبه في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وذكره الحافظ السلفي في «شرح مقدمة معالم السنن» للخطابي فقال: أصله من قزوين [١] . وقال غيره: أخذ أحمد بن فارس عن أبي بكر أحمد بن الحسن الخطيب راوية ثعلب وأبي الحسن علي بن إبراهيم القطان وأبي عبد الله أحمد بن طاهر المنجم وعلي بن عبد العزيز المكي صاحب أبي عبيد وأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. وكان ابن فارس يقول: ما رأيت مثل أبي عبد الله أحمد بن طاهر ولا رأى هو مثل نفسه. وكان ابن فارس قد حمل إلى الريّ بأخرة ليقرأ عليه مجد الدولة أبو طالب ابن فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي صاحب الري، فأقام بها قاطنا [٢] ، وكان الصاحب بن عباد يكرمه ويتتلمذ له ويقول: «شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف وأمن فيه من التصحيف» . وكان كريما جوادا لا يبقي شيئا، وربما سئل فوهب ثياب جسمه وفرش بيته. وكان فقيها شافعيا فصار مالكيا وقال: دخلتني الحمية لهذا البلد- يعني الريّ- كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل المقبول القول على جميع الألسنة. وله من التصانيف: كتاب المجمل. وكتاب متخير الألفاظ. كتاب فقه اللغة. كتاب غريب إعراب القرآن. كتاب تفسير أسماء النبي ﵇. كتاب مقدمة [نحو] . كتاب دارات العرب. كتاب حلية الفقهاء. كتاب الفرق. كتاب مقدمةالفرائض. كتاب ذخائر الكلمات. كتاب شرح رسالة الزهري إلى عبد الملك بن مروان. كتاب الحجر. كتاب سيرة النبي ﷺ، كتاب صغير الحجم. كتاب الليل والنهار. كتاب العمّ والخال. كتاب أصول الفقه. كتاب أخلاق النبي ﷺ. كتاب الصاحبي صنفه لخزانة الصاحب. كتاب جامع التأويل في تفسير القرآن، أربع مجلدات. كتاب الشيات والحلى. كتاب خلق الإنسان. كتاب الحماسة المحدثة. كتاب مقاييس اللغة، وهو كتاب جليل لم يصنف مثله. كتاب كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين [١] . وحدث ابن فارس، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم فما عرفوا أحدا منهم، ولكني رأيت أمثل الجماعة رجلا فصيحا وأنشدني [٢] . إذا لم تحظ في أرض فدعها ... وحثّ اليعملات على وجاها ولا يغررك حظّ أخيك فيها ... إذا صفرت يمينك من جداها ونفسك فز بها إن خفت ضيما ... وخلّ الدار تحزن من بناها [٣] فإنك واجد أرضا بأرض ... ولست بواجد نفسا سواها ومن شعر ابن فارس: وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضّى حاجة وتفوت حاج إذا ازدحمت هموم القلب [٤] قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج نديمي هرتي وسرور قلبي ... دفاتر لي ومعشوقي السراجومن شعره في همذان [١] : سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرّم وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله أيضا: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم وله أيضا: مرّت بنا هيفاء مقدودة ... تركيّة تنمى لتركيّ ترنو بطرف فاتن فاتر ... كأنها حجّة نحوي قال الثعالبي: حدثني ابن عبد الوارث النحوي قال: كان الصاحب منحرفا عن أبي الحسين ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان «كتاب الحجر» من تأليفه، فقال الصاحب: «ردّ الحجر من حيث جاءك» [٢] . ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة. ولابن فارس في «اليتيمة» [٣] : يا ليت لي ألف دينار موجهة ... وأن حظّي منها فلس فلّاس قالوا فما لك منها قلت تخدمني ... لها ومن أجلها الحمقى من الناسوله أيضا: اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه إياك واحذر أن تبيت من الثقات على ثقه وله أيضا: وصاحب لي أتاني يستشير وقد ... أراد في جنبات الأرض مضطربا قلت اطّلب أيّ شيء شئت واسع ورد ... منه الموارد إلا العلم والأدبا وله أيضا: إذا كان يؤذيك حرّ المصيف ... وكرب الخريف وبرد الشتا ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى وله أيضا: عتبت عليه حين ساء صنيعه ... وآليت لا أمسيت طوع يديه فلما خبرت الناس خبر مجرّب ... ولم أر خيرا منه عدت إليه وله أيضا: تلبّس لباس الرضا بالقضا ... وخلّ الأمور لمن يملك تقدّر أنت وجاري القضاء ... مما تقدّره يضحك قال يحيى بن منده الاصبهاني: سمعت عمي عبد الرحمن بن محمد بن العبدي يقول، سمعت أبا الحسين أحمد بن زكريا بن فارس النحوي يقول: دخلت بغداد طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث وليست معي قارورة، فرأيت شابا عليه سمة جمال، فاستأذنته في كتب الحديث من قارورته فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان فقد استحقّ الحرمان. قال عبد الرحمن بن منده: وسمعت ابن فارس يقول: سمعت أبا أحمد [١] بنأبي التيار يقول: أبو أحمد العسكري يكذب على الصولي، مثلما كان الصولي يكذب على الغلابي، مثلما كان الغلابي يكذب على سائر الناس. قرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي، وجدت بخطّ ابن فارس على وجه المجمل، والأبيات له، ثم قرأتها على سعد الخير الانصاري، وأخبرني أنه سمعها من ابن شيخه أبي زكريا عن سليمان بن أيوب عن ابن فارس: يا دار سعدى بذات الضال من إضم ... سقاك صوب حيا من واكف العين العين: سحاب ينشأ من قبل القبلة. إني لأذكر أياما بها ولنا ... في كلّ إصباح يوم قرة العين العين هاهنا: عين الانسان وغيره. تدني معشّقة منا معتقة ... تشجّها عذبة من نابع العين العين هاهنا: ما ينبع منه الماء. إذا تمززها شيخ به طرق ... سرت بقوتها في الساق والعين العين هاهنا: عين الركبة، والطرق: ضعف الركبتين. والزقّ ملآن من ماء السرور فلا ... نخشى تولّه ما فيه من العين العين هاهنا: ثقب يكون في المزادة، وتوله الماء أن يتسرب. وغاب عذّالنا عنّا فلا كدر ... في عيشنا من رقيب السوء والعين العين هاهنا: الرقيب. يقسم الودّ فيما بيننا قسما ... ميزان صدق بلا بخس ولا عين العين هاهنا: العين في الميزان. وفائض المال يغنينا بحاضره ... فنكتفي من ثقيل الدين بالعين العين هاهنا: المال الناضّ. والمجمل المجتبى تغني فوائده ... حفّاظه عن كتاب الجيم والعينقال: وبخطه أيضا، سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسا من هذيل فجاريتهم ذكر شعرائهم. وجدت على نسخة قديمة بكتاب «المجمل» من تصنيف ابن فارس ما صورته: تأليف الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الزهراوي الأستاذ خرذي [١] ، واختلفوا في وطنه فقيل كان من رستاق الزهراء من القرية المعروفة كرسف وجيانا باذ، وقد حضرت القريتين مرارا، ولا خلاف أنه قرويّ. حدثني والدي محمد بن أحمد، وكان من جملة حاضري مجالسه قال: أتاه آت فسأله عن وطنه فقال: كرسف، قال فتمثل الشيخ: بلاد بها شدّت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها وكتبه مجمع بن محمد بن أحمد بخطه في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين وأربعمائة. وكان في آخر هذا الكتاب ما صورته أيضا: قضى الشيخ أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀ في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بالريّ، ودفن بها مقابل مشهد قاضي القضاة أبي الحسن علي بن عبد العزيز يعني الجرجاني. أنشد أبو الريحان البيروني في «كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية [٢] لأحمد بن فارس: قد قال فيما مضى حكيم ... ما المرء إلا بأصغريه فقلت قول امرىء لبيب ... ما المرء إلا بدرهميه من لم يكن معه درهماه ... لم تلتفت عرسه إليه وكان من ذلّه حقيرا ... تبول سنّورة عليه وحدث هلال بن المظفر الريحاني قال: قدم عبد الصمد بن بابك الشاعر إلىالري في أيام الصاحب، فتوقع أبو الحسين أحمد بن فارس أن يزوره ابن بابك ويقضي حقّ علمه وفضله، وتوقع ابن بابك أن يزوره ابن فارس ويقضي حقّ مقدمه، فلم يفعل أحدهما ما ظنّ صاحبه، فكتب ابن فارس إلى أبي القاسم ابن حسول: تعديت في وصلي فعدّي عتابك ... وأدني بديلا من نواكم إيابك تيقنت أن لم أحظ والشمل جامع ... بأيسر مطلوب فهلا كتابك ذهبت بقلب عيل بعدك صبره ... غداة أرتنا المرقلات ذهابك وما استمطرت عيني سحابة ريبة ... لديك ولا ثنّت يميني سخابك ولا نقبت والصبّ يصبو لمثلها ... عن الوجنات الغانيات نقابك ولا قلت يوما عن قلى وسآمة ... لنفسك «سلّي عن ثيابي ثيابك» وأنت التي شيّبت قبل أوانه ... شبابي سقى الغرّ الغوادي شبابك تجنّيت ما أوفى وعاتبت ما كفى ... ألم يأن سعدى أن تكفّي عتابك وقد نبحتني من كلابك عصبة ... فهلّا وقد حالوا زجرت كلابك تجافيت من مستحسن البرّ جملة ... وجرت على بختي جفاء ابن بابك فلما وقف أبو القاسم الحسولي على الأبيات أرسلها إلى ابن بابك، وكان مريضا، فكتب جوابها بديها: وصلت الرقعة أطال الله بقاء الأستاذ وفهمتها، وأنا أشكو اليه الشيخ أبا الحسين فإنه صيرني فصلا لا وصلا، وزجا لا نصلا، ووضعني موضع الخلال من الموائد، وتمّت من أواخر القصائد، وسحب اسمي منها مسحب الذيل، وأوقعه موقع الذنب المحذوف من الخيل، وجعل مكاني مكان القفل من الباب، وفذلك من الحساب، وقد أجبت عن أبياته بأبيات أعلم ان فيها ضعفا لعلتين، علتي وعلتها، وهي: أيا أثلات الشّعب من مرج يابس ... سلام على آثاركنّ الدوارس لقد شاقني والليل في شملة الحيا ... اليكنّ توليع النسيم المخالس ولمحة برق مستميت كأنه ... تردّد لحظ بين أجفان ناعس فبتّ كأني صعدة يمنيّة ... تزعزع في نقع من الليل دامسألا حبّذا صبح اذا ابيضّ أفقه ... تصدّع عن قرن من الشمس وارس ركبت من الخلصاء تركب سيلها ... ورود المطيّ الحائمات الكوانس فيا طارق الزوراء قل لغيومها اس ... تهلّي على متن من الكرخ آنس وقل لرياض القفص تهدي نسيمها ... فلست على بعد المزار بآيس ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... لقى بين أقراط المها والمحابس وهل أرينّ الريّ دهليز بابل ... وبابل [١] دهليز إلى أرض فارس ويصبح ردم السدّ قفلا عليهما ... كما صرت قفلا في قوافي ابن فارس فعرض أبو القاسم الحسولي المقطوعين على الصاحب وعرفه الحال فقال: البادي أظلم والقادم يزار، وحسن العهد من الإيمان. - ١٣١-