Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الخبر عما كَانَ من أمرهما فِي ذَلِكَ وظهور المختار للدعوة إِلَى مَا دعا إِلَيْهِ الشيعة بالكوفة:

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري · page 3087, entry [653]

تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري — ابن جرير الطبري

Open narrator profile: الخبر عما كَانَ من أمرهما فِي ذَلِكَ وظهور المختار للدعوة إِلَى مَا دعا إِلَيْهِ الشيعة بالكوفة:
page 3087, entry [653]Open original source
ذكر الخبر عما كَانَ من أمرهما فِي ذَلِكَ وظهور المختار للدعوة إِلَى مَا دعا إِلَيْهِ الشيعة بالكوفة: ذَكَرَ هِشَام بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، أَنَّ فُضَيْلَ بْنَ خَدِيجٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرو وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ مِنْ بَنِي هِنْدٍ أَنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ لَمَّا قَدِمُوا كَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعْظَمَ لَكُمُ الأَجْرَ، وَحَطَّ عَنْكُمُ الْوِزْرَ، بِمُفَارَقَةِ الْقَاسِطِينَ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ، إِنَّكُمْ لَمْ تُنْفِقُوا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْطَعُوا عُقْبَةً، وَلَمْ تَخْطُوا خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ لَكُمْ بِهَا دَرَجَةً، وَكَتَبَ لَكُمْ بِهَا حَسَنَةً، إِلَى مَا لا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ مِنَ التَّضْعِيفِ، فَأَبْشِرُوا فَإِنِّي لو قَدْ خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ قَدْ جَرَّدْتُ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي عَدُوِّكُمُ السَّيْفَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَجَعَلْتُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ رُكَامًا، وَقَتَلْتُهُمْ فَذًّا وَتُؤَامًا، فَرَحَّبَ اللَّهُ بِمَنْ قَارَبَ مِنْكُمْ وَاهْتَدَى، وَلا يُبْعِدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ عَصَى وَأَبَى، وَالسَّلامُ يَا أَهْلَ الْهُدَى. فَجَاءَهُمْ بِهَذَا الْكِتَابِ سَيْحَانُ بْنُ عَمْرٍو، مِنْ بَنِي لَيْثٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدْ أَدْخَلَهُ فِي قُلُنْسُوَتِهِ فِيمَا بَيْنَ الظِّهَارَةِ وَالْبِطَانَةِ، فَأَتَى بِالْكِتَابِ رِفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍوَالْمُثَنَّى بْنَ مَخْرَبَةَ الْعَبْدِيَّ وَسَعْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَيَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ وَأَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ الأَحْمَسِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجْلِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ ابْنَ كَامِلٍ، فَقَالُوا: قُلْ لَهُ: قَدْ قَرَأْنَا الْكِتَابَ، وَنَحْنُ حَيْثُ يَسُرُّكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَأْتِيَكَ حَتَّى نُخْرِجَكَ فَعَلْنَا. فَأَتَاهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ السِّجْنَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِهِ، فُسَرَّ بِاجْتِمَاعِ الشِّيعَةِ لَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: لا تُرِيدُوا هَذَا، فَإِنِّي أَخْرُجُ فِي أَيَّامِي هَذِهِ. قَالَ: وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ بَعَثَ غُلامًا يُدْعَى زُرَبْيًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ حُبِسْتُ مَظْلُومًا، وَظَنَّ بِيَ الْوُلَاةُ ظُنُونًا كَاذِبَةً، فَاكْتُبْ فِيَّ يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِلَى هَذَيْنِ الظَّالِمَيْنِ كِتَابًا لَطِيفًا، عَسَى اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِنْ أيديهما بلطفك وبركتك ويمنك، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنَ الصَّهْرِ، والَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مِنَ الْوُدِّ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكُمَا بِحَقِّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا لَمَا خَلَّيْتُمَا سَبِيلَهُ حِينَ تَنْظُرَانِ فِي كِتَابِي هَذَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَلَمَّا أَتَى عَبْد اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّد بْنِ طَلْحَةَ كِتَابُ عبد الله ابن عُمَرَ دَعَوَا لِلْمُخْتَارِ بِكُفَلَاءَ يَضْمَنُونَهُ بِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُؤَيْمٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: مَا تَصْنَعُ بِضَمَانِ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ! ضَمِّنْهُ عَشَرَةً مِنْهُمْ أَشْرَافًا مَعْرُوفِينَ، وَدَعْ سَائِرَهُمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا ضَمِنُوهُ، دَعَا بِهِ عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ وإبراهيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَةَ فَحَلَّفَاهُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لا يَبْغِيهِمَا غَائِلَةً، وَلا يَخرُجُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ لَهُمَا سُلْطَانٌ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَلْفُ بدنهيَنْحَرُهَا لَدَى رَتَاجِ الْكَعْبَةِ، وَمَمَالِيكُهُ كُلُّهُمْ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ أَحْرَارٌ فَحَلَفَ لَهُمَا بِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَاءَ دَارَهُ فَنَزَلَهَا. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي يحيى بن أبي عيسى، عن حميد بن مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُخْتَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! مَا أَحْمَقَهُمْ حِينَ يَرَوْنَ أَنِّي أَفِي لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ هَذِهِ! أَمَّا حَلِفِي لَهُمْ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِي إِذَا حَلَفْتُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا أَنْ أَدَعَ مَا حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَآتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفِّرَ يَمِينِي، وَخُرُوجِي عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنْ كفى عنهم، واكفر يميني، وَأَمَّا هَدْيُ أَلْفِ بَدَنَةٍ فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ بَصْقَةٍ، وَمَا ثَمَنُ أَلْفِ بَدَنَةٍ فَيَهُولُنِي! واما عتق مماليكى فو الله لَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَتَبَّ لِي أَمْرِي، ثُمَّ لَمْ أَمْلِكْ مَمْلُوكًا أَبَدًا. قَالَ: وَلَمَّا نَزَلَ الْمُخْتَارُ دَارَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، اخْتَلَفَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهَا عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَكَانَ الَّذِي يُبَايِعُ لَهُ النَّاسَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ خَمْسَةُ نَفَرٍ: السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ، وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ الْفِتْيَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن شداد الجشمى. قال: فلم تزل أَصْحَابُهُ يَكْثُرُونَ، وَأَمْرُهُ يَقْوَى وَيَشْتَدُّ حَتَّى عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَبْد اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بن مُحَمَّد بن طلحه، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى عَمَلِهِمَا إِلَى الْكُوفَةِ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي الصَّقْعَبُ بْنُ زُهَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَعَا ابْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ أَخَا بَنِي عَدِيِّ ابن كَعْبٍ وَالْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَبَعَثَ الْحَارِث بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ بَحِيرَ بْنَ رَيْسَانَ الْحِمْيَرِيَّ، فَلَقِيَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: يَا هَذَانِ، إِنَّ الْقَمَرَ اللَّيْلَةَ بِالنَّاطِحِ، فَلا تَسِيرَا فَأَمَّا ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَأَطَاعَهُ، فأقام يسيراثُمَّ شَخَصَ إِلَى عَمَلِهِ فَسَلِمَ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ نَطْلُبُ إِلَّا النَّطْحَ! قَالَ: فَلَقِيَ وَاللَّهِ نَطْحًا وَبَطْحًا، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: وَالْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ. قال عُمَر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالا على البلاد، فقال: من بعث على البصرة؟ فقيل بعث عليها الْحَارِث بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفا وجلس! ثم قال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيرا ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك، وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين وقال لإبراهيم بن مُحَمَّد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين، فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الخراج، وقال: إنما كانت فتنة، فكف عنه ابن الزبير. قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة والخراج، وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلي، وأمره أن يحسن السيرة والشدة على المريب. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدي- وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير- قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد الْمِنْبَر، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم، والا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضا منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيره عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين، فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذواعلى أيدي سفهائكم، وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني، فو الله لاوقعن بالسقيم العاصي، ولأقيمن درء الأصعر المرتاب فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما أمر ابن الزبير إياك الا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، والا يقسم إلا فينا، وألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا، فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرا، وقد كان لا يألو الناس خيرا فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله. فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيره احببتموها وهو يتموها ثم نزل فقال: يزيد بن أنس الأسدي: ذهبت بفضلها يا سائب، لا يعدمك المسلمون! أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحوا من مقالتك، وما أحب أن الله ولى الرد عليه رجلا من أهل المصر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع، فقال له: إن السائب بن مالك من رءوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار، فابعث إليه فليأتك، فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس، فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له، وكأنه قد وثب بالمصر قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمي من همدان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وامر باسراج دابته وتحشخش للذهاب معهما، فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله ﵎: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا علي القطيفة، ما أراني إلا قد وعكت، إني لأجد قفقفةشديدة، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدي: إذا ما معشر تركوا نداهم ... ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا ارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها فقال له زائدة بن قدامة: أما أنا ففاعل، فقال: وأنت يا أخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك. قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمداني، عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أبلغ عن هذا ما يرضيه ما أنا بآمن من أن يظهر غدا فيهلكني قال: فقلت له، نعم، انا أضع عند ابن مطيع عذرك، وأبلغه كل ما تحب، فخرجنا من عنده، فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأت تلك الآية، وعلمت ما أردت بها، وقد علمت أنها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابته، وعلمت حين تمثل البيت الذي تمثل إنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تفهمه، وأنه لن يأتيه قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئا من ذلك، فقلت له: لا تحلف، فو الله ما كنت لأبلغ عنك ولا عنه شيئا تكرهانه، ولقد علمت أنك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه فأقبلنا الى ابن مطيع، فأخبرناه بعلته وشكواه، فصد قنا ولها عنه. قال: وبعث المختار إلى أصحابه، فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فجاء رجل من أصحابه من شبام- وكان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح- فلقي سعيد بن منقذ الثوري وسعر ابن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك الجشمي، فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا بهوبما دعانا إليه، فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه، وان نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا. فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفقت، اخرج بنا إذا شئت. فاجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيامهم، فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفية، وكان أمامهم عبد الرحمن بن شريح، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم وما هم عليه قال أبو مخنف: فحدثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكندي قال: قلنا لابن الحنفية، إن لنا إليك حاجة، قال: فسر هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا، بل سر، قال: فرويدا إذا، قال: فمكث قليلا، ثم تنحى جانبا فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة، فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب، قد أصبتم بحسين ﵀ عليه عظمت مصيبه اختصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنه نبيه ص، والطلب بدماء أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، فبايعناه على ذلك ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه. ثم تكلمنا واحدا واحدا بنحو مما تكلم به صاحبنا، وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص، ثم قال: أما بعد، فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل، فإن اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العظيم، فلله الحمد! وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فإن ذلك كان في الذكر الحكيموهي ملحمة كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فو الله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول: قد أذن لنا، قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا. قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنا قد أعلمناه بمخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا، ممن كان على رأينا من إخواننا، وقد كان بلغ المختار مخرجنا، فشق ذلك عليه، وخشي أن نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه، فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا، فلم يتهيأ ذلك له، فكان المختار يقول: إن نفيرا منكم ارتابوا وتحيروا وخابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا، وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثبروا وخابوا، فلم يكن الا شهرا وزياده شيء، حتى اقبل القوم على رواحلهم، حتى دخلوا على المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم، فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك فقال: الله أكبر! أنا أبو إسحاق، اجمعوا إلي الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريبا فقال: يا معشر الشيعة، إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى، حاشا النبي المجتبى، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره، ورسوله وخليله، وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين، والطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين. فقام عبد الرحمن بن شريح، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يا معشر الشيعة، فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة، فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها، فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه،فأقبلنا طيبة أنفسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا بصيرتنا في قتال عدونا، فليبلغ ذلك شاهدكم، غائبكم، واستعدوا وتأهبوا ثم جلس وقمنا رجلا فرجلا، فتكلمنا بنحو من كلامه، فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه. قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة والمشرقي، عن عامر الشعبي، قال: كنت أنا وأبي أول من أجاب المختار قال: فلما تهيأ أمره ودنا خروجه، قال له أحمر بن شميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شداد: إن أشراف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن جامعنا على أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله القوه على عدونا، والا يضرنا خلاف من خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصيت، وله عشيرة ذات عز وعدد قال لهم المختار: فألقوه فادعوه، وأعلموه الذي أمرنا به من الطلب بدم الحسين وأهل بيته. قال الشعبي: فخرجوا إليه وأنا فيهم، وأبي، فتكلم يزيد بن أنس، فقال له: إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك، وندعوك إليه، فإن قبلته كان خيرا لك، وإن تركته فقد أدينا إليك فيه النصيحة، ونحن نحب أن يكون عندك مستورا. فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإن مثلي لا تخاف غائلته ولا سعايته، ولا التقرب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغار الأخطار الدقاق همما. فقال له: إنما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأي الملإ من الشيعة، إِلَى كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّه عليه، والطلب بدماء أهل البيت، وقتال المحلين، والدفع عن الضعفاء قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظك محب وإن أباك قد هلك وهو سيد الناس وفيك منه إن رعيت حق الله خلف، قد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت من ذلك أمرا قد مات، إنما يكفي مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أولك مفتخرا واقبل القومكلهم عليه يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، على أن تولوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي، وهو الرسول والمأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبهم فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا، قال: فغبر ثلاثا، ثم إن المختار دعا بضعة عشر رجلا من وجوه أصحابه- قال الشعبي: أنا وأبي فيهم- قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة قدا لا ندري أين يريد، حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر، فاستأذنا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائد، فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه، فقال المختار: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وصلى الله على مُحَمَّد، والسلام عليه، أما بعد، فإن هذا كتاب إليك من المهدى محمد بن أمير المؤمنين الوصي، وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي مُحَمَّدا وأولياءه عنك. قال الشعبي: وكان المختار قد دفع الكتاب إلي حين خرج من منزله، فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفض خاتمه، وقرأه فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم من مُحَمَّد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عَلَيْك، فإني أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هو، أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيرى وأميني ونجيي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة، ولك بذلك أعنة الخيل وكل جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد أهلالشام، على الوفاء بذلك علي عهد الله، فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا، والسلام عليك. فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إلي ابن الحنفية، وقد كتبت إليه قبل اليوم، فما كان يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه، قال له ٢ المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم- قال الشعبي: إلا أنا وأبي- فقالوا: نشهد أن هذا كتاب مُحَمَّد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عند ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال: ابسط يدك أبايعك، فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنا بفاكهة، فأصبنا منها، ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا، وخرج معنا ابن الأشتر، فركب مع المختار حتى دخل رحله، فلما رجع إبراهيم منصرفا أخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك، أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقا قال: فقلت له هذه المقالة، وأنا والله لهم على شهادتهم متهم، غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم، وأحب تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك، فقال لي ابن الأشتر: اكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا شهد عليه السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي، حتى أتى على أسماء القوم، ثم كتب: شهدوا أن مُحَمَّد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الاشتر يأمره بموازره المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهاده شراحيل ابن عبد- وهو أبو عامر الشعبي الفقيه- وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي،وعامر بن شراحيل الشعبي فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال: دعه يكون قال: ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار. قال هشام بن مُحَمَّد: قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزدي، قال: كان حميد بن مسلم الأسدي صديقا لإبراهيم بن الأشتر، وكان يختلف إليه، ويذهب به معه، وكان إبراهيم يروح في كل عشية عند المساء، فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوب النجوم ثم ينصرف، فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم، حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر، فأذن، ثم إنه استقدم، فصلى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أو الذئب- وهو يريد المختار، - فأقبلنا علينا السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين، قال: فخرج إياس في الشرط، فبعث ابنه راشدا إلى الكناسة، وأقبل يسير حول السوق في الشرط ثم إن إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعثت في كل جبانة بالكوفة عظيمة رجلا من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة، هاب المريب الخروج عليك قال: فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبانة السبيع، وقال: اكفني قومك، لا أوتين من قبلك، وأحكم أمر الجبانة التي وجهتك إليها، لا يحدثن بها حدث، فاوليك العجز والوهن وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم، وبعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائديين، وبعث يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب الى جبانه مرادواوصى كل رجل ان يكفيه قومه، والا يؤتى من قبله، وأن يحكم الوجه الذي وجهه فيه، وبعث شبث بن ربعي إلى السبخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم، فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين، فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار، وقد بلغه أن الجبابين قد حشيت رجالا، وأن الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدار عمرو بن حريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو من مائة، علينا الدروع، قد كفرنا عليها بالاقبيه، ونحو متقلد والسيوف، ليس معنا سلاح إلا السيوف في عواتقنا، والدروع قد سترناها بأقبيتنا، فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها إلى دار أسامة، قلنا: مر بنا على دار خالد بن عرفطة، ثم امض بنا إلى بجيلة، فلنمر في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار- وكان إبراهيم فتى حدثا شجاعا، فكان لا يكره أن يلقاهم- فقال: والله لأمرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبن به عدونا ولأرينهم هوانهم علينا قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبار، ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث، حتى إذا جاوزها ألفينا إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح، فقال لنا: من أنتم؟ ما أنتم؟ فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟ وما تريد؟ والله إن أمرك لمريب! وقد بلغني أنك تمر كل عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه فقال إبراهيم: لا أبا لغيرك! خل سبيلنا، فقال: كلا والله لا أفعل- ومع إياس بن مضارب رجل من همدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشرطة فهم يكرمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقا- فقال له ابن الأشتر: يا أبا قطن، ادن مني- ومع أبي قطن رمح له طويل-، فدنا منه أبو قطن، ومعه الرمح،وهو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلي سبيله، فقال إبراهيم- وتناول الرمح من يده: إن رمحك هذا لطويل، فحمل به إبراهيم على ابن مضارب، فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل عليه، فاحتز رأسه، فنزل إليه فاحتز رأسه، وتفرق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن إياس مكان أبيه على الشرطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلة الأربعاء، فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنا اتعدنا للخروج للمقابله ليلة الخميس، وقد حدث أمر لا بد من الخروج الليلة، قال المختار: ما هو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه، فقتلته، وهذا رأسه مع أصحابي على الباب فقال المختار: فبشرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أول الفتح ان شاء الله ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهرادي النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شداد، فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامه ابن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: علي بدرعي وسلاحي، فأتي به، فأخذ يلبس سلاحه ويقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل ... واضحة الخدين عجزاء الكفل أني غداة الروع مقدام بطل. ثم إن إبراهيم قال للمختار: إن هؤلاء الرءوس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا، ويضيقون عليهم، فلو أني خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتي قومي، فيأتيني كل من قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا، فخرج إلي من أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس، فمن أتاك حبسته عندك إلى منمعك ولم تفرقهم، فإن عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به، وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل والرجال قال له إما لا فاعجل وإياك أن تسير إلى أميرهم تقاتله، ولا تقاتل أحدا وأنت تستطيع الا تقاتل، واحفظ ما أوصيتك به إلا أن يبدأك أحد بقتال فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة التي أقبل فيها، حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان بايعه وأجابه ثم إنه سار بهم في سكك الكوفة طويلا من الليل، وهو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء، فجاء إلى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطرق العظام، حتى انتهى إلى مسجد السكون، وعجلت إليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس لهم قائد ولا عليهم أمير فشد عليهم ابراهيم بن اشتر وأصحابه، فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة، فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في ٢ جبانة كندة فشد إبراهيم وأصحابه عليهم، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك، وثرنا لهم، فانصرنا عليهم، وتمم لنا دعوتنا، حتى انتهى إليهم هو وأصحابه، فخالطوهم وكشفوهم فقيل له: زحر بن قيس، فقال: انصرفوا بنا عنهم، فركب بعضهم بعضا كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفة، فانصرفوا يسيرون. ثم خرج إبراهيم يسير حتى انتهى إلى جبانة أثير، فوقف فيها طويلا، ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقري مكانهم في جبانة أثير، فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبانة، فلما رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه: يا شرطة الله، انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا دماء اهل بيت رسول الله ص فنزلوا ثم شد عليهم إبراهيم، فضربهم حتى أخرجهم من الصحراء، وولوا منهزمين يركب بعضهم بعضا، وهم يتلاومون، فقال قائل منهم: إن هذا الأمر يراد، ما يلقون لنا جماعةإلا هزموهم! فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: أتبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله إلى من ندعو وما نطلب، وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته، ونكون من أمره على علم، ويعلم هو أيضا ما كان من عنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أني لا آمن أن يكون قد اتى. فاقبل ابراهيم في أصحابه حتى مر بمسجد الأشعث، فوقف به ساعة، ثم مضى حتى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقوم يقتتلون، وقد جاء شبث بن ربعي من قبل السبخة، فعبى له المختار يزيد بن أنس، وجاء حجار بن أبجر العجلي، فجعل المختار في وجهه في وجهه أحمر بن شميط، فالناس يقتتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجارا وأصحابه أن إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقة والسكك، وجاء قيس بن طهفة في قريب من مائة رجل من بني نهد من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعا ثم إن شبث بن ربعي ترك لهم السكة، وأقبل حتى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثم انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإن أمر القوم قد قوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمره فلما بلغ ذلك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة. قال: وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم، يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبي كعب الخثعمي منهم، وكان كعب في جبانة بشر، فلما بلغه ان شاكرا تخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان، وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم قال: فلما أتاهم أبو عثمان النهديفي عصابة من أصحابه، نادى: يا لثأرات الحسين! يا منصور أمت! يايها الحي المهتدون، ألا إن أمير آل مُحَمَّد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعيا ومبشرا، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال: فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثأرات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثعمي في جماعة من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافه، فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم ولم يقاتلهم. وخرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبانة مراد، فلما بلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانة السبيع، فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائه من اثني عشر ألفا كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر، فأصبح قد فرغ من تعبيته. قال أبو مخنف: فحدثني الوالبي قال: خرجت أنا وحميد بن مسلم، والنعمان بن أبي الجعد إلى المختار ليلة خرج، فأتيناه في داره وخرجنا معه إلى معسكره، قال: فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبيته، فلما ٢ أصبح استقدم، فصلى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ وَالنَّازِعاتِ وعَبَسَ وَتَوَلَّى، قال: فما سمعنا إماما أمّ قوما أفصح لهجة منه. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله، أن ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين، فأمرهم أن ينضموا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافى الناس في المسجد، فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت التيمي عن أبي سعيد الصيقلقال: لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتا مرتفعة فيما بين بني سليم وسكة البريد، فقال المختار: من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: أما لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار، ثم تأتيني بخبرهم قال: ففعلت، فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعي معه خيل عظيمة، وعلى خيله شيبان بن حريث الضبي، وهو في الرجالة معه منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدم فصلى بأصحابه، فقرأ: «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» ، فقلت في نفسي: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: «وَالْعادِياتِ ضَبْحاً» ، فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئا! فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرات سوره البقرة وآل عمران! قال: وكانوا ثلاثة آلاف، قال: فأقبلت سريعا حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث وأصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سعر بن أبي سعر الحنفي يركض من قبل مراد، وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلما أصبح أقبل على فرسه، فمر بجبانة مراد، وفيها راشد بن إياس، فقالوا: كما أنت! ومن أنت؟ فراكضهم حتى جاء المختار، فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شبث، قال: فسرح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن اياس في تسعمائة- ويقال ستمائة فارس وستمائة راجل- وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة في ثلاثمائة فارس وستمائه راجل، وقال لهما: امضيا حتى تلقيا عدو كما، فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال وعجلا الفراغ وابدءاهم بالاقدام، ولا تستهد فالهم، فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إلي حتى تظهرا أو تقتلا فتوجه إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة أمامه. وتوجه نعيم بن هبيرة قبل شبث قال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت انا فيمن توجه مع نعيمابن هبيرة إلى شبث ومعي سعر بن أبي سعر الحنفي، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالا شديدا، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سعر الحنفي على الخيل، ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت، ثم إن شبث بن ربعي ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمن عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشد علينا وقد تفرقنا فهزمنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتل، ونزل سعر فأسر وأسرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد- وكان وسيما جسيما: من أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شبث: يا بن المتكاء، تركت بيع الصحناة بالكناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقتل، ورأى سعرا الحنفي فعرفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: ويحك! ما أردت إلى اتباع هذه السبئيه! قبح الله رأيك، دعوا ذا فقلت في نفسي: قتل المولى وترك العربي، إن علم والله إني مولى قتلني فلما عرضت عليه قال: من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله، قال: أعربي أنت أو مولى؟ فقلت: لا بل عربي، أنا من آل زياد بن خصفة، فقال: بخ بخ! ذكرت الشريف المعروف، الْحَقْ بأهلك قال: فأقبلت حتى انتهيت إلى الحمراء، وكانت لي في قتال القوم بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار، وقلت في نفسي: والله لاتين اصحابى فلا واسينهم بنفسي، فقبح الله العيش بعدهم! قال: فأتيتهم وقد سبقني إليهم سعر الحنفي، وأقبلت إليه خيل شبث، وجاءه قتل نعيم بن هبيرة، فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير، قال: فدنوت من المختار، فأخبرته بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكت، فليس هذا بمكان الحديث وجاء شبث حتى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنسوبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بن رؤيم في ألفين من قبل سكة لحام جرير، فوقفوا في أفواه تلك السكك، وولى المختار يزيد بن أنس خيله، وخرج هو في الرجالة. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي، والبة الأزد، قال: حملت علينا خيل شبث بن ربعي حملتين، فما يزول منا رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم، وطاعة عدوكم، فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذا والله لا يدعون منكم عينا تطرف، وليقتلنكم صبرا، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلا الصدق والصبر، والطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم فتيسروا للشدة، وتهيئوا للحملة، فإذا حركت رايتي مرتين فاحملوا قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجثونا على الركب، وانتظرنا أمره. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتر كان حين توجه الى راشد بن اياس، مضى حتى لقمه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال ابراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثره هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصابرين، ثم قال يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل، ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قد ما قد ما واقتتل الناس، فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليهفطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشدا ورب الكعبة وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد يبشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين فاعترض إبراهيم بن الأشتر فويق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشى إبراهيم نحوه في الرجال. فقال: والله ما أطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف حتى انهزموا وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم وحمل عليه خزيمة بن نصر، فلما رآه عرفه فقال له: يا حسان بن فائد أما والله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء فعثر بحسان فرسه فوقع. فقال: تعسا لك، أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به فضاربهم ساعة بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر قال: إنك آمن يا أبا عبد الله لا تقتل نفسك وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه ومر به إبراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمي وقد آمنته، فقال له إبراهيم: أحسنت، فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتي به، فحمله عليه، وقال: الحق بأهلك. قال: وأقبل إبراهيم نحو المختار، وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس. فلما رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سكك الكوفة التي تلي السبخة. وإبراهيم مقبل نحو شبث، أقبل نحوه ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفة من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغن عنا يزيد بن الحارث، وصمد هو في بقية أصحابه نحو شبث بن ربعي. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب أن إبراهيم لما أقبل نحونا رأينا شبثا وأصحابه ينكصون وراءهم رويدا رويدا، فلما دنا إبراهيم من شبث وأصحابه، حمل عليهم، وأمرنا يزيد بن أنس بالحملة عليهم،فحملنا عليهم، فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفه، وحمل خزيمة ابن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك، وقد كان يزيد بن الحارث وضع رامية على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختار في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلما انتهى، أصحاب المختار إلى أفواه السكك رمته تلك الرامية بالنبل، فصدوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس، فأسقط في يده. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزبيدي لابن مطيع: أيها الرجل لا يسقط في خلدك، ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوك فاغزهم، فإن الناس كثير عددهم، وكلهم معك إلا هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أول منتدب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة، قال: فخرج ابن مطيع، فقام فِي الناس، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الناس، إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مضلة، اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلا والله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون ثم نزل. قال: ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة قال: ومضى المختار من السبخة حتى ظهر على الجبانة، ثم ارتفع إلى البيوت، بيوت مزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتهم شاذة منفردة من بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابه، وأبى المختار أن يشرب قال: فظن أصحابه أنه صائم، وقال أحمر بن هديج من همدانلابن كامل: اترى الأمير الأمير صائما؟ فقال له: نعم، هو صائم، فقال له: فلو أنه كان في هذا اليوم مفطرا كان أقوى له، فقال له: إنه معصوم، وهو أعلم بما يصنع، فقال له: صدقت، أستغفر الله وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفلهم وأدخل الرعب قلوبهم، وتنزل هاهنا! سربنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع. ولا يمتنع كبير امتناع، فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم بن الأشتر أمامه، وعبى أصحابه على الحال التي كانوا عليها في السبخة. قال: وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل. فخرج عليهم من سكة الثوريين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في أثر إبراهيم، فمضوا جميعا حتى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف، وأمر إبراهيم أن يمضي على وجهه حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة، فمضى، فخرج إليه من سكة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح المختار إليه سعيد بن منقذ الهمذاني فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن اطوه، وامض على وجهك فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مخرمة في نحو من ألفين- أو قال: خمسة آلاف. وهو الصحيح- وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس: أن الحقوا بابن مساحق قال: واستخلف شبث بن ربعي على القصر، وخرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله، قال: إني لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه، حتى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا، فنزلوا، فقال:قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف، ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآل الأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث قال: فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو قد ووجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزى عن الذئب، قال حصيرة: فإني لأنظر إليه وإلى أصحابه حين قربوا خيولهم وحين أخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فرفعه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشي البرود، وقد شد بها على القباء، وقد كفر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم فدى لكم عمي وخالي! قال: فو الله ما لبثهم أن هزمهم، فركب بعضهم بعضا على فم السكة وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بلجام دابته، ورفع السيف عليه، فقال له ابن مساحق: يا بن الأشتر، أنشدك الله، أتطلبني بثأر! هل بيني وبينك من إحنة! فخلى ابن الأشتر سبيله، وقال له: اذكرها، فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الأشتر، وأقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة في آثار القوم حتى دخلوا السوق والمسجد، وحصروا ابن مطيع ثلاثا. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح أن ابن مطيع مكث ثلاثا، يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق، ومعه أشراف الناس، إلا ما كان من عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار، ثم خرج حتى نزل البر وجاء المختار حتى نزل جانب السوق، وولى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر، ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفة وسكة دار الروميين، وأحمر بن شميط مما يلي دار عمارة ودار أبي موسى. فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الأشراف، فقام إليه شبث فقال: أصلح الله الأمير انظر لنفسك ولمن معك، فو الله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا علي برأيكم،قال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أمانا ولنا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك قال ابن مطيع: والله إني لأكره أن آخذ منه أمانا والأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحجاز كله وبأرض البصرة، قال: فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلا بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به، ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك، فقال لأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة: ما ترون في هذا الرأي الذي أشار به علي شبث؟ فقالوا: ما نرى الرأي إلا ما أشار به عليك، قال: فرويدا حتى أمسي قال أبو مخنف: فحدثني أبو المغلس الليثي، أن عبد الله بن عبد الله الليثي أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشي يشتمهم، وينتحي له مالك بن عمرو أبو نمران النهدي بسهم، فيمر بحلقه، فقطع جلدة من حلقه فمال فوقع، قال: ثم إنه قام وبرأ بعد، وقال النهدي حين أصابه: خذها من مالك، من فاعل كذا. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح، عن حسان بن فائد بن بكير، قال: لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع، فذكر الله بما هو أهله، وصلى عَلَى نبيه ﷺ وقال: أما بعد، فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم، وقد علمت أنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مطيعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي، ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به علي ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة فقال له شبث: جزاك الله من أمير خيرا! فقد والله عففت عن أموالنا، وأكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبدا إلا ونحن منك في إذن، فقال: جزاكم الله خيرا، أخذ امرؤ حيث أحب، ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبي موسى، وخلى القصر، وفتح اصحابهالباب، فقالوا: يا بن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، فخرجوا فبايعوا المختار. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر العدوي، من عدي جهينة- وهو أبو الأشعر- أن المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعدا مفعولا، وقضاء مقضيا، وقد خاب من افترى أيها الناس، إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية: أن اجروا إليها ولا تعدوها، في معنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية، لقتلى في الواعية! وبعدا لمن طغى وأدبر، وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا، والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها. ثم نزل فدخل، ودخلنا عليه وأشراف الناس، فبسط يده، وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعوني على كتاب اللَّه وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم، فإذا قال الرجل: نعم بايعه قال: فكأني والله أنظر إلى المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذ أتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفا عند المصطبة، فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح بهم سعيد بن منقذ: لا تعجلوا، لا تعجلوا حتى ننظر ما رأي أميركم فيه قال: وبلغ المختار ذلك، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه، وأقبل المختار يمني الناس، ويستجر مودتهم ومودة الأشراف، ويحسن السيرة جهدهقال: وجاءه ابن كامل فقال للمختار، أعلمت أن ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشيء، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه، ثم أعادها فلم يجبه، فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقا، فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم، فقال له: تجهز بهذه واخرج، فإني قد شعرت بمكانك، وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلا أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج وأصاب ٢ المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر- وهم ثلاثة آلاف وثمانمائه رجل- كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ومناهم العدل وحسن السيرة، وأدنى الأشراف، فكانوا جلساءه وحداثه، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له- وأسر إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب، فقال له: قل لهم: لا يشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم ثم سكت طويلا، ثم قرأ: «إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ما هو إلا أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا، كأنكم والله به قد قتلهم. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي حصيرة بن عَبْدِ الله الأزدي وفضيل بن خديج الكندي والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أول رجل عقد له المختارراية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية، وبعث محمد ابن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى، وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري، وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث مُحَمَّد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان قال: ورزقه ألف درهم في كل شهر، وأمره بقتال الأكراد، وبإقامة الطرق، وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بحلوان، وكان عبد الله بن الزبير قد بعث مُحَمَّد بن الأشعث بن قيس على الموصل، وأمره بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة، غير أن ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير، وكان قبل ذلك في إمارة عَبْد اللَّهِ بن يَزِيدَ، وإبراهيم بن مُحَمَّد منقطعا بإمارة الموصل، لا يكاتب أحدا دون ابن الزبير. فلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس من قبل المختار أميرا تنحى له عن الموصل، وأقبل حتى نزل تكريت، وأقام بها مع أناس من أشراف قومه وغيرهم، وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس، وإلى ما يصير أمرهم، ثم شخص إلى المختار فبايع له، ودخل فيما دخل فيه أهل بلده. قال أبو مخنف: وحدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع وبعث عماله، أقبل يجلس للناس غدوة وعشية، فيقضي بين الخصمين، ثم قال: والله إن لي فيما أزاول وأحاول لشغلا عن القضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شريحا، وقضى بين الناس، ثم انه خافهم فمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه ممن شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هانئ ابن عروة ما أرسله به- وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء- فلماأن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض، وجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم إن عبد الله مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي قاضيا. قال مسلم بن عبد الله: وكان عبد الله بن همام سمع أبا عمرة يذكر الشيعة وينال من عثمان بن عفان، فقنعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلا حتى استأمن له عبد الله بن شداد، فجاء إلى المختار ذات يوم فقال: ألا انتسأت بالود عنك وأدبرت ... معالنة بالهجر أم سريع وحملها واش سعى غير مؤتل ... فأبت بهم في الفؤاد جميع فخفض عليك الشأن لا يردك الهوى ... فليس انتقال خلة ببديع وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى ... ويلهيه عن رؤد الشباب شموع دعا يا لثارات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك ... يقود جموعا عبيت بجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره ... بكل فتى حامي الذمار منيع وجاء نعيم خير شيبان كلها ... بأمر لدى الهيجا أحد جميع وما ابن شميط إذ يحرض قومه ... هناك بمخذول ولا بمضيع ولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن ... وكل أخو إخباتة وخشوع وسار أبو النعمان لله سعيه ... إلى ابن إياس مصحرا لوقوع بخيل عليها يوم هيجا دروعها ... وأخرى حسورا غير ذات دروع فكر الخيول كرة ثقفتهمُ ... وشد بأولاها على ابن مطيع فولى بضرب يشدخ الهام وقعه ... وطعن غداة السكتين وجيع فحوصر في دار الإمارة بائيا ... بذل وإرغام له وخضوع فمن وزير ابن الوصي عليهم ... وكان لهم في الناس خير شفيعوآب الهدى حقا الى مستقره ... خير إياب آبه ورجوع إلى الهاشمي المهتدي المهتدى به ... فنحن له من سامع ومطيع قال: فلما أنشدها المختار قال المختار لأصحابه: قد أثنى عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثناء عليكم، فأحسنوا له الجزاء ثم قام المختار، فدخل وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى أخرج إليكم، قال: وقال عبد الله ابن شداد الجشمى: يا بن همام: إن لك عندي فرسا ومطرفا، وقال قيس بن طهفة النهدي- وكانت عنده الرباب بنت الأشعث: فإن لك عندي ٦ فرسا ومطرفا، واستحيا أن يعطيه صاحبه شيئا لا يعطي مثله، فقال ليزيد بن أنس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: إن كان ثواب الله أراد بقوله فما عند الله خير له، وإن كان انما اعترى بهذا القول أموالنا، فو الله ما في أموالنا ما يسعه، قد كانت بقيت من عطائي بقية فقويت بها إخواني، فقال أحمر بن شميط مبادرا لهم قبل ان يكلموه: يا بن همام، إن كنت أردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله، وإن كنت إنما اعتريت به رضا الناس وطلب أموالهم، فاكدم الجندل، فو الله ما من قال قولا لغير الله وفي غير ذات الله بأهل أن ينحل، ولا يوصل، فقال له: عضضت بأير أبيك! فرفع يزيد بن انس السوط وقال لابن همام: تقول هذا القول يا فاسق! وقال لابن شميط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام وأخذ بيده إبراهيم بن الأشتر فألقاه وراءه، وقال: أنا له جار، لم تأتون إليه ما ارى! فو الله إنه لواصل الولاية، راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، ولا تسفكوا دمه ووثبت مذحج فحالت دونه، وقالوا: أجاره ابن الأشتر، لا والله لا يوصل إليه قال: وسمع لغطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم: إذا قيل لكم خير فاقبلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا، وإن لم تقدرواعلى مكافأة فتنصلوا، واتقوا لسان الشاعر، فإن شره حاضر، وقوله فاجر، وسعيه بائر، وهو بكم غدا غادر فقالوا: أفلا نقتله؟ قال: إنا قد آمناه وأجرناه، وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الأشتر، فجلس مع الناس قال: ثم إن إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفا وفرسا ومطرفا فرجع بها وقال: لا والله، لا جاورت هؤلاء أبدا وأقبلت هوازن وغضبت واجتمعت في المسجد غضبا لابن همام، فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عما اجتمعوا له، ففعلوا، وقال ابن همام لابن الأشتر يمدحه: أطفأ عني نار كلبين ألبا ... علي الكلاب ذو الفعال ابن مالك فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك وقد غضبت لي من هوازن عصبه ... طوال الذرا فيها عراض المبارك إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك وثبتم علينا يا موالي طيئ ... مع ابن شميط شر ماش وراتك وأعظم ديّار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك فيا عجبا من أحمس ابنة أحمس ... توثب حولي بالقنا والنيازك كأنكم في العز قيس وخثعم ... وهل أنتمُ إلا لئام عوارك وأقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثب بنو أسد وأحمس! والله لا نرضى بهذا أبدا فبلغ ذلك المختار، فبعث إليه فدعاه، ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا بن شداد، إن الذي فعلت نزغة من نزغات الشيطان، فتب إلى الله، قال: قد تبت، وقال: إن هذين أخواك، فأقبل إليهما، واقبل منهما، وهب لي هذا الأمر، قال: فهو لك، وكان ابن همام قد قال قصيدةأخرى في أمر المختار، فقال: أضحت سليمى بعد طول عتاب ... وتجرم ونفاد غرب شباب قد ازمعت بصريمتى وتجنبى ... وتهوك مذ ذاك في إعتاب لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتوكلت همدان بالأسباب ورأيت أصحاب الدقيق كأنهم ... حول البيوت ثعالب الأسراب ورأيت أبواب الأزقة حولنا ... دربت بكل هراوة وذباب أيقنت أن خيول شيعة راشد ... لم يبق منها فيش أير ذباب

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفلهم وأدخل الرعب قلوبهم، وتنزل هاهنا! سربنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع. ولا يمتنع كبير امتناع، فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم بن الأشتر أمامه، وعبى أصحابه على الح

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    وراءه، وقال: أنا له جار، لم تأتون إليه ما ارى! فو الله إنه لواصل الولاية، راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، ولا تسفكوا دمه ووثبت مذحج فحالت دونه، وقالوا: أجاره ابن الأشتر، لا والله لا يوصل إليه قال: وسمع لغطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم: إذا قيل لكم خير فاقب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    لى حق؟ قال: قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقا قال: فقلت له هذه المقالة، وأنا والله لهم على شهادتهم متهم، غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم، وأحب تمام ذلك الأمر، فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك، فقال لي ابن الأشتر: اكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف ودعا بصحيفة ودواة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    ن يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك وقد غضبت لي من هوازن عصبه ... طوال الذرا فيها عراض المبارك إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك وثبتم علينا يا موالي طيئ ... مع ابن شميط شر ماش وراتك وأعظم ديّار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك فيا عجبا من أحمس ابنة أحمس ... توثب حولي بالقنا والنيازك كأنكم في ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
249229
Book record
shamela-9783
Source record
338499
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
الخبر عما كَانَ من أمرهما فِي ذَلِكَ وظهور المختار للدعوة إِلَى مَا دعا إِلَيْهِ الشيعة بالكوفة: — shamela-9783 · Hadith Research Library