page 1206, entry [172]Open original source
غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمَّا كَانَتِ الظهر، اتى جبريل رسول الله ص- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ- مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ جِبْرِيلُ: مَا وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ السلاح وما رجعت الان الا من طَلَبِ الْقَوْمِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّدُ بِالسَّيْرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَا عَامِدٌ إِلَى بنى قريظة. [فامر رسول الله ص مُنَادِيًا، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: إِنَّ مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلا فِي بنى قريظة]وقدم رسول الله ص عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَايَتِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَابْتَدَرَهَا النَّاسُ، فَسَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب ع، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْحُصُونِ، سَمِعَ مِنْهَا مقاله قبيحه لرسول الله ص منهم، فرجع حتى لقى رسول الله ص بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا عَلَيْكَ أَلا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلاءِ الأَخَابِثِ! قَالَ: لِمَ؟ أَظُنُّكُ سَمِعْتَ لِي مِنْهُمْ أَذًى! قَالَ: نَعَمْ يا رسول الله لَوْ قَدْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شيئا [فلما دنا رسول الله ص مِنْ حُصُونِهِمْ، قَالَ: يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ، هَلْ أَخْزَاكُمُ اللَّهُ، وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ!] قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كُنْتَ جَهُولا وَمَرَّ رَسُولُ الله ص عَلَى أَصْحَابِهِ بِالصُّورَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، عَلَيْهَا رِحَالُهُ عَلَيْهَا قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ، فَقَالَ رسول الله ص: ذَلِكَ جِبْرِيلُ، بُعِثَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَمَّا اتى رسول الله ص بَنِي قُرَيْظَةَ، نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، يُقَالُ لَهَا بِئْرُ أَنَّا، فَلاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَأَتَاهُ رِجَالٌ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ، [لِقَوْلِ رسول الله ص: لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ] إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْهُ بُدٌّ مِنْ حَرْبِهِمْ، وَأَبَوْا أَنْ يُصَلُّوا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ص: حتى تأتوا بَنِي قُرَيْظَةَ، فَصَلَّوُا الْعَصْرَ بِهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَمَا عَابَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، ولا عنفهم به رسول الله ص وَالْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بشر، قال: حدثنا محمد ابن عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عائشة، قالت: ضرب رسول الله ص عَلَى سَعْدٍ قُبَّةً فِي الْمَسْجِدِ، وَوَضَعَ السِّلاحَ-- يعنى عند منصرف رسول الله ص مِنَ الْخَنْدَقِ- وَوَضَعَ الْمُسْلِمُونَ السِّلاحَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ع، فقال: اوضعتم السلاح! فو الله مَا وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ بَعْدُ السِّلاحَ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فقاتلهم، فدعا رسول الله ص بِلَأْمَتِهِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ، فَمَرَّ بِبَنِي غَنْمٍ، فَقَالَ: مَنْ مَرَّ بِكُمْ؟ قَالُوا: مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ-- وَكَانَ يُشَبِّهُ سُنَّتَهُ ولحيته ووجهه بجبريل ع- حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وَسَعْدٌ فِي قُبَّتِهِ الَّتِي ضرب عليه رسول الله ص فِي الْمَسْجِدِ، فَحَاصَرَهُمْ شَهْرًا- أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً- فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ قِيلَ لَهُمُ: انزلوا على حكم رسول الله، فَأَشَارَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ إِنَّهُ الذَّبْحُ، فَقَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ معاذ، فقال رسول الله ص: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَنَزَلُوا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ص بِحِمَارٍ بِإِكَافٍ مِنْ لِيفٍ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ قَالَتْ عائشة: لقد كان برا كَلْمُهُ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهُ إِلا مِثْلُ الْخَرْصِ. رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قال: وحاصرهم رسول الله ص خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتَّى جَهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ* الله فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ*- وقد كان حيي بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ- فلما أيقنوا ان رسول الله ص غَيْرَ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وانى عارضعَلَيْكُمْ خِلالا ثَلاثًا فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ! قَالُوا: وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لَقَدْ كَانَ تَبَيَّنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّهُ لَلَّذِي كُنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكِمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، قَالُوا: لا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غيره قال: فإذ أَبَيْتُمْ هَذِهِ عَلَيَّ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالا مُصَلِّتِينَ السيوف، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثِقَلا يُهِمُّنَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكْ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا شَيْئًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنَّ النِّسَاءَ وَالأَبْنَاءَ قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلاءِ الْمَسَاكِينَ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ! قَالَ: فإذ أَبَيْتُمْ هَذِهِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُوا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ واصحابه غره قالوا: نفسد سبتنا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحْدَثَ فِيهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، إِلا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ فَأَصَابَهُ مِنَ الْمَسْخِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ. قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حَازِمًا. قَالَ: ثم انهم بعثوا الى رسول الله ص: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لَبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ- وَكَانُوا حُلَفَاءَ الأَوْسِ- نَسْتَشِيرُهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ الله ص إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَبَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ! قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ: إِنَّهُ الذَّبْحُ، قَالَ ابو لبابه: فو الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وجهه، ولم يأت رسول الله صحَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ، وَقَالَ: لا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يتوب الله على ما صنعت، وعاهد الله الا يَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا. وَقَالَ: لا يَرَانِي اللَّهُ فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ ابدا فلما بلغ رسول الله ص خَبَرُهُ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ- وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ-[قَالَ: اما لو جاءني لاستغفرت له، فاما إذ فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّ تَوْبَةَ ابى لبابه انزلت على رسول الله ص: وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ أُمُّ سلمه: فسمعت رسول الله ص مِنَ السَّحَرِ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ! قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، فَقُلْتُ: أَلا أُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: بَلَى إِنْ شِئْتِ، قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا- وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ- فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْشِرْ فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ قَالَ: فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ حتى يكون رسول الله ص هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ خَارِجًا إِلَى الصُّبْحِ أَطْلَقَهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ وَأُسَيْدَ بْنَ سعيه، واسد ابن عُبَيْدٍ- وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَدَلٍ، لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلا النَّضِيرِ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ- هُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ عَلَى حُكْمِ رسول الله ص- وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُسعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله ص، وعليه مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيُّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عَمْرُو بْنُ سُعْدَى- وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ص، وَقَالَ: لا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا- فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنِي عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ص بِالْمَدْيِنَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ ذَهَبَ فَلا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِهِ هذا! فذكر لرسول الله ص شَأْنُهُ، [فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ] . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أَوْثَقَ بِرِمَّةٍ فِيمَنْ أَوْثَقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَأَصْبَحَتْ رِمَّتُهُ مُلْقَاةً لا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، فقال رسول الله ص فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله ص، فَتَوَاثَبَتِ الأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ بِالأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتَ- وَقَدْ كَانَ رسول الله ص قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُمْ عبد الله بن ابى بن سَلُولَ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ فَلَمَّا كَلَّمَهُ الأَوْسُ [قَالَ رسول الله ص: أَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ! قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَذَاكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ]- وَكَانَ سَعْدُ بْنُ معاذ قد جعله رسول الله ص في خيمه امراه من اسلم يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ، كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السَّهْمُ بِالْخَنْدَقِ: اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ، حَتَّى أَعُودَهُ مِنْ قريب- فلماحكمه رسول الله ص فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أَتَاهُ قَوْمُهُ، فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطَّئُوا لَهُ بِوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ- وَكَانَ رَجُلا جَسِيمًا- ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رسول الله ص، وَهُمَ يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ فِي مواليك، فان رسول الله ص إِنَّمَا وَلاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عليه قال: قد انى لِسَعْدٍ أَلا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ الى رسول الله ص والمسلمين، قال رسول الله ص- فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَلْقَمَةَ: فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: فَلَمَّا طلع- يعنى سعدا-[قال رسول الله ص: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ- أَوْ قَالَ: إِلَى خَيْرِكُمْ- فانزلوه، فقال رسول الله ص: احْكُمْ فِيهِمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَأَنْ تُسْبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ فَقَالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ] . رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص والمسلمون، قال رسول الله ص: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أبا عمرو، ان رسول الله ص قَدْ وَلاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مَا حَكَمْتُ! قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وعلى من هاهنا؟ - في الناحية التي فيها رسولالله ص، وهو معرض عن رسول الله ص اجلالا له- فقال رسول الله ص: نَعَمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُقْسَمَ الأَمْوَالُ، وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ] . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ استنزلوا، فحبسهم رسول الله ص فِي دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النجار ثم خرج رسول الله ص إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يَخْرُجُ بِهِمْ إِلَيْهِ أَرْسَالا، وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وكعب بن اسد، راس القوم، وهم ستمائه او سبعمائة، المكثر لهم يقول: كانوا من الثمانمائة الى التسعمائة وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ- وَهُمْ يَذْهَبُ بهم الى رسول الله ص أَرْسَالا-: يَا كَعْبُ، مَا تَرَى مَا يُصْنَعُ بِنَا! فَقَالَ كَعْبٌ: فِي كُلِّ مَوْطِنٍ لا تَعْقِلُونَ: أَلا تَرَوْنَ الدَّاعِي لا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذَهَبَ بِهِ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتَّى فرغ منهم رسول الله ص، وَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فُقَاحِيَةٌ قَدْ شَقَّقَهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ كَمَوْضِعِ الأَنْمُلَةِ، أَنْمُلَةً أَنْمُلَةً، لِئَلا يُسْلَبَهَا، مَجْمُوعَةُ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ فَلَمَّا نظر الى رسول الله ص، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهَ يُخْذَلْثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، انه لا باس بأمر الله، كتاب اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَمَلْحَمَةٍ قَدْ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ: لَعَمْرُكَ مَا لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ ... وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهُ يُخْذَلِ لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا ... وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلُّ مُقَلْقَلِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إِلا امْرَأَةً وَاحِدَةً قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي، وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وبطنا، ورسول الله ص يَقْتُلُ رِجَالَهُمْ بِالسُّوقِ، إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا: أَيْنَ فُلانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ قَالَتْ: قُلْتُ: وَيْلَكِ مَا لَكِ! قَالَتْ: أُقْتَلُ! قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: حَدَثٌ أَحْدَثْتُهُ. قَالَتْ: فَانْطَلَقَ بِهَا فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: مَا أَنْسَى عَجَبَنَا مِنْهَا، طِيبُ نَفْسٍ وَكَثْرَةُ ضَحِكٍ، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ! وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ- كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ- أَتَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا الْقُرَظِيُّ- وَكَانَ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ- وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: مِمَّا ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزَّبِيرِ، أَنَّهُ كَانَ مَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ بُعَاثٍ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَجَاءَهُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ!قَالَ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي، قَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ ثُمَّ اتى ثابت رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانَتْ لِلزَّبِيرِ عِنْدِي يَدٌ، وَلَهُ عَلَيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ فَقَالَ رسول الله ص: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله ص قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ فَهُوَ لَكَ، قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لا أَهْلَ لَهُ وَلا وَلَدَ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ! فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، قَالَ: هُمْ لَكَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَدْ أَعْطَانِي امْرَأَتَكَ وَوَلَدَكَ فَهُمْ لَكَ. قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَاز لا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بقاؤهم! فاتى ثابت رسول الله ص، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالُهُ! قَالَ: هُوَ لك، فأتاه فقال: ان رسول الله قَدْ أَعْطَانِي مَالَكَ فَهُوَ لَكَ، قَالَ: أَيْ ثَابِتُ! مَا فَعَلَ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ تَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ، كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي، حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إِذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيتُنَا إِذَا كَرَرْنَا، عَزَّالُ بْنُ شمويلَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ- يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ- قَالَ: ذَهَبُوا، قُتِلُوا قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِيَدِي عِنْدَكَ يا ثابت، الا ألحقتني بالقوم، فو الله مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلاءِ مِنْ خَيْرٍ، فما انا بصابر الله قِبْلَةَ دَلْوٍ نُضِحَ حَتَّى أَلْقَى الأَحِبَّةَ! فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ قَوْلُهُ: أَلْقَى الأَحِبَّةَ قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشِّمَاسِ فِي ذَلِكَ، يَذْكُرُ الزَّبِيرَ بْنَ بَاطَا:وَفَتْ ذِمَّتِي أَنِّي كَرِيمٌ وَأَنَّنِي ... صَبُورٌ إِذَا مَا الْقَوْمُ حَادُوا عَنِ الصَّبْرِ وَكَانَ زَبِيرٌ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنَّةً ... عَلَيَّ فَلَمَّا شُدَّ كُوعَاهُ بِالأَسْرِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَيْمَا أَفُكَّهُ ... وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَحْرًا لَنَا يَجْرِي [قَالَ: وَكَانَ رسول الله ص قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ مَنْ أُنْبِتَ مِنْهُمْ] . فَحَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، أَنَّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ أُمَّ الْمُنْذِرِ أُخْتَ سُلَيْطِ بْنِ قيس- وكانت احدى خالات رسول الله ص، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتْهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ- سَأَلَتْهُ رِفَاعَةَ بْنَ شمويلَ الْقُرَظِيَّ- وَكَانَ رَجُلا قَدْ بَلَغَ وَلاذَ بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ- فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! هَبْ لِي رِفَاعَةَ بْنَ شمويلَ، فَإِنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ سَيُصَلِّي، وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ، فَوَهَبَهُ لَهَا، فَاسْتَحَيْتُهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ ان رسول الله ص قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلَمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَهْمَانِ الْخَيْلِ وَسَهْمَانِ الرِّجَالِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرَّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتَّةً وَثَلاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ أول فيء وقع فيه السهمان واخرج منه الْخُمُسِ، فَعَلَى سُنَّتِهَا وَمَا مَضَى مِنْ رَسُولِ الله ص فِيهَا وَقَعَتِ الْمَقَاسِمُ، وَمَضَتِ السُّنَّةُ فِي الْمَغَازِي، وَلَمْ يَكُنْ يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ إِذَا كَانَتْ مَعَ الرَّجُلِ إِلا لِفَرَسَيْنِ. ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ،أَخَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ سَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُ بِهِمْ خيلا وسلاحا، وكان رسول الله ص قَدِ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عمرو بن خنافه إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَكَانَتْ عند رسول الله ص حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كان رسول الله ص عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكَنِي فِي مِلْكِكَ فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ فَتَرَكَهَا، وَقَدْ كانت حين سباها رسول الله ص قَدْ تَعَصَّتْ بِالإِسْلامِ، وَأَبَتْ إِلا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رسول الله ص وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا، فَبَيْنَا هُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإِسْلامِ رَيْحَانَةَ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ. فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا- كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَلْقَمَةَ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ: ثُمَّ دَعَا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ- يَعْنِي بَعْدَ أَنْ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ مَا حَكَمَ- فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُقَاتِلَ أَوْ أُجَاهِدَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِكَ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ، فرجعه رسول الله ص إِلَى خَيْمَتِهِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ قالت عائشة: فحضره رسول الله ص، وابو بكر، وعمر، فو الذى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لأَعْرِفُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءِ عُمَرَ وَإِنِّي لَفِي حُجْرَتِي قَالَتْ: وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿: «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ»قَالَ عَلْقَمَةُ: أَيُّ أُمَّهْ! كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ رسول الله ص؟ قَالَتْ: كَانَتْ عَيْنُهُ لا تَدْمَعُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَدَّ وَجْدُهُ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ إِذَا وَجَدَ فَإِنَّمَا هُوَ آخِذٌ بِلِحْيَتِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قال: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إِلا سِتَّةُ نَفَرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، وَقُتِلَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ خَلادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عمرو ابن بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا. وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، ورسول الله ص مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي قريظة. [ولما انصرف رسول الله ص عَنِ الْخَنْدَقِ، قَالَ: الآنَ نَغْزُوهُمْ- يَعْنِي قُرَيْشًا- وَلا يَغْزُونَنَا،] فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تعالى على رسوله ص مَكَّةَ. وَكَانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي صَدْرِ ذِي الْحَجَّةِ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: غزاهم رسول الله ص فِي ذِي الْقَعْدَةِ، لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْه، وَزَعَمَ ان رسول الله ص أَمَرَ أَنْ يُشَقَّ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فِي الأَرْضِ أَخَادِيدَ ثُمَّ جَلَسَ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَضْرِبَانِ أَعْنَاقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قتلها النبي ص يَوْمَئِذٍ كَانَتْ تُسَمَّى بُنَانَةَ، امْرَأَةُ الْحَكَمِ الْقُرَظِيِّ، كَانَتْ قَتَلَتْ خَلادَ بْنَ سُوَيْدٍ، رَمَتْ عَلَيْهِ رحى، فدعا له رسول الله ص، فَضُرِبَ عُنُقُهَا بِخَلادِ بْنِ سُوَيْدٍ. وَاخْتُلِفَ فِي وقت غزوه النبي ص بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ- وَالْمُرَيْسِيعُ اسْمُ مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ خُزَاعَةَ بِنَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إِلَى السَّاحِلِ- فقال: ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد،قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص غزا بني المصطلق من خزاعة، فِي شعبان سنة ست من الهجرة. وقال الواقدي: غزا رسول الله ص المريسيع فِي شعبان سنة خمس من الهجرة وزعم أن غزوة الخندق وغزوة بني قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بني المصطلق من خزاعة. وزعم ابن إسحاق- فيما حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عنه- أن النبي ص انصرف بعد فراغه من بني قريظة، وذلك فِي آخر ذي القعدة أو فِي صدر ذي الحجة- فأقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وولي الحجة فِي سنة خمس المشركونذكر الأحداث التي كانت فِي