Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العبّاسىّ البغداذىّ

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية · page 1238, entry [1184]

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Open narrator profile: عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العبّاسىّ البغداذىّ
page 1238, entry [1184]Open original source
١١٠٩ - عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العبّاسىّ البغداذىّ (¬**) أفضل خلفاء بنى العبّاس على الإطلاق.ذكره صاحب «النّجوم الزّاهرة»، وقال: كان نبيلا، قرأ القرآن فى صغره، وسمع من هشيم، وعبّاد بن العوّام، ويوسف بن أبى عطيّة، وأبى معاوية الضّرير، وطبقتهم، وبرع فى الفقه على مذهب أبى حنيفة، ﵁، والعربيّة، وأيّام النّاس، ولمّا كبر عنى بالفلسفة وعلوم الأوائل، ومهر فيها، فجرّه ذلك لقوله بخلق القرآن، وكان من رجال بنى العبّاس، حزما، وعزما، وعلما، وحلما، ورأيا/، ودهاء، وهيبة، وشجاعة، وسؤددا، وسماحة، لولا أنّه شان ذلك بقوله بخلق القرآن. انتهى. أقول: قد تقدّم فى ترجمة ابن أبى دواد (¬١) ذكر شئ من أخبار المأمون وأوصافه على سبيل الاختصار، كنّا سقناه على سبيل الاستطراد، قبل أن اطّلعنا على كلام صاحب «النجوم الزاهرة» هذا، وأنّه كان حنفىّ المذهب، ولمّا علمنا ذلك وتحقّقناه، تعيّن علينا ذكره فى هذا المحلّ إجمالا وتفصيلا، فنقول، وبالله الإعانة، ومنه الهداية: كانت ولادة المأمون، كما رواه الخطيب وغيره، سنة سبعين ومائة، فى الليلة التى ملك فيها أبوه هارون فى شهر ربيع الأوّل، وقد مات فى هذه الليلة خليفة، وولد خليفة، وولى خليفة، مات موسى، وولى الرشيد، وولد المأمون، وكثيرا ما يذكر المؤرّخون هذه الليلة فى غرائب الاتّفاق، وكان المأمون أبيض اللّون، ربعة، حسن الوجه، قد وخطه الشّيب، تعلوه صفرة، أعين، طويل اللّحية رقيقها، ضيّق الجبين، على خدّه خال، وكان ساقاه دون سائر جسده صفراوين، حتى كأنّهما طليتا بالزّعفران. وعن اليزيدىّ، أنّه قال (¬٢): كنت أؤدّب المأمون، فأتيته يوما، فوجدته داخل المنزل، فوجّهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكانى، فأبطأ علىّ، ثم وجّهت إليه آخر، فأبطأ وتأخّر، فلما خرج أمرت بحمله، فضربته سبع درر. قال: فإنّه ليدلك عينيه من البكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل. فأخذ منديلا، فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشة، وقعد عليها متربّعا، ثم قال: ليدخل. فدخل فقمت من المجلس، وخفت أن يشكونى إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجههوحديثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما همّ بالحركة، دعا بدابّته، وأمر غلمانه، فسعوا بين يديه، ثم سأل عنّى، فجئت، فقال: خذ علىّ ما بقى من جزئى. فقلت: أيّها الأمير، أطال الله بقاك، لقد خفت أن تشكونى إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكّر لى. فقال: أترانى يا أبا محمد كنت أطلع الرّشيد على هذه، فكيف بجعفر ابن يحيى حتى أطلعه؟ إنّى أحتاج إلى أدب، إذا يغفر الله لك بعد ظنّك، ووجيب قلبك، خذ فى أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، ولو عدت فى كلّ يوم مائة مرّة. وكانت ولايته الخلافة فى المحرّم، لخمس بقين منه، بعد مقتل أخيه، سنة ثمان وتسعين ومائة، فاستمرّ فى الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر. قال ابن كثير، فى «تاريخه» (¬١): وقد بايع فى سنة إحدى ومائتين بولاية العهد من بعده لعلىّ الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين ابن الحسين الشّهيد بن علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنهم أجمعين، وخلع السّواد، ولبس الخضرة، كما قدّمنا، فأعظم ذلك العبّاسيّون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون، وولّوا عليهم إبراهيم بن المهدىّ، ثم ظفر بهم المأمون، واستقام أمره فى الخلافة، وذلك بعد موت علىّ الرّضا بطوس، وعفا عن عمه إبراهيم بن المهدىّ. قال: وروى الخطيب البغداذىّ (¬٢)، عن القاسم بن محمد بن عبّاد، قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان، والمأمون، وهذا غريب جدّا. قالوا: وكان يتلو فى شهر/رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة. وجلس يوما لإملاء الحديث، فاجتمع حوله القاضى يحيى بن أكتم، وجماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا. وكانت له بصيرة بعلوم متعدّدة؛ من فقه، وطبّ، وشعر، وفرائض، وكلام، ونحو، وعربيّة، وغريب، وعلوم النّجوم، وإليه ينسب الزّيج المأمونىّ. *وروى ابن عساكر (¬٣)، أنّ المأمون جلس يوما للناس، وفى مجلسه العلماء والأمراء، فجاءت امرأة تتظلّم إليه، فذكرت أنّ أخاها توفّى، وترك ستّمائة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقّك؛ لأنّأخاك قد ترك بنتين، وأمّا، وزوجة، واثنى عشر أخا، وأختا، وهى أنت. قالت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: للبنتين الثّلثان، أربعمائة دينار، وللأمّ السّدس، مائة دينار، وللزّوجة الثّمن، خمسة وسبعون دينارا، يبقى خمسة وعشرون دينارا، لكلّ أخ ديناران، ولك دينار واحد. فتعجّب الناس من فطنته وسرعة جوابه. وقد روينا هذه الحكاية أيضا عن على بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ودخل [بعض] (¬١) الشّعراء على المأمون (¬٢)، وأنشده بيتا من شعره قاله فيه، وكان الشاعر يعجب به، فلم يقع من المأمون موقعا، ولا رفع له رأسا، فلما خرج من عنده لقيه شاعر آخر، فشكا له حاله، وعدم إقبال المأمون على شعره، فقال له: ما هو؟ فقال: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدّين والناس بالدّنيا مشاغيل فقال له ذلك الشاعر: ما زدت على أن جعلته عجوزا فى محرابها، فى يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدّنيا إذا كان مشغولا عنها، وهو المطوّق بها، فهلا قلت كما قال جرير فى عبد العزيز بن الوليد، وهو (¬٣): فلا هو فى الدّنيا مضيع نصيبه … ولا غرض الدّنيا عن الدّين شاغله *وروى ابن عساكر (¬٤)، من طريق النّضر بن شميل، قال: دخلت على المأمون، فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم، وينقصون من دينهم. قال: صدقت. ثم قال: يا نضر، أتدرى ما قلت فى صبيحة هذا اليوم؟ قلت: (¬٥) أنّى لى بعلم الغيب (¬٥). فقال (¬٦):أصبح دينى الذى أدين به … ولست منه الغداة معتذرا حبّ علىّ بعد النّبىّ ولا … أشتم صدّيقنا ولا عمرا (¬١) وابن عفّان فى الجنان مع الأب … رار ذاك القتيل مصطبرا لا ولا أشتم الزّبير ولا … طلحة إن قال قائل غدرا وعائش الأمّ لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا قال ابن كثير (¬٢): وهذا المذهب ثانى مراتب التّشيّع، وقبله تفضيل علىّ على عثمان، رضى الله تعالى عنهما، وقد قال بعض السّلف: من فضّل عليّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. يعنى فى اجتهادهم ثلاثة أيّام، ثم اتّفقوا على/تقديم عثمان على علىّ بعد مقتل عمر، رضى الله تعالى عنه، وبعد ذلك ستّ عشرة مرتبة فى التّشيّع، على ما ذكره صاحب كتاب «البلاغ الأكبر، والنّاموس الأعظم»، تنتهى [به] (¬٣) إلى كفر الكفر. قال (¬٤) -أعنى ابن كثير-: وقد روينا عن أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، أنّه قال: لا أوتى بأحد يفضّلنى على أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما، إلاّ جلدته حدّ (¬٥) المفترى. وتواتر عنه أنّه قال: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، رضى الله تعالى عنهما. ثم خالف المأمون فى محبّته مذهب الصّحابة كلّهم، حتى علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنهم أجمعين. قال: وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التى أزرى فيها على المهاجرين والأنصار وخالفهم، تلك البدعة الأخرى، والطّامّة العظمى، وهى القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطى المسكر، وغير ذلك من الأفعال التى تعدّد فيها المنكر، ولكن كان فيه شهامة عظيمة، وقوة جسيمة، وله همّة فى القتال، وحصار الأعداء، ومصابرة الرّوم وحصرهم فى بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريّهم وولدانهم. وكان يقول (¬٦): معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسى.وكان (¬١) يقصد العدل، ويتولّى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلّمت من العبّاس، وهو واقف على رأسه، فأمر الحاجب فأخذ بيده، فأجلسه معها بين يديه، فادّعت عليه أنّه أخذ ضيعة لها، واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت فإنّ الحقّ أنطقها، والباطل أسكته. ثم حكم لها بحقّها، وألزم لها ولده بعشرة آلاف درهم. وكتب إلى بعض الأمراء (¬١): ليس من المروءة أن يكون آنيتك من ذهب وفضّة، وغريمك عار، وجارك طاو. ووقف رجل بين يديه، فقال له (¬٢): والله لأقتلنّك. فقال: يا أمير المؤمنين، تأنّ علىّ، فإنّ الرّفق نصف العفو. فقال: ويحك، كيف وقد حلفت لأقتلنّك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله حانثا، خير من أن تلقاه قاتلا. فعفا عنه. وكان يقول (¬١): ليت أهل الجرائم يعرفون مذهبى فى العفو، حتى يذهب الخوف عنهم، ويدخل السّرور على قلوبهم. وحضر (¬٣) عنده هدبة بن خالد يوما، فتغدّى عنده، فلمّا رفعت المائدة، جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعت يا شيخ؟ فقال: بلى، ولكن حدّثنى حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أكل ما (¬٤) تحت مائدته أمن من الفقر» (¬٥). قال: فأمر له المأمون بألف دينار. وروى ابن عساكر (¬٦)، أنّ المأمون قال يوما لمحمد بن عبّاد بن المهلّب: يا أبا عبد الله، قد أعطيتك ألف ألف وألف ألف وألف ألف، وإنّ عليك دينا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ منع الموجود، سوء ظنّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد الله، أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف.ولمّا أراد المأمون (¬١) أن يدخل ببوران، بنت الحسن بن سهل، جعل الناس يهدون لأبيها/الأشياء النفيسة، وكان من جملة الناس رجل من الأدباء، فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيّب، ومزودا فيه أشنان جيّد، وكتب إليه: إنّى كرهت أن تطوى صحيفة أهل البرّ ولا ذكر لى فيها، فوجّهت إليك بالمبتدإ به؛ ليمنه وبركته، وبالمختوم به، لطيبه ونظافته، وكتب إليه: بضاعتى تقصر عن همّتى … وهمّتى تقصر عن مالى والملح والأشنان يا سيّدى … أحسن ما يهديه أمثالى قال: فدخل بهما الحسن بن سهل على المأمون، فأعجبه ذلك، وأمر بالمزودين، ففرّغا وملئا دنانير، وبعث بهما إلى ذلك الأديب. وولد للمأمون ابنه جعفر (¬٢)، وبه كان يكنى، فدخل عليه الناس يهنّونه بصنوف التّهانى، ودخل فى جملتهم بعض الشعراء (¬٣)، وأنشده قوله: مدّ لك الله الحياة مدّا … حتى يريك ابنك هذا جدّا ثمّ يفدّى مثلما تفدّى … كأنّه أنت إذا تبدّى أشبه منك قامة وقدّا … مؤزّرا بمجده مردّى فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقدم عليه، وهو بدمشق (¬٤)، مال جزيل بعد ما كان قد أفلس، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورد عليه خزائن من خراسان فيها ثلاثون ألف ألف، فخرج يستعرضها، وقد زيّنت الجمال والإجمال، ومعه يحيى بن أكتم (¬٥) القاضى، فلما دخلت البلد، قال: ليس من المروءة أن نحوز هذا كلّه والناس ينظرون. ثم فرّق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم، ورجله فى الركاب، لم ينزل عن فرسه. ومن لطيف شعره (¬٦):لسانى كتوم لأسراركم … ودمعى نموم بسرّى مذيع (¬١) فلولا دموعى كتمت الهوى … ولولا الهوى لم يكن لى دموع وقد بعث خادما له (¬٢) ليلة من الليالى، ليأتيه بجارية كان يهواها، فأطال عندها المكث، وتمنّعت الجارية من المجئ إليه حتى يأتى إليها بنفسه، فأنشأ المأمون يقول (¬٣): بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة … وأغفلتنى حتى أسأت بك الظّنّا وناجيت من أهوى فكنت مقرّبا … فيا ليت شعرى عن دنوّك ما أغنى (¬٤) وردّدت طرفا فى محاسن وجهها … ومتّعت باستمتاع نغمنها أذنا (¬٥) أرى أثرا فى صحن خدّك لم يكن … لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا (¬٦) ولمّا ابتدع المأمون (¬٧) ما ابتدع من التّشيّع والاعتزال، فرح بذلك بشر المريسىّ، وكان شيخا للمأمون فى ذلك، وأنشد: قد قال مولى الورى وسيّدنا … قولا له فى الكتاب تصديق (¬٨) إنّ عليّا أعنى أبا حسن … أفضل من أرقلت به النّوق (¬٩) /بعد نبىّ الهدى وإنّ لنا … أعمالنا والقرآن مخلوق فأجابه بعض الشعراء من أهل السّنّة، فقال: يا أيّها الناس لا قول ولا عمل … لمن يقول كلام الله مخلوق ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر … ولا النّبىّ ولم يذكره صدّيقولم يقل ذاك إلاّ كلّ مبتدع … على الإله وعند الله زنديق أصيح يا قوم عقلا من خليفتكم … يمسى ويصبح فى الأغلال موثوق (¬١) وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذه الأبيات، فيؤدّبه على ذلك، فقال له: ويحك، لو كان فقيها لأدّبته، ولكنّه شاعر، فلست أعرض له. ولمّا تجهّز المأمون للغزو (¬٢)، فى آخر سفرة سافرها إلى طرسوس، استدعى بجارية كان يحبّها، وقد اشتراها فى آخر عمره، فضمّها إليه، فبكت الجارية، وقالت: قتلتنى يا أمير المؤمنين بسفرك هذا. ثم أنشأت تقول: سأدعو دعوة المضطرّ ربّا … يثيب على الدّعاء ويستجيب لعلّ الله أن يكفيك حربا … ويجمعنا كما تهوى القلوب فضمّها إليه، ثم أنشأ متمثّلا يقول: فيا حسنها إذ يغسل الدّمع كحلها … وإذ هى تذرى الدّمع منها الأنامل صبيحة قالت فى العتاب قتلتنى … وقتلى بما قالت هناك تحاول ثم أمر الخادم (¬٣): مروا بالإحسان إليها، والاحتفاظ عليها حتى يرجع، ثم قال: نحن كما قال الأخطل (¬٤): قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النّساء ولو باتت بأطهار ثم ودّعها وسافر (¬٥)، فمرضت الجارية فى غيبته، ومات المأمون أيضا. وقيل: إنّه لمّا مات جاء نعيّه إليها، تنفّست الصّعداء، وحضرها الموت، وأنشأت تقول، وهى فى السّياق: إنّ الزّمان سقانا من مرارته … بعد الحلاوة أنفاسا فأروانا أبدى لنا تارة منه فأضحكنا … ثم انثنى تارة أخرى فأبكاناإنّا إلى الله فيما لا يزال لنا … من القضاء ومن تلوين دنيانا دنيا نراها ترينا من تصرّمها … ما لا يدوم مصافاة وأحزانا ونحن فيها كأنّا لا يزايلنا … عيش فأحياؤنا يبكون موتانا وروى الخطيب فى «تاريخه» (¬١): أن هارون الرّشيد كان له جارية غلاميّة، تصبّ على يده، وتقف على رأسه، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد، فبينا هى تصبّ على هارون من إبريق معها، فأشار إليها المأمون بقبلة، فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصّبّ، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟ فتلكّأت عليه-ضعى ما معك، علىّ كذا إن لم تخبرينى لأقتلنّك. فقالت: أشار إلىّ عبد الله بقبلة، فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرّعب/ما رحمه منه، فاعتنقه، وقال: أتحبّها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: قم فاخل بها فى تلك القبّة. فقام ففعل، فقال له هارون: قل فى هذا شعرا. فأنشأ يقول: ظبى كنيت بطرفى … عن الضّمير إليه قبّلته من بعيد … فاعتلّ من شفتيه وردّ أخبث ردّ … بالكسر من حاجبيه فما برحت مكانى … حتى قدرت عليه وعن ابن أبى دواد، أنّه قال (¬٢): دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية فى كتاب الله تعالى. قال: وما هى؟ قال: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (¬٣). فقال له المأمون: ألك علم بأنّها منزّلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمّة. قال: فكما رضيت بإجماعهم فى التّنزيل، فارض بإجماعهم فى التّأويل. قال: صدقت يا أمير المؤمنين. وكان المأمون يقول (¬٢): غلبة الحجّة أحبّ إلىّ من غلبة القدرة؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجّة لا يزيلها شئ. ومن مكارم أخلاقه (¬٤)، ما حكاه يحيى بن أكتم، قال: بتّ ليلة عند المأمون،فعطشت فى جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآنى المأمون، فقال: مالك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا والله عطشان. قال: ارجع إلى موضعك. فقام والله إلى البرّادة، فجاءنى بكوز ماء، وقام على رأسى، فقال: اشرب يا يحيى. فقلت: يا أمير المؤمنين، هلاّ وصيف أو وصيفة يقوم بذلك؟ فقال: إنّهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم للشّرب. فقال لى: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ثم قال: يا يحيى. فقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا أحدّثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: حدّثنى الرشيد، قال: حدّثنى المهدىّ، قال: حدّثنى المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: حدّثنى جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيّد القوم خادمهم» (¬١). وعن يحيى أيضا (¬٢): ما رأيت أكرم من المأمون، بتّ عنده ليلة، فعطش، وقد نمنا، فكره أن يصيح بالغلمان، فانتبه وكنت منتبها، فرأيته قد قام يمشى قليلا قليلا إلى البرّادة، وبينه وبينها بعد، حتى شرب ورجع. قال يحيى: ثم بتّ عنده ونحن بالشام، وما معى أحد، فلم يجئنى (¬٣) النوم، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّ قميصه كى لا أنتبه، ثم حملنى آخر الليل النّوم، وكان له وقت يقوم فيه يستاك، فكره أن ينبّهنى، فلمّا ضاق الوقت عليه تحرّكت، فقال: الله أكبر، يا غلمان، نعل أبى محمد. وقال يحيى أيضا (¬٤)، كنت أمشى يوما مع المأمون فى بستان موسى، فى ميدان البستان، والشمس علىّ، وهو فى الظّلّ، فلمّا رجعنا قال لى: كن الآن أنت فى الظّلّ. فأبيت عليه، فقال: أوّل العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السّفلى. وعن عبد الله بن محمود المروزىّ، قال (¬٤): سمعت يحيى بن أكتم القاضى يقول: ما رأيت أكمل آلة من المأمون. وجعل يحدّث بأشياء/استحسنها من كان فى مجلسه، ثم قال: كنت عنده ليلة أذاكره، ثم نام وانتبه، فقال: يا يحيى، انظر أيش تحت رجلى. فنظرت فلم أر شيئا، فقال: شمعة. فتبادر الفرّاشون، فقال: انظروا. فنظروا، فإذاتحت فراشه حيّة بطوله، فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب. فقال: معاذ الله، ولكن هتف بى هاتف السّاعة وأنا نائم، فقال: يا راقد الليل انتبه … إنّ الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه … ثقة محلّلة العرى وعلمت أنّه قد حدث أمر، إمّا قريب، وإمّا بعيد، فتأمّلت ما قرب، فكان ما رأيت. ***

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    انهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريّهم وولدانهم. وكان يقول (¬٦): معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسى.وكان (¬١) يقصد العدل، ويتولّى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلّمت من العبّاس، وهو واقف على رأسه، فأمر الحاجب فأخذ بيده، فأجلسه معها بين يديه، فادّعت عليه أنّه أخذ ضيعة لها، واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوت

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    حيّة بطوله، فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب. فقال: معاذ الله، ولكن هتف بى هاتف السّاعة وأنا نائم، فقال: يا راقد الليل انتبه … إنّ الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه … ثقة محلّلة العرى وعلمت أنّه قد حدث أمر، إمّا قريب، وإمّا بعيد، فتأمّلت ما قرب، فكان ما رأيت. ***

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب. فقال: معاذ الله، ولكن هتف بى هاتف السّاعة وأنا نائم، فقال: يا راقد الليل انتبه … إنّ الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه … ثقة محلّلة العرى وعلمت أنّه قد حدث أمر، إمّا قريب، وإمّا بعيد، فتأمّلت ما قرب، فكان ما رأيت. ***

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Birth Year Ah

    2

    به ذلك، وأمر بالمزودين، ففرّغا وملئا دنانير، وبعث بهما إلى ذلك الأديب. وولد للمأمون ابنه جعفر (¬٢)، وبه كان يكنى، فدخل عليه الناس يهنّونه بصنوف التّهانى، ودخل فى جملتهم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Birth Year Ah

    6

    الأعداء، ومصابرة الرّوم وحصرهم فى بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريّهم وولدانهم. وكان يقول (¬٦): معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسى.وكان (¬١) يقصد العدل، وي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو العب

    عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المه

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Kunya

    أبى جعفر المنصور

    ارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العبّاسىّ البغ

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
240723
Book record
shamela-322
Source record
52091
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد، ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس الهاشمىّ العبّاسىّ البغداذىّ — shamela-322 · Hadith Research Library