page 1089, entry [1064]Open original source
٩٩٣ - صنع الله أفندى (¬*) ابن قاضى القضاة جعفر أفندى، أحد قضاة العسكر المشهورين فى الدّيار الرّوميّة، بل فى جميع الديار الإسلامية، بالدين والصلاح والتّقوى والمروءة والعلم والعمل ومكارم الأخلاق. نشأ من صغره فى مهد الأمانة، وحجر الصّيانة، وملازمة القراءة أوّلا فى القرآن الكريم، ثم فى الكتب المعتبرة والمتون المحرّرة، والشّروح المشهورة بالتحقيق، والحواشى المعروفة بالتّدقيق، وكان لا يملّ من المطالعة والمراجعة، والاشتغال والإشغال. وكانت أيّامه كلها فى إقبال، وبلوغ آمال، تخدمه السّعود،/وتعينه الجدود، إلى أن بلغ مبالغ الرجال، وفاق الأقران والأمثال، حتى كان الإمام العلاّمة، والقدوة الفهّامة، صاحب «التفسير» الذى سارت بذكره الرّكبان، وأذعن له كلّ قاص ودان، مفتى الديار الروميّة، والممالك الإسلامية، أبو السّعود العمادىّ، رحمه الله تعالى، يراعيه ويكرمه، ويعتنى به ويقدّمه، ويرجّحه على سائر أقرانه، وأصحابه وإخوانه، ويرى مخايل النّجابة ظاهرة عليه، وعيون التّوفيق ناظرة إليه، وكان كثيرا ما يحكّمه فى التّرجيح بين الأفاضل، والمحقّقين الأماثل، ويرضى بحكمه، ويثنى على دقّة فهمه، وقد حقّق الله تعالى رجاءه فيه، وجعله قائما مقامه وناصرا له على من يعاديه. ثم بعد أن حصّل من الفضائل ما حصّل، وأنعم الله تعالى عليه بما أمّل، وصار مدرّسا فى مدارس متعدّدة، أجلّها قدرا، وأشهرها ذكرا، مدرسة الوالدة بمدينة اسكى دار، حميت عن البوار، وهى والدة السلطان مراد خان، تغمّدهما الله بالرّحمة والرّضوان، حتى إنها كانت أجلّ من السّليميّة والسّليمانيّة وغيرهما من المدارس المنسوبة إلى آل عثمان، أدام الله تعالى دولتهم إلى آخر الزمان، وكان صاحب الترجمة أجلّ من وليها من المدرّسين، وكان يلقى بها الدّروس للخاصّة والعامّة، من غير مانع ولا مدافع، بخلاف أكثر المدرّسين بالديار الرومية، فإنّ من عادتهم أن لا يمكّنوا أحدا من حضور دروسهم، سوى تلاميذهم المخصوصين بهم، ولم يزل بهذه المدرسة يفيد الطّلاّب، ويباحث أولى الألباب، ولا يبخل على أحد بفوائده، والتقاط فرائده، ولا يتكبّر على أحد فى مباحثةولا فى مناظرة، وإذا ظهر له الحقّ سلّم له وانقاد إليه، من غير تعصّب ولا عناد، كما جرت به عادة السّلف، وعادة المنصفين من الخلف. ثمّ بعد مدّة فوّضوا إليه قضاء بروسة، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء إصطنبول بولاية أناطولى، ثم قضاء العسكر بولاية روميلى، ولم يتخلّل هذه الولايات عزل ولا ما يوجب العزل؛ لأنّ سيرته كانت فى الجميع حميدة، وأفعاله سديدة، لا يعطى المناصب إلاّ لأهلها، ولا يضع الأمور إلاّ فى محلّها، يقرّب أصحاب الفضل والكمال، ويبعد أصحاب الجهل والضّلال، ويعظّم العلماء ويرفع مقامهم، ويقبل عليهم، وينظر بعين العناية إليهم. وأمّا الرّشوة فما كانت فى أيّامه تذكر إلاّ لتنكر، ولا يسأل عنها إلاّ ليهان من يأخذ منها، وقد وقع الإجماع، فى سائر البقاع، على أنّ الله تعالى قد طهّر منها يده ولسانه، وأتباعه وأعوانه، ولا شكّ ولا ريب أنّ العفّة عن الرّشوة فى مثل هذه الأيام، نعمة كبرى، وسعادة عظمى، قلّ من يوفّق لها، ويوصف بها، وأنّ أخذها من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، التى توقع فى المهالك، وتخرب الممالك، فالحمد لله الذى خصّه بأحسن الأوصاف، وأنعم عليه بجزيل الألطاف. ولم يزل سالكا فى هذه الطريق، مصحوبا من الله تعالى بالتوفيق، إلى أن فرغت المدّة، وانقضت العدّة، وأصاب السلطان عين الكمال، وجاءه مستوفى الآجال، وانتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، وجلس على سرير الملك مكانه، وولى خلافته وسلطانه، ولده الأكبر، وغصنه الأنضر، السلطان محمد خان، أدام الله تعالى دولته إلى آخر الزمان،/ونصره وأيّده على أهل الكفر والطّغيان، فأشار عليه بعض ثقاته أن يعزل سائر القضاة والأمراء، وأمراء، الأمراء، والحكّام والعمّال، وغيرهم من سائر المناصب، فعمل برأيه، وما أبقى منهم إلاّ القليل، وكان صاحب الترجمة ممّن شمله هذا العموم، وتأسّف الناس على أيّامه، وعلى ما فقدوه من عدله فى أحكامه، وصاروا يبتهلون إلى الله تعالى، ويسألونه أن يعيد عليهم ولايته. واستمرّ مقيما فى منزله، مكبّا على المطالعة والمراجعة، والتّقرير والتّحرير، والتّسويد والتّبييض، والتأليف والتّصنيف، لا يخرج من المنزل إلاّ إلى جمعة أو جماعة، أو عيادة مريض، أو زيارة أخ فى الله تعالى، وكثيرا ما كانوا يسألونه فى قبول ما يختاره من المناصب الشريفة فلا يقبل، ويرمون عليه فلا يرضى، ويدفعهم بالتى هى أحسن، وكان مع ذلك لا ينسى نصيبه من الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، بحسب الإمكان.وملخّص ما أقوله فى حقّه: إنّى ما رأيت مثله فى الديار الرومية، ولا رأى هو مثل نفسه، فنسأل الله تعالى أن يمدّ فى أجله، وأن يعينه على فعل الخيرات، وإزالة المنكرات، بمنّه وكرمه. وقد مدحته الشعراء، وكاتبته الفضلاء، وراسلوه وراسلهم، ولولا أنّى سطّرت هذه الترجمة وأنا على جناح السّفر، واشتغال الفكر، لجمعت كثيرا ممّا مدح به، وألّف فى الثّناء عليه، ولكن على كلّ خير مانع. ومن جملة محبّيه ومادحيه، جامع هذه «الطبقات»، ومن ذلك بعض أبيات قلتها فى أثناء رسالة أرسلتها إلى حضرته الشريفة، من ثغر إسكندريّة، وأنا متوجّه إلى مصر المحميّة، بعد أن سمعت الناس يقولون: إن بعض أرباب الدّولة شفعوا عنده فى إعادة قضاء الفيّوم لقاضيها السّابق، وأنه امتنع من ذلك أشدّ الامتناع، فقلت: إلهى إنّ صنعك قد تلافى … أمورى كلّها قبل التّلاف وقدّمنى وأخّر كلّ ضدّ … أراه الدّهر يسعى فى خلافى إلهى كن لصنع الله عونا … وعامله بفضل منك وافى وقدّمه على رغم الأعادى … وأخّرهم كتأخير الخوافى ولا تجعل لدولته انقطاعا … إلى يوم القيامة والتّكافى وقد استجاب الله تعالى دعانا، وله الحمد والمنّة. *وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا* (¬١) … ثم بعد مدّة طويلة سافرت إلى الديار الرّوميّة، ورأيته على جانب عظيم من الهيبة والوقار، والرّفعة والتواضع، ونفاذ الكلمة، أكثر من ذلك حين كان فى قضاء العسكر، وهذه عادة الله تعالى فى عباده، أنّ من أطاعه يطيع له العباد، ومن عصاه يعصيه كلّ أحد حتى الأهل والأولاد. ورأيت بمدينة إصطنبول من التّغيّرات والتّبدّلات، وأكل الرّشا، وإعطاء المناصب لغير أهلها، ووضع الأمور فى غير محلّها، وقلّة الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، وغيرذلك ممّا تبكى له العيون، وتحترق لأجله القلوب، وتحيّر فى تدبير رفعه العقول، وإذا انتدب لإزالته أحد من الناس الذين يخافون الله/تعالى، لا يجد له مساعدا، ولا معينا ولا معاضدا، بل ينتدب له كثير من أرباب الدولة الذين لا يريدون الإصلاح، ولا يريدون بطلان الرّشا ولا فيه النّجاح، لتكذيبه وتسفيهه، وتحميقه والرّدّ عليه، ولم أر فى تلك الديار من هو سالم من سائر أنواع النّفاق، ومن مداراة أصحاب الظلم والشّقاق، إلاّ صاحب الترجمة، فلله درّه، ما أشدّه وأصلبه فى دين الله تعالى، وما أكثر تعظيمه لشريعة رسول الله ﷺ. ولقد بالغوا فى عرض الولايات عليه، ووعدوه بأن لا يعارضوه فى أمر من الأمور، وأن يقبلوا نصائحه وشفاعاته، وهو مع ذلك مصمّم على الامتناع؛ لعلمه بأنّ أكثرهم ممّن يقول بلسانه ما ليس فى قلبه، فلما قدّر الله تعالى بوفاة شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، سعد الدين أفندى، مفتى الديار الروميّة، فى عاشر شهر ربيع الأول، سنة ثمان بعد الألف، امتدّت أعناق جماعة من موالى الديار الروميّة لطلب منصب الفتوى مكانه، وبالغوا فى الطلب والسّعى، وبذل الدنيا لمن يعينهم، ويشفع لهم ويساعدهم، وصاروا يبالغوا فى وصف أنفسهم بالعلم والعمل، والفضل والكرم، والعدل والإنصاف، وغير ذلك من المحاسن التى ليس فيهم منها قليل ولا كثير، ولا جليل ولا حقير: ولسان حال الحقّ ينشد مالها … إلاّ إمام العصر صنع الله من لم يخف فى الله لومة لائم … وصنيعه لله لا للجاه فقبل فراغهم من دفنه، بل ومن الصلاة عليه؛ جاء خطّ السلطان إلى الوزير الكبير، بتفويض منصب الفتوى إليه، من غير تعب ولا نصب، ولا بذل فضة ولا ذهب، ولا عهد ولا وعد، بل سمعنا أنّه تردّد فى القبول وعدمه، ولولا أنّه رأى القبول عليه متعيّنا، وأنّ ترك المتعيّن، ليس عند الله بهيّن، ما كان يقبله ولا يقبل عليه، فلما حصل القبول حصل عند الناس من الفرح والسّرور ما لا مزيد عليه، واستبشروا بإقبال الخيرات، وإدبار المنكرات، وقيام ناموس الشريعة، وخمود نار الرّشوة الفظيعة، وغير ذلك ممّا فيه صلاح الأئمّة، وكشف الغمّة عن الأمّة، وما مضى بعد ولايته إلاّ زمن يسير، حتى عزل بعض قضاة الجور والرّشا، وولى مكانه بعض القضاة الذين يرجى خيرهم، ويؤمن ضررهم وضيرهم، وعدّ ذلك من بركات صاحب الترجمة، وزاد سرورهم به ودعاؤهم له، وثناؤهم عليه، وصار أكثر الخواصّ من الناس يرجون منالله تعالى أن يجعله على رأس هذه المائة العاشرة لدين الله الإسلام مجدّدا، ولشريعة خير الأنام ناصرا ومؤيّدا؛ لأنّه روى عنه ﷺ، أنّه قال: «إنّ الله تعالى يقيّض لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها» (¬١). ومسألة التّجديد للناس فيها كلام كثير، وروايات مختلفة، نقل أكثرها الحافظ جلال الدّين السّيوطىّ، فى بعض مؤلّفاته، وقد أجاد وأفاد، وأتى بأقصى غايات المراد، فمن أراد الوقوف على ذلك، فلينظر ما هنالك، والله تعالى/أعلم بالصواب، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ***