Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية · page 862, entry [812]

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Open narrator profile: الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ
page 862, entry [812]Open original source
٧٥١ - الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ (¬**) الحكيم المشهور، أحد فلاسفة المسلمين، ونادرة العصر فى الذّكاء والفطنة والعلم، بحيثصار ممّن تضرب به الأمثال، وتعقد الخناصر عليه فحول الرّجال. ذكره الحافظ الذّهبىّ، فى «تاريخ الإسلام»، وشرح أحواله مفصّلة، وأسند أكثر ذلك إلى حكايته عن نفسه، والمرء أدرى بأحواله، وأعرف بأفعاله وأقواله. قال: قال، كان أبى رجلا من أهل بلخ، فسكن بخارى فى دولة نوح بن منصور، وتولّى العمل والتّصرّف بقرية كبيرة، وتزوّج بأمّى فأولدها أنا وأخى، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأحضرت معلّم القرآن ومعلّم الأدب، وأكملت عشرا من العمر وقد أتيت على القرآن، وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى منّى العجب. وكان أبى ممّن أجاب داعى المصريّين، ويعدّ من الإسماعيليّة، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل، وكذلك أخى، فربّما تذاكروا وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسى، وأخذوا يدعوننى إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة والحساب، وأخذ يوجّهنى إلى من يعلّمنى الحساب. ثم قدم بخارى أبو عبد الله النّاتلىّ (¬١) الفيلسوف، فأنزله أبى دارنا، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتّردّد فيه إلى الشيخ إسماعيل/الزّاهد، وكنت من أجود السّالكين، وقد ألفت المناظرة والبحث، ثم ابتدأت على النّاتلىّ بكتاب «إيساغوجى»، ولمّا ذكر لى أنّ حدّ الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنّوع، وأخذته فى تحقيق هذا الحدّ بما لم يسمع بمثله، تعجّب منّى كلّ التّعجّب، وحذّر والدى من شغلى بغير العلم، وكان أىّ مسألة قالها لى أتصوّرها خيرا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه، وأمّا دقائقه فلم يكن عنده منها خبر. (¬٢) ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسى، وأطالع الشّروح، حتى أحكمت علم المنطق، وكذلك كتاب أقليدس، فقرأت من أوّله إلى خمسة أشكال أو ستّة عليه، ثم تولّيت بنفسى حلّ باقيه، وانتقلت إلى المجسطى، ولمّا فرغت من مقدّماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسيّة، قال لى النّاتلىّ: حلّها وحدك، ثم اعرضها علىّ، لأبيّن لك. فكم من شكل ما عرفه الرجل إلاّ وقت عرضته عليه، وفهّمته إيّاه.ثم سافر، وأخذت فى الطّبيعىّ والإلهىّ، فصارت الأبواب تنفتح علىّ، ورغبت فى الطّبّ، وبرّزت فيه فى مديدة، حتّى بدأ الأطبّاء يقرءون علىّ، وتعهّدت المرضى، فانفتح علىّ من أبواب المعالجات النّفيسة من التّجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه، وأناظر فيه، وعمرى ستّ عشرة سنة. ثمّ أعدت قراءة المنطق، وجميع أجزاء الفلسفة، ولازمت العلم سنة ونصفا، وفى هذه المدّة ما نمت ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت فى النهار بغيره، وجمعت بين يدى ظهورا، فكلّ حجّة انظر فيها أثبت مقدّمات قياسيّة (¬١)، ورتّبتها فى تلك الظّهور، ثم نظرت فيها عساها تنتج، وراعيت شروط مقدّماته حتى تحقّق لى حقيقة الحقّ فى تلك المسألة، وكلّما كنت أتحيّر فى مسألة، أو لم أظفر بالحدّ الأوسط فى قياس، تردّدت إلى الجامع، وصلّيت، وابتهلت إلى مبدع الكلّ، حتى فتح لى المنغلق منه، وتيسّر المتعسّر، وكنت أرجع بالليل إلى دارى، وأشتغل بالكتابة والقراءة، فمهما غلبنى النّوم، أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشّراب، ريثما تعود إلىّ قوّتى، ثم أرجع إلى القراءة، ومهما غلبنى أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها. ثمّ إنّ كثيرا من المسائل اتّضح لى وجوهها فى المنام، حتّى استحكم معى جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنسانىّ، وكلّ ما علمته فى ذلك فهو كما علمته، لم أزد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت علم المنطق والطّبيعىّ والرياضىّ، ثم عدلت إلى الإلهىّ، وقرأت كتاب «ما بعد الطّبيعة» فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علىّ غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرّة، وصار لى محفوظا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيست من نفسى، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى تفهّمه، وإذا أنا فى يوم من الأيّام حضرت وقت العصر فى الورّاقين، وبيد دلاّل مجلّد ينادى عليه، فعرضه علىّ فردته ردّ متبرّم، فقال: إنّه رخيص بثلاثة دراهم. فاشتريته، فإذا هو كتاب لأبى نصر الفارابىّ فى أغراض كتاب «ما بعد الحكمة الطّبيعيّة»، ورجعت إلى بيتى، وأسرعت قراءته، فانفتح علىّ فى الوقت أغراض ذلك الكتاب، ففرحت وتصدّقت بشيء يسير، شكرا لله تعالى. واتّفق لسلطان بخارى، نوح بن منصور، مرض صعب/فأجرى الأطبّاء ذكرى بين يديه، فأحضرت وشاركتهم فى مداواته، وسألته الإذن فى دخول خزانة كتبهم ومطالعتهاوقراءة ما فيها من الكتب، وكتبها، فأذن لى، ودخلت فإذا كتب لا تحصى فى كلّ فنّ، ورأيت كتبا لم تقع أسماؤها إلى كثير من الناس، فقرأت تلك الكتب، وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كلّ رجل (¬١) فى علمه (¬١)، فلمّا بلغت ثمانية عشر عاما من العمر، فرغت من هذه العلوم كلّها، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنّه معى اليوم أنضج، وإلاّ فالعلم واحد لم يتجدّد لى بعده شئ. (¬٢) وسألنى جارنا أبو الحسين العروضىّ، أن أصنّف له كتابا جامعا فى هذا العلم، فصنّفت له «المجموع»، وسميته به، وأتيت به على سائر العلوم سوى الرّياضىّ، ولى إذ ذاك إحدى وعشرون سنة (¬٢). وسألنى جارنا الفقيه أبو بكر البرقىّ الخوارزمىّ وكان مائلا إلى الفقه والتّفسير والزّهد، شرح الكتب له، فصنّفت له كتاب «الحاصل والمحصول» فى عشرين مجلّدة، أو نحوها، وصنّفت كتاب «البرّ والإثم»، وهذان الكتابان لا يوجدان إلاّ عنده، ولم يعرّفهما أحدا. ثم مات والدى، وتصرّفت فىّ الأحوال، وتقلّدت شيئا من أعمال السّلطان، ودعتنى الضّرورة إلى الإحلال ببخارى، والانتقال إلى كركانج (¬٣)، وكان أبو الحسن السّهلىّ المحبّ لهذه العلوم بها وزيرا، وقدمت إلى الأمير بها علىّ بن المأمون، وكنت على زىّ الفقهاء إذ ذاك مطيلسا تحت الحنك، وأثبتوا لى مشاهرة دارّة تكفينى. ثم انتقلت إلى نسا، ومنها إلى باورد، وإلى طوس، ثم إلى جاجرم (¬٤) رأس خراسان، ومنها إلى جرجان، وكان قصدى الأمير قابوس، فاتّفق فى أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه، فمضيت إلى دهستان، فمرضت بها، ورجعت إلى جرجان، فاتّصل بى أبو عبيد الجوزجانىّ. ثم قال أبو عبيد الجوزجانىّ: فهذا ما حكاه لى الشيخ عن لفظه. وصنّف ابن سينا بأرض الجبل كتبا كثيرة، وهذه فهرست كتبه: كتاب «المجموع»مجلّدة، «الحاصل والمحصول» عشرون مجلّدة، «البرّ والإثم» مجلّدان (¬١) «الشّفا» ثمانية عشر مجلّدا، «القانون» أربعة عشر مجلّدا، «الأرصاد الكلّيّة» مجلّد، كتاب «النّجاة» ثلاث مجلّدات، «الهداية» مجلّد، «الإشارات» مجلّد، (¬٢) «المختصر» مجلّد (¬٢)، «العلائىّ» مجلّد، (¬٢) «القولنج» مجلّد (¬٢)، «لسان العرب» عشر مجلّدات، «الأدوية القلبيّة» (¬٣) مجلّد، «الموجز (¬٤)» مجلّد، «بعض الحكمة المشرقيّة» مجلّد، «بيان ذوات الجهة» مجلّد، كتاب «المعاد» مجلّد، كتاب «المبدأ والمعاد» (¬٥) مجلّد. ومن رسائله: «القضاء والقدر»، «الآلة الرّصديّة»، «غرض قاطيغورياس»، «(¬٧) المنطق» بالشّعر، رجز، «قصيدة فى العظة والحكمة» (¬٦)، «تعقّب المواضع الجدليّة» (¬٧)، «مختصر أقليدس»، «مختصر فى النّبض» (¬٨) بالعجميّة، [«الحدد»، «الأجرام السّماويّة»، «الإشارة إلى علم المنطق»، «أقسام الحكمة»] (¬٩)، «فى النّهاية وأن لا نهاية»، «عهد» كتبه لنفسه، «حىّ بن يقظان»، «فى أنّ أبعاد الجسم غير ذاتيّة له»، «خطب»، «الكلام فى الهندبا»، «فى أنّ الشيء الواحد لا يكون جوهريّا عرضيّا»، «فى أنّ علم زيد غير علم عمرو»، «رسائل له إخوانيّة وسلطانيّة»، «مسائل جرت بينه وبين الفضلاء». (¬١٠) ثم انتقل إلى الرّىّ، وخدم السّيّدة وابنها مجد الدّولة، وداواه من السّوداء، فأقام إلى أن قصد شمس الدّولة بعد قتل هلال بن بدر، وهزيمة جيش بغداد. ثم خرج إلى قزوين، وإلى همذان، ثم عالج شمس الدّولة من القولنج، وصار من ندمائه، وخرج فى خدمته.ثم ردّ إلى همذان، ثم سألوه تقلّد الوزارة، فتقلّدها، ثم اتّفق تشويش العسكر عليه، واتّفاقهم عليه خوفا منه، فكسبوا داره ونهبوها/، وسألوا الأمير قتله، فامتنع وأرضاهم بنفيه، فتوارى فى دار الشيخ أبى سعد (¬١) أربعين يوما، فعاود شمس الدّولة القولنج، فطلب الشيخ فحضر، فاعتذر إليه الأمير بكلّ وجه، فعالجه، وأعاد إليه الوزارة ثانيا. قال أبو عبيد الجوزجانىّ (¬٢): ثم سألته شرح كتب أرسطوطاليس، فقال: لا فراغ لى، ولكن إن رضيت منّى بتصنيف كتاب أورد فيه ما صحّ عندى من هذه العلوم بلا مناظرة ولا ردّ فعلت. فرضيت منه، فبدأ بالطّبيعيّات من كتاب «الشّفا» وكان يجتمع كلّ ليلة فى داره طلبة العلم، وكنت أقرأ من «الشّفا» نوبة، وكان يقرأ غيرى من «القانون» نوبة، فإذا فرغنا حضر المغنّون، وهيّئ مجلس الشّراب بآلاته، فكنّا نشتغل به، فقضينا على ذلك زمنا، وكان يشتغل بالنهار فى خدمة الأمير. ثم مات الأمير وبايعوا ولده، وطلبوا الشيخ لوزارته، فأبى، وكاتب علاء الدّولة سرّا، يطلب المصير إليه، واختفى فى دار أبى غالب العطّار، فكان يكتب كلّ يوم خمسين ورقة تصنيفا فى كتاب «الشفا» حتى أتى منه على جميع (¬٣) كتاب الطّبيعىّ والإلهىّ ما خلا كتابى الحيوان والنّبات ثم اتّهمه تاج الملك بمكاتبه علاء الدّولة، وأنكر عليه ذلك، وحثّ على طلبه، فظفروا به وسجنوه بقلعة فردجان، (¬٤) وفى ذلك يقول قصيدة، منها: دخولى باليقين كما تراه … وكلّ الشّكّ فى أمر الخروج فبقى فيها أربعة أشهر، ثم قصد علاء الدّولة همذان، فأخذها، وهرب تاج الملك، وأتى تلك القلعة، ثم رجع تاج الملك وابن شمس الدّولة إلى همذان لمّا انصرف عنها علاء الدّولة، وحملا معهما الشيخ إلى همذان، ونزل فى دار العلوىّ، وأخذ يصنّف المنطق من كتاب «الشّفا»، وكان قد صنّف بالقلعة رسالة «حىّ بن يقظان»، وكتاب «الهدايات»، وكتاب «القولنج».ثم إنّه خرج نحو أصبهان متنكّرا، وأنا وأخوه وغلامان له فى زىّ الصّوفيّة، إلى أن وصلنا إلى (¬١) طبران، وهى على باب أصبهان، وقاسينا شدائد، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ وندماء الأمير علاء الدّولة وخواصّه، وحملوا إليه الثّياب والمراكب، وبالغ علاء الدّولة فى إكرامه، وصار من خاصّته. وقد خدمت الشيخ وصحبته خمسا وعشرين سنة، وجرت مناظرة فقال له بعض اللّغويّين: إنّك لا تعرف اللغة. فأنف الشيخ، وتوفّر على درس اللّغة ثلاث سنين، فبلغ طبقة عظيمة من اللغة، وصنّف بعد ذلك كتاب «لسان العرب»، ولم يبيّضه. قال: وكان الشيخ قوىّ القوى كلّها، وكان قوّة المجامعة من قواه الشّهوانيّة أقوى وأغلب، وكان كثيرا ما يشتغل به، فأثّر فى مزاجه، وكان يعتمد على قوّة مزاجه، حتى صار أمره إلى أن أخذه القولنج، وحرص على برئه حتى حقن نفسه فى يوم ثمانى مرّات، فتقرّح بعض أمعائه، وظهر به سحج (¬٢)، وسار مع علاء الدّولة، فأسرعوا نحو إيذج، (¬٣) فظهر به هناك الصّرع الذى قد يتبع علّة القولنج، ومع ذلك كان يدبّر نفسه ويحقن نفسه لأجل السّحج، فأمر يوما باتّخاذ دانقين من بزر الكرفس،/فى جملة ما يحتقن به، طلبا لكسر الرّياح، فقصد بعض الأطبّاء الذى كان هو يتقدّم إليه بمعالجته، فطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم، لست أدرى أعمدا فعله أم خطأ، لأننى لم أكن معه، فازداد السّحج به من حدّة البزر، وكان يتناول المنزود يطوس؛ لأجل الصّرع، فقام بعض غلمانه وطرح فيه شيئا كثيرا من الأفيون، وناوله فأكله، وكان سبب ذلك خيانتهم فى مال كثير من خزائنه، فتمنّوا هلاكه ليأمنوا، فنقل الشيخ إلى أصبهان، وبقى يدبّر نفسه، واشتدّ ضعفه، ثم عالج نفسه حتى قدر على المشى، لكنّه مع ذلك يكثر المجامعة فكان ينتكس. ثم قصد علاء الدّولة همذان، فسار الشيخ معه، فعاودته تلك العلّة فى الطريق، إلى أن وصل همذان، وعلم أنّه قد سقطت قوّته، وأنّها لا تفى بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه، وأخذ يقول: المدبّر الذى كان يدبّر قد عجز عن التّدبير، والآن فلا تنفع المعالجة. وبقى على هذا أيّاما، ومات عن ثلاث وخمسين سنة. انتهى قول أبى عبيد.وقبره تحت سور همذان. وقيل: إنّه نقل إلى أصبهان بعد ذلك. وقال ابن خلّكان، فى ترجمة ابن سينا: ثمّ اغتسل وتاب، وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم كلّ ثلاثة أيّام ختمة، ثم مات بهمذان، يوم الجمعة، فى رمضان، (¬١) وولد فى صفر، سنة سبعين وثلاثمائة. قال: وكان الشيخ كمال الدّين ابن يونس يقول: إنّ مخدومه سخط عليه (¬٢)، ومات فى سجنه، وكان ينشد: (¬٣) رأيت ابن سينا يعادى الرّجال … وفى السّجن مات أخسّ الممات فلم يشف ما نابه «بالشّفا» … ولم ينج من موته «بالنّجاة» وصيّة ابن سينا لأبى سعيد بن أبى الخير الصّوفىّ الميهىّ: ليكن الله تعالى أوّل فكر له وآخره، وباطن كلّ اعتبار وظاهره، ولتكن عين نفسه مكحولة بالنّظر إليه، وقدمها (¬٤) موقوفة على المثول بين يديه، مسافر بعقله فى الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربّه الكبرى، وإذا انحطّ إلى قراره، فلينزّه الله فى آثاره، فإنّه باطن ظاهر، تجلّى لكلّ شئ بكلّ شئ. ففى كلّ شئ له آية … تدلّ على أنّه واحد (¬٥) فإذا صارت هذه الحال له ملكة انطبع فيها نقش الملكوت، وتجلّى له قدس اللاّهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللّذّة القصوى، وأخذ عن نفسه من هو بها أولى، وفاضت عليه السّكينة، وحقّت له الطّمأنينة، وتطلّع على العالم الأدنى اطّلاع راحم لأهله، مستوهن لحبله، مستخفّ لثقله، مستخسّ به لعلقه، (¬٦) مستضلّ لطرقه، وتذكّر نفسه وهى بها لهجة، وببهجتها بهجة، فتعجّب منها ومنهم تعجّبهم منه وقد ودعها، وكان معها كأن ليس معها.وليعلم أنّ أفضل الحركات الصّلاة، وأمثل السّكنات الصّيام، وأنفع البرّ الصّدقة، وأزكى السّرّ الاحتمال، وأبطل السّعى المراءاة، وأنّ تخلّص النّفس عن الدّرن ما التفتت إلى قيل وقال، ومنافسة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال، وخير العمل ما صدر عن/خالص نيّة، وخير النّيّة ما ينفرج عن جناب علم، والحكمة أمّ الفضائل، ومعرفة الله أوّل الأوائل، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (¬١). إلى أن قال: وأمّا المشروب فيهجر شربه تلهّيا، بل تشفّيا وتداويا، ويعاشر كلّ فرقة بعادته ورسمه، ويسمح بالمقدور والتّقدير من المال، ويركب لمساعدة الناس كثيرا ممّا هو خلاف طبعه، ثم لا يقصّر فى الأوضاع الشّرعيّة، ويعظّم السّنن الإلهيّة، والمواظبة على التّعبّدات البدنيّة. إلى أن قال: عاهد الله أنّه يسير بهذه السّيرة، ويدين بهذه الدّيانة، ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومن شعره القصيدة الطّنّانة، التى قالها فى النّفس، وولع الناس بشرحها، وحلّ رموزها، وكشف غوامضها، وهى هذه: هبطت إليك من المحلّ الأرفع … ورقاء ذات تعزّز وتمنّع محجوبة عن كلّ مقلة عارف … وهى التى سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربّما … كرهت فراقك وهى ذات تفجّع ألفت وما ألفت فلمّا واصلت … ألفت مجاورة الخراب البلقع (¬٢) وأظنّها نسيت عهودا بالحمى … ومنازلا بفراقها لم تقنع حتّى إذا اتّصلت بهاء هبوطها … من ميم مركزها بذات الأجرع علقت بها هاء الثّقيل فأصبحت … بين المعالم والطّلول الخضّع تبكى إذا ذكرت ديارا بالحمى … بمدامع تهمى ولمّا تقلع (¬٣) وتظلّ ساجعة على الدّمن التى … درست بتكرار الرّياح الأربع إذ عاقها الشّرك الكثيف وصدّها … قفص عن الأوج الفسيح الأريعحتّى إذا قرب المسير من الحمى … ودنا الرّحيل إلى الفضاء الأوسع (¬١) هجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت … ما ليس يدرك بالعيون الهجّع (¬٢) وغدت مفارقة لكلّ مخلّف … عنها حليف التّرب غير مشيّع وغدت تغرّد فوق ذروة شاهق … والعلم يرفع كلّ من لم يرفع (¬٣) فلأىّ شئ أهبطت من شاهق … سام إلى قعر الحضيض الأوضع إن كان أرسلها الإله لحكمة … طويت عن الفطن اللّبيب الأورع فهبوطها إن كان ضربة لازب … فى العالمين فخرقها لم يرقع وهى التى قطع الزّمان طريقها … حتى لقد غربت بغير المطلع فكأنّها برق تألّق للحمى … ثم انطوى فكأنّه لم يلمع وله أيضا: (¬٤) قم فاسقنيها قهوة كدم الطّلا … يا صاح بالقدح الملا بين الملا خمرا تظلّ لها النّصارى سجّدا … ولها بنو عمران أخلصت الولا /لو أنّها يوما وقد لعبت بهم … قالت ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وله، وهو يجود بنفسه: أقام رجالا فى معارجه ملكا … وأقعد قوما فى غوايتهم هلكى نعوذ بك اللهمّ من شرّ فتنة … تطرّق من حلّت به عيشة ضنكا رجعنا إليك الآن فاقبل رجوعنا … وقلّب قلوبا طال إعراضها عنكا فإن أنت لم تبرئ سقام نفوسنا … وتشف عماياها إذا فلمن يشكى فقد آثرت نفسى لقاك وقطّعت … عليك جفونى من مدامعها سلكا وينسب إليه أيضا البيتان اللذان ذكرهما الشّهرستانىّ، فى أوّل كتاب «نهاية الإقدام».وهما: (¬١) لقد طفت فى تلك المعالم كلّها … وسرّحت طرفى بين تلك العوالم (¬٢) فلم أر إلاّ واضعا كفّ حائر … على ذقن أو قارعا سنّ نادم قال ابن خلّكان: ومن المنسوب إليه أيضا، ولا أتحقّق قوله: (¬٣) اجعل غذاءك كلّ يوم مرّة … واحذر طعاما قبل هضم طعام واحفظ منيّك ما استطعت فإنّه … ماء الحياة يصبّ فى الأرحام (¬٤) وفضائل ابن سينا كثيرة، وتصانيفه شهيرة، والناس فى اعتقاده فرقتان، له، وعليه، والظّاهر أنّه تاب قبل موته، والله تعالى أعلم بحاله، رحمه الله تعالى. ***

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    عض غلمانه وطرح فيه شيئا كثيرا من الأفيون، وناوله فأكله، وكان سبب ذلك خيانتهم فى مال كثير من خزائنه، فتمنّوا هلاكه ليأمنوا، فنقل الشيخ إلى أصبهان، وبقى يدبّر نفسه، واشتدّ ضعفه، ثم عالج نفسه حتى قدر على المشى، لكنّه مع ذلك يكثر المجامعة فكان ينتكس. ثم قصد علاء الدّولة همذان، فسار الشيخ معه، فعاودته تلك العلّة فى الطريق، إلى أن وصل همذان، وعلم أ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • KadhdhabKadhdhab

    روب فيهجر شربه تلهّيا، بل تشفّيا وتداويا، ويعاشر كلّ فرقة بعادته ورسمه، ويسمح بالمقدور والتّقدير من المال، ويركب لمساعدة الناس كثيرا ممّا هو خلاف طبعه، ثم لا يقصّر فى الأوضاع الشّرعيّة، ويعظّم السّنن الإلهيّة، والمواظبة على التّعبّدات البدنيّة. إلى أن قال: عاهد الله أنّه يسير بهذه السّيرة، ويدين بهذه الدّيانة، ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Death Year Ah

    1

    تغلت فى النهار بغيره، وجمعت بين يدى ظهورا، فكلّ حجّة انظر فيها أثبت مقدّمات قياسيّة (¬١)، ورتّبتها فى تلك الظّهور، ثم نظرت فيها عساها تنتج، وراعيت شروط مقدّمات

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    3

    . قال: وكان الشيخ كمال الدّين ابن يونس يقول: إنّ مخدومه سخط عليه (¬٢)، ومات فى سجنه، وكان ينشد: (¬٣) رأيت ابن سينا يعادى الرّجال … وفى السّجن مات أخسّ الممات فلم يشف ما نا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو على

    الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Nisba

    المصري

    وقد أتيت على القرآن، وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى منّى العجب. وكان أبى ممّن أجاب داعى المصريّين، ويعدّ من الإسماعيليّة، وقد سمع منه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    المصري

    وقد أتيت على القرآن، وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضى منّى العجب. وكان أبى ممّن أجاب داعى المصريّين، ويعدّ من الإسماعيليّة، وقد سمع منه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
240359
Book record
shamela-322
Source record
51727
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ — shamela-322 · Hadith Research Library