page 733, entry [682]Open original source
٦٢٢ - حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، الزّاهد الأصمّ (¬**) أحد أتباع الإمام الأعظم، وأحد أعلام الأئمّة، وصلحاء هذه الأمّة، كان مشهورا بالزهد والتقلّل، معروفا بالورع والتقشّف، وله كلام مدوّن فى الزهد والحكم، وأسند الحديث/عن شقيق بن إبراهيم البلخىّ، وغيره. وصحب عصام بن يوسف البلخىّ الإمام، وكان بينهما مباحث ومناظرات، وأهدى إليه عصام مرة شيئا فقبله، فقيل له: لم قبلته؟ فقال: وجدت فى أخذه ذلّى وعزّه، وفى ردّى عزّى وذلّه، فاخترت عزّه على عزّى، وذلّى على ذلّه. وقدم حاتم مدينة بغداد فى أيام أبى عبد الله أحمد ابن حنبل، واجتمع معه. حكى عنه أبو عبد الله الخوّاص (¬١)، وكان من علية أصحابه، قال: لمّا دخل حاتمبغداد، اجتمع إليه أهلها، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، أنت رجل عجمىّ، ليس يكلّمك أحد إلاّ قطعته، لأىّ معنى!! فقال حاتم: معى ثلاث خصال بها أظهر على خصمى. فقالوا: أىّ شئ هى؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمى، وأحزن له إذا أخطأ، وأحفظ نفسى لا تتجاهل عليه. فبلغ ذلك أحمد ابن حنبل، فقال: سبحان الله، ما أعقله من رجل. وحدّث أبو جعفر الهروىّ (¬١)، قال: كنت مع حاتم وقد أراد الحجّ، فلمّا وصل إلى بغداد، قال لى: يا أبا جعفر، أحبّ أن ألقى أحمد ابن حنبل. فسألنا عن منزله، ومضينا إليه، فطرقت عليه الباب، فلمّا خرج قلت: يا أبا عبد الله، أخوك حاتم. قال: فسلّم عليه، ورحّب به، وقال بعد بشاشة به: أخبرنى يا حاتم، فيم التّخلّص من الناس؟ قال: يا أحمد، فى ثلاث خصال. قال: وما هى؟ قال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئا، وتقضى حقوقهم ولا تستقضى أحدا منهم حقّا لك، وتحتمل مكروههم ولا تكره أحدا منهم على شئ. قال: فأطرق أحمد ينكت بأصبعه (¬٢) على الأرض، ثم رفع رأسه. وقال: يا حاتم: إنّها لشديدة. فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم. وروى الخطيب (¬٣) بسنده إلى الحسن بن علىّ العابد، أنه قال: سمعت حاتما الأصمّ، وقد سأله سائل: على أىّ شئ بنيت أمرك؟ فقال: على أربع خصال، على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقى، وعلى أنّرزقى لا يأكله غيرى، وعلى أنّ أجلى لا أدرى متى هو، وعلى أنى لا أغيب عن الله تعالى طرفة عين. قال (¬١): وسمعت حاتما يقول: لو أنّ صاحب خبر يجلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز. وقال له رجل (¬٢): بلغنى أنّك تجوز المفاوز من غير زاد. فقال حاتم: بل أجوزها بالزّاد، وإنّما زادى فيها أربعة أشياء. قال: ما هى؟ قال: أرى الدنيا كلّها ملكا لله، وأرى الخلق كلّهم عباد الله وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلّها بيد الله، وأرى قضاء الله نافذا فى كلّ أرض. فقال له الرجل: نعم الزّاد زادك يا حاتم، أنت تجوز به مفاوز الآخرة، فكيف مفاوز الدنيا!! وقال، ﵁ (¬٣): خرجت فى سفر ومعى زاد، فنفد زادى فى وسط البرّيّة، فكان قلبى فى البرّيّة والحضر واحدا. وذكر عن حاتم أنه قال (¬٤): لقينا التّرك مرّة، وكان بيننا جولة (¬٥)، فرمانى تركىّ بوهق (¬٦) فأقلبنى (¬٧) عن فرسى، ونزل عن دابّته، وقعد على صدرى، وأخذ بلحيتى هذه الوافرة، وأخرج من خفّه سكّينا ليذبحنى بها، فو حقّ سيدى ما كان قلبى عنده ولا عند سكّينه، إنما كان قلبى عند سيّدى، انظر ماذا ينزل به القضاء منه، فقلت: سيدى قضيت علىّ أن يذبحنى هذا فعلى الرّأس والعين، إنّما أنا لك وملكك، فبينا أنا أخاطب سيدى وهو قاعد على صدرى، آخذ/بلحيتى ليذبحنى، إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقطعنّى، فقمت أنا إليه، فأخذت السّكّين من يده فذبحته، فما هو إلاّ أن تكون قلوبكم عند السّيّد حتى تروا من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمّهات. وروى (¬١) أنّ رجلا جاء إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أىّ شئ رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثّقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص. وكان أبو بكر الورّاق، يقول (¬٢): حاتم الأصمّ لقمان هذه الأمّة. والسّبب فى تسميته بالأصمّ (¬٣) أنّ امرأة جاءت إليه تسأله عن مسألة، فاتّفق أنه خرج منها فى تلك الحالة صوت، فخجلت، فقال حاتم: ارفعى صوتك. وأراها (¬٤) من نفسه أنّه أصمّ، فسرّت المرأة بذلك، وقالت: إنّه لم يسمع الصوت (¬٥). فغلب عليه اسم الأصمّ. ومحاسن حاتم وفضائله تجلّ عن الإحصاء. وتتجاوز حدّ الضّبط، وفيما ذكرناه أدلّ دليل على علوّ شأنه، وحسن اعتقاده، وخلوص إيمانه. وكانت وفاته بواشجرد (¬٦)، عند رباط يقال له: سروند، على جبل فوق واشجرد، سنة سبع وثلاثين ومائتين. وله ولد يقال له: حسن، وقيل: يقال له خشكدا، والله تعالى أعلم. وقد ذكر لحاتم الأصمّ هذا صاحب «مناقب الأبرار، ومحاسن الأخيار» ترجمة واسعة، ضمّنها شيئا كثيرا من زهديّاته وحكميّاته، لا بأس بإيرادها، أو إيراد خلاصتها، فإنّ غالبه ينبغى أن يكتب بماء الذهب على صفحات الخدود.قال حاتم (¬١): من دخل فى مذهبنا هذا فليجعل فى نفسه أربع خصال من الموت، موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر؛ فالموت الأبيض الجوع، والأسود الاحتمال لأذى الناس، والأحمر مخالفة النفس، والأخضر طرح الرّقاع بعضها على بعض. وقال (¬١): العجلة من الشيطان إلاّ فى خمس: إطعام الطعام إذا حضر ضيف (¬٢)، وتجهيز الميّت إذا مات، وتزويج البكر إذا بلغت، وقضاء الدّين إذا وجب، والتّوبة من الذنب (¬٣) إذا أذنب (¬٣). وقال (¬١): من أصبح وهو مستقيم فى أربعة أشياء فهو يتقلّب فى رضا الله تعالى؛ أوّلها الثّقة بالله تعالى، ثم التّوكّل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلّها تتمّ بالمعرفة، فالواثق (¬٤) برزقه لا يفرح بالغنى، ولا يهتمّ بالفقر، ولا يبالى أصبح فى عسر أو يسر. وقال (¬٥): أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والحبّ. وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص، والحسد. فما (¬٦) يأخذه المنافق من الدنيا يأخذه بالحرص، ويمنعه بالشّكّ، وينفقه بالرّياء، والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالشّدّة، وينفق فى الطاعة، خالصا (¬٧) لله تعالى (¬٧). وقال (¬٨): اطلب نفسك فى أربعة أشياء: العمل الصّالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منّة، والإمساك بغير بخل.وقال (¬١): ما من صباح إلاّ والشيطان يقول لى: ما تأكل، وما تلبس، وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر. وقال له رجل (¬١): ما تشتهى؟ فقال: أشتهى عافية يوم (¬٢) إلى الليل. فقيل له: أليست الايّام كلّها عافية؟ فقال: إنّ عافية يومى أن لا أعصى الله تعالى فيه. وقال (¬٣): أربعة يندمون على أربع (¬٤): المقصّر إذا فاته العمل، والمنقطع عن أصدقائه إذا نابته/نائبة، والممكّن منه عدوّه بسوء رأيه، والجريء على الذّنوب. وقال (¬٥): الزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة، والجنّة عاشقة، وتعهّد نفسك فى ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله تعالى إليك، وإذا تكلّمت فاذكر سمع الله تعالى إيّاك، وإذا سكتّ فاذكر علم الله تعالى فيك. وقال له رجل (¬٦): عظنى. فقال: إن كنت تريد أن تعصى مولاك فاعصه فى موضع لا يراك. يعنى أنّ الله تعالى يعلم السّرّ والجهر، ولا يخفى عليه شئ، ومن علم أنّ أفعاله وأقواله لا تخفى على الله تعالى، وأنّ الله مطّلع عليه، وناظر إليه، يقبح منه العصيان، واتّباع الشيطان، ويكون ذا جرأة على الله تعالى، وقليل الحياء منه، نعوذ بالله من ذلك. وقال (¬٧): من ادّعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذّاب: من ادّعى حبّ الله تعالى من غير ورع عن محارمه فهو كذّاب، ومن ادّعى حبّ الجنة من غير إنفاق ماله (¬١) فى طاعة اللهتعالى (¬١) فهو كذّاب، ومن ادّعى حبّ النبىّ ﷺ من غير محبّة الفقراء (¬٢) فهو كذّاب. وروى أنّ عصام بن يوسف مرّ بحاتم الأصمّ، وهو يتكلّم فى مجلسه، فقال له: يا حاتم، تحسن تصلّى؟ قال: نعم. قال: كيف تصلّى؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأقف بالخشية، وأدخل بالنّيّة، وأكبّر بالعظمة، وأقرأ بالتّرتيل، وأركع وأسجد بالتّواضع، وأجلس للتشهّد بالتّمام، وأسلّم (¬٣) بالوقار والسّنّة، وأسلمها إلى الله تعالى بالإخلاص، وأرجع إلى نفسى (¬٣) بالخوف أن لا يقبلها منّى، وأحفظ بالجهد إلى الموت. فقال له: تكلّم، فأنت تحسن تصلّى. وروى أنّ شقيقا البلخىّ قال لحاتم الأصمّ: ما الذى تعلّمت منّى منذ صحبتنى؟ قال: ستّة أشياء: الأول، رأيت الناس كلّهم فى شكّ من أمر الرّزق، فتوكّلت على الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ (¬٤) فعلمت أنّى من جملة الدّوابّ فلم أشغل نفسى بشئ قد تكفّل لى به ربّى. قال: أحسنت. والثانى، رأيت أنّ لكلّ إنسان صديقا يفئ إليه بسرّه، ويشكو إليه أمره، فاتّخذت لى صديقا يكون لى بعد الموت، وهو فعل الخير، فصادقته ليكون عونا لى عند الحساب، ويجوز معى على الصّراط، ويثبّتنى بين يدى الله تعالى. قال: أحسنت. والثالث، رأيت لكلّ أحد من الناس عدوّا، فقلت: انظر من عدوّى، فرأيت من اغتابنى أو أخذ (¬٥) من مالى أو ظلمنى فليس عدوّى، ولكن عدوّى الذى إذا كنت فى طاعة الله تعالى أمرنى بمعصيته، فرأيت أنّ ذلك إبليس اللّعين وجنوده، فاتّخذتهم أعداء، ووضعتالحرب بينى وبينهم، ووترت قوسى، وفوّقت سهمى، ولا أدع أحدا منهم يقربنى. قال: أحسنت. والرابع، رأيت كلّ واحد من الناس له طالب، فرأيت أنّ ذلك الطالب ملك الموت، ففرّغت نفسى له، حتى إذا جاء بادرت معه بلا علاقة. قال: أحسنت. والخامس، نظرت فى الخلق، فأحببت واحدا وأبغضت واحدا، فالذى أحببته لم يعطنى شيئا، والذى أبغضته لم يأخذ منّى شيئا، فقلت: من أين أتيت؟ فنظرت، فإذا هو الحسد، فنفيته عنى، وأحببت الناس كلّهم، فكلّ شئ لم أرضه لنفسى لم أرضه لهم. قال: أحسنت. والسادس، رأيت كلّ واحد من الناس له بيت يسكنه ويأوى إليه، فرأيت مسكنى القبر، فكلّ شئ قدرت عليه من الخير قدّمته لنفسى، حتى أعمّر قبرى، فإنّ القبر إذا كان خرابا لا يمكن المقام فيه. فقال له شقيق:/يكفيك، ولست بمحتاج إلى غيره. وقال: الزّاهد يذيب كيسه قبل نفسه، والمتزهّد يذيب نفسه قبل كيسه، ولكلّ شئ زينة، وزينة العبادة الخوف، وعلامة الخوف قصر الأمل. وقال، رحمه الله تعالى، ما ينبغى أن يكتب بماء الذهب، وهو: لا تغترّ بموضع صالح، فلا مكان أصلح من الجنّة، لقى فيها (¬١) آدم (¬١) ﵊ (¬١) ما لقى، ولا تغترّ بكثرة العبادة، فإنّ إبليس بعد طول تعبّده لقى ما لقى، ولا تغترّ بكثرة العلم؛ فإنّ بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم، فانظر ماذا لقى، ولا تغترّ برؤية الصّالحين، فلا شخص أكبر ولا أصلح من المصطفى ﷺ، لم تنتفع بلقائه أقاربه وصاروا أعداءه. وعن أبى عبد الله الخوّاص، قال: دخلت مع أبى عبد الرحمن حاتم الأصمّ إلى الرّىّ،ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا يريدون (¬١) الحجّ، وعليهم الصّوف والرزمانقات (¬٢)، وليس فيهم من معه طعام ولا جراب، فنزلنا على رجل من التّجّار متنسّك يحبّ الصّالحين، فأضافنا تلك الليلة، فلمّا كان من الغد، قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، ألك حاجة، فإنّى أريد أن أعود فقيها لنا هو مريض؟ فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل، فعيادة الفقيه فيها فضل كثير، والنّظر إلى الفقيه عبادة، وأنا أيضا أجئ معك. وكان المريض محمد بن مقاتل (¬٣)، قاضى الرّىّ، فقال: مرّبنا يا أبا عبد الرحمن. فجاءوا إلى باب داره، فإذا البوّاب كأنّه أمير مسلّط، فبقى حاتم متفكّرا يقول: باب دار عالم على هذه الحال!! ثم أذن لهم فدخلوا، وإذا بدار قوراء (¬٤)، وآله حسنة، وبزّة وفرش وستور، فبقى حاتم متفكّرا ينظر حتى دخلوا إلى المجلس الذى فيه محمد بن مقاتل، وإذا بفراش حسن وطئ، ممهّد، وهو راقد عليه، وعند رأسه خدمه، والناس وقوف. فقعد الرّازىّ وسأل عن حاله، وبقى حاتم قائما، وأومأ إليه محمد بن مقاتل بيده: اجلس. فقال حاتم: لا أجلس. فقال له محمد (¬٥) بن مقاتل: فلك حاجة؟ فقال: نعم. فقال: وما هى؟ قال: مسألة أسألك عنها. قال: سلنى. قال حاتم: قم فاستو جالسا حتى أسألك عنها. فأمر غلمانه فأسندوه. فقال له حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟فقال: حدّثنى به الثّقات. قال: عن من؟ قال: عن الثّقات من الأئمّة. قال: عن من أخذوه؟ قال: عن التّابعين. قال: والتابعون عن من أخذوه؟ فقال: عن أصحاب رسول الله ﷺ. قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عن من أخذوه؟ قال: عن رسول الله ﷺ. قال: ورسول الله ﷺ عن من أخذه؟ قال: عن جبريل عليه (¬١) الصلاة و (¬١) السلام، عن الله ﷿. فقال له حاتم: ففيما أدّاه جبريل عن الله تعالى إلى النبىّ ﷺ، وأدّاه النبىّ ﷺ إلى أصحابه رضى الله تعالى عنهم، وأدّاه أصحابه إلى تابعيهم، وأدّاه التابعون إلى الأئمّة، وأدّاه الأئمّة إلى الثّقات، وأدّاه الثّقات إليك، هل سمعت أنّ من كانت داره فى الدنيا أحسن، وفراشه أجمل، وزينته أكثر، كانت له المنزلة عند الله تعالى أعظم؟ فقال: لا. قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت من زهد فى الدنيا، ورغب فى الآخرة، وأحبّ المساكين، وقدّم لآخرته، كان عند الله تعالى له المنزلة أكثر، وإليه أقرب. قال حاتم: فأنت بمن اقتديت، بالنبىّ ﷺ،/أو بأصحابه، أو بالتابعين من بعدهم، والصّالحين على أثرهم، أو بفرعون ونمرود، أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ؟ يا علماء السّوء مثلكم إذا رآه الجاهل المتكالب على الدنيا، الرّاغب فيها يقول: إذا كان هذا العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شرّا منه.قال: ثم خرج من عنده، وازداد محمد بن مقاتل مرضا على مرضه من كلامه. وبلغ أهل الرّىّ (¬١) ما جرى بين حاتم وبين ابن مقاتل (¬١)، فقالوا لحاتم: يا أبا عبد الرحمن، إن محمد بن عبيد الطّنافسىّ بقزوين، أكبر سنّا من هذا، وهو غريق فى الدنيا. قال (¬٢): فصار حاتم إليه متعمّدا، ودخل عليه، وعنده الخلق مجتمعون يحدّثهم، فقال له حاتم: رحمك الله، أنا رجل عجمىّ، جئتك لتعلّمنى مبتدأ دينى، ومفتاح صلاتى، كيف أتوضّأ للصّلاة؟ فقال: نعم وكرامة، يا غلام، إناء فيه ماء. فجاءه بالإناء، وقعد محمد بن عبيد يتوضّأ ثلاثا، ثم قال له: هكذا فاصنع. قال حاتم: مكانك، رحمك الله، حتى أتوضّأ بين يديك، ليكون آكد لما أريد. فقام الطّنافسىّ، وقعد حاتم مكانه فتوضّأ، وغسل وجهه ثلاثا، حتى إذا بلغ الذّراع غسله أربعا. فقال له الطّنافسىّ: يا هذا، أسرفت. فقال له حاتم: فيما ذا أسرفت؟ قال: غسلت ذراعك أربعا. فقال له حاتم: سبحان الله تعالى، أنا أسرفت فى كفّ من الماء، وأنت فى جميع هذا الذى أراه كلّه لم تسرف!! فعلم الطّنافسىّ أنّه قصد منه ذلك، ولم يرد أن يتعلّم منه شيئا، فدخل إلى البيت، ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما. وكتب تجّار الرّىّ إلى بغداد بما جرى بين حاتم وبين محمد بن مقاتل، ومحمد بن عبيد الطّنافسىّ، ثم رحل حاتم إلى العراق، ودخل بغداد، واجتمع بعلمائها كما تقدّم فى أوائل الترجمة. ثم خرج إلى الحجاز، فلما صار (¬٣) إلى المدينة الشّريفة، أحبّ أن ينظر علماءها، فقال لهم: يا قوم، أىّ مدينة هذه؟قالوا: مدينة الرسول ﷺ. قال: فأين قصر رسول الله ﷺ لأصلّى فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنّما كان له بيت لاطىّ (¬١). قال: قصور أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ قالوا: ما لهم إلاّ بيوت لاطيّة. فقال حاتم: يا قوم، هذه مدينة فرعون. قال: فلبّبوه (¬٢) وذهبوا به إلى الوالى، فقالوا: هذا العجمىّ (¬٣) يقول: هذه مدينة فرعون. فقال له الوالى: لم قلت ذلك؟ فقال له حاتم: لا تعجل علىّ أيّها الأمير، أنا رجل غريب، دخلت هذه المدينة، فسألت: أىّ مدينة هذه؟ فقالوا: مدينة الرسول ﷺ. فقلت: وأين قصر الرّسول ﷺ لأصلّى فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنّما كان له بيت لاطىّ. قلت: فقصور (¬٤) أهله وأزواجه وأصحابه بعده؟ قالوا: ما كان لهم إلاّ بيوت لاطيّة. وسمعت الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (¬٥)، فأنتم بمن تأسّيتم؛ برسول الله ﷺ، أو بأصحابه، أو بفرعون أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ؟ فخلّوا عنه، وعرفوا أنّه حاتم الأصمّ، وعلموا (¬٦) قصده. وكان كلّما دخل المدينة يكون له مجلس عند قبر النبىّ ﷺ، يحدّث ويدعو، فاجتمع إليه مرّة علماء المدينة، وقالوا: تعالوا نخجله فى مجلسه، كما فعل بنا عند الوالى.فحضروا عنده وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال له واحد: يا أبا عبد الرحمن مسألة. /قال: سل. قال: ما تقول فى رجل يقول: اللهم ارزقنى. قال حاتم: متى طلب هذا العبد الرّزق من ربّه ﷿، فى الوقت، أو قبل الوقت، أو بعد الوقت؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ليس نفهم عنك هذا. فقال حاتم: أنا أضرب لكم مثلا حتى تفهموه، مثل العبد الذى طلب (¬١) الرّزق من ربّه تعالى قبل الوقت كمثل رجل كان له على رجل دين، فطالبه به، وقعد يلازمه، فاجتمع جيرانه وقالوا له: هذا رجل معدم، لا شئ له، فأجّله فى هذا الحقّ حتى يحتال ويعطيك. فقال لهم: كم تريدون أؤجّله (¬٢)؟ قالوا: شهرا. فتركه وانصرف، فلمّا كان بعد عشرة أيام جاء واقتضاه، فقام جيرانه فقالوا: سبحان الله، أجّلته بين أيدينا شهرا، ثم جئت تقتضيه بعد عشرة أيّام. فتركه وانصرف، فلمّا كان محلّ الشّهر جاء فاقتضاه، فقال الجيران: إنّما حلّ لك اليوم، دعه إلى بعد المحلّ ثلاثا. فهذا مثل العبد الذى يطلب الرّزق من ربّه ﷿. ثم قال: عندكم أثاث، ودراهم فى أكياسكم، وطعامكم فى بيوتكم، وأنتم تقولون: اللهم ارزقنا. فقد رزقكم. كلوا وأطعموا إخوانكم المؤمنين، حتى إذا فنى أقيموا بعده ثلاثا، ثم سلوا ربّكم ﷿، عسى أن يموت أحدكم غدا وعنده ما يخلف على الأعداء، وهو يسأل الله (¬٣) أن يزيده فى رزقه، ما هذه الغفلة؟ فقالوا: نستغفر الله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا بالمسألة إلاّ إعناتك. ثم انصرفوا عنه. هذا ما نقلناه بعد أن اخترناه من كتاب «مناقب الأبرار» لابن خميس (¬٤)، ﵀تعالى، وفيه كفاية لمن أراد الوقوف على أخبار حاتم، وأوصافه، وطريقته التى كان عليها، ولو أردنا أن نجمع من ذلك جميع ما رأيناه منقولا عنه فى كتب القوم لطالت التّرجمة، وخرجنا عن المقصود، وخشينا من السّآمة على من يطالع الكتاب، ممّن لم يذق حلاوة المحبّة، ولا دخل إليها من باب. ونسأل الله الكريم، ونتوسّل إليه بنبيّه العظيم، وبجميع أنبيائه وسائر أوليائه، وبصاحب هذه الترجمة حاتم بن عنوان (¬١)، صلّى الله عليهم وسلّم، وشرّف وكرّم، أن ترزقنا (¬٢) محبّتهم، وتسلكنا طريقتهم، وتجمعنا بهم فى مستقرّ رحمتك، من غير عذاب يسبق، يا أرحم الرّاحمين، (¬٣) يا مجيب السائلين، آمين (¬٣). ***