page 653, entry [607]Open original source
٥٥٣ - أمير كاتب بن أمير عمر العميد، ابن العميد أمير غازى الشيخ، الإمام، العلاّمة، قوام الدين، أبو حنيفة الفارابىّ، الإتقانىّ (¬*) وسمّاه الحسينىّ فى «ذيله» لطف الله. قال فى: «الدّرر»: ولد بإتقان، فى شوال، سنة خمس وثمانين وستمائة، واشتغل ببلاده، ومهر، إلى أن شرح «الأخسيكثىّ» (¬١) وذكر أنه فرغ منه بتستر، سنة سبعمائة وسبع عشرة (¬٢). وقدم دمشق، فى سنة عشرين (¬٣)، وناظر، وظهرت فضائله. قاله ابن كثير. ودخل مصر، ثم رحل فدخل بغداد، وولى قضاءها. ثم قدم دمشق ثانيا فى شهر رجب، سنة سبع وأربعين، وولى بها دار الحديث الظّاهريّة بعد وفاة الذّهبىّ، وتدريس الكنجيّة، ثم نزل عنهما. ولما دخل مصر، المرّة الثانية، أقبل عليه صرغتمش، وعظّمه، وجعله شيخ المدرسة التى بناها، واختار لحضوره الدّرس طالعا، وذلك حين كان القمر فى السّنبلة، والزّهرة فى الأوجوكان تثليث المشترى والقمر، فدرّس ذلك اليوم، وأقبل عليه صرغتمش إقبالا عظيما، فقدّر أنه لم يعش بعد ذلك سوى سنة ونصف، بل أقلّ من ذلك. قال ابن حجر: وكان لمّا قدم دمشق صلّى مع النائب، وهو يلبغا، فرأى إمامه رفع (¬١) يديه عند الرّكوع والرّفع منه، فأعلم الإتقانىّ يلبغا، أنّ صلاته باطلة على مذهب أبى حنيفة، فبلغ ذلك القاضى تقىّ الدين السّبكىّ، فصنّف «رسالة فى الرّدّ عليه»، فوقف عليها، فجمع «جزءا»، فى إثبات (¬٢) ما قاله، وأسند ذلك عن مكحول النّسفىّ أنه حكاه عن أبى حنيفة، وبالغ فى ذلك، إلى أن أصغى إليه النائب، وعمل بقوله. قال: واختصّ بصرغتمش، وأشار عليه بأن قصر مدرسته على الحنفيّة دون غيرهم، وكان شديد التّعاظم، متعصّبا لنفسه جدّا، حتى قال فى «شرحه» للأخسيكثىّ: لو كان الأسلاف فى الحياة، لقال أبو حنيفة: اجتهدت. ولقال أبو يوسف: نار البيان أوقدت. ولقال محمد: أحسنت. ولقال زفر: أتقنت. ولقال [الحسن] (¬٣): أمعنت. واستمرّ هكذا، حتى ذكر أعيان الحنفيّة. وقال الصّفدىّ، فى ترجمته: كان متعصّبا على الشّافعيّة، متظاهرا بالغضّ منهم، يتمنّى تلافهم، واجتهد فى ذلك بالشّام، فما أفاد، ودخل مصر، وهو/مصرّ على العناد، وكان شديد الإعجاب (¬٤). وشرح «الهداية» شرحا حافلا، وحدّث ب «الموطّأ» رواية محمد بن الحسن، بإسناد نازل (¬٥). وقال ابن حبيب: كان رأسا فى مذهب أبى حنيفة، بارعا فى اللغة والعربية، كثير الإعجاب بنفسه، شديد التّعصّب على من خالفه. قلت: لا يخفى على من عنده أدنى تأمّل، ووقف على مؤلّفات الإتقانىّ، أنّ ما ذكره ابن حجر، ونقله عن الصّفدىّ وغيره، فى حقّ الشيخ، أنه كان من المجمع على علمه،وفضله، وتحقيقه، وبراعته، ومن كان هذا الوصف وصفه، والفضائل فضائله، فبعيد أن يصدر منه ما لا يليق بمثله، ولا يحسن بعلمه وفضله، ممّا أضربنا عن ذكره، من التّعصّبات التى تؤدّى إلى وصف الإنسان بما لا ليس فيه، والجواب فى الجميع سهل، والأقران قلّما تخلو من مثل ذلك. قال ابن حجر: وقرأت بخطّ القطب: فقيه، فاضل، صاحب فنون من العلم، وله معرفة بالأدب، والمعقول، درّس بمشهد أبى حنيفة ببغداد، وقدم دمشق فى رمضان، سنة إحدى وعشرين، ثم دخل العراق، سنة اثنتين (¬١). وكانت وفاته بمصر، سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. قال ابن الشّحنة، فى أوائل «شرح الهداية» فى ترجمة الإتقانىّ: وقد أخبرنا شيخنا الحافظ أبو الوفاء أن الأمير صرغتمش النّاصرىّ، كان قصد أن يبنى مدرسة، ويقرّر فى تدريسها الشيخ علاء الدين الأقرب الحنفىّ، فقدّرت وفاته، [فكانت] (¬٢) ولاية الشيخ قوام الدين بها على أكمل وجوه التّعظيم، حتى إنّه يوم ألقى الدّرس، حضر الأمير صرغتمش إلى منزل الشيخ بقناطر السّباع، واستدعاه للحضور، فلمّا ركب الشيخ أخذ الأمير صرغتمش بركابه، واستمرّ ماشيا فى ركابه إلى المدرسة، ومعه جماعة من الأمراء مشاة، فقال له: يا أمير صرغتمش، لا تأخذ فى نفسك من مشيك آخذا بركابى، فقد أخذ بركابى سلطان من بنى سلجوق. وكان يوما مشهودا. وذكره الصّفدىّ فى «أعيان العصر، وأعوان النّصر»، قال: ونقلت من خطّه-يعنى صاحب الترجمة-ما صورته: تاريخ قدومنا دمشق فى الكرّة الثانية، فى العاشر من شهر رجب، سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ثم لبثنا ثمّة إلى أن خرجنا منها، فى ثامن صفر، يوم السبت، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. قال العبد الفقير إلى الله تعالى أمير كاتب ابن أمير عمر، المدعوّ بقوام الفارابىّ الإتقانىّ: كان تاريخ ولادتى بإتقان، ليلة السبت، التاسع عشر من شوال، سنة خمس وثمانين وستمائة، وفاراب: مدينة عظيمة من مدائن التّرك تسمّى بلسان العوامّ أوترار، وإتقان: اسم لقصبة من قصباتها.ثم قال: هذا ما أنشأ فى دولة السلطان مالك رقاب الأمم، مولى ملوك العرب والعجم، قاهر الكفرة والمشركين، ناصر الإسلام والمسلمين، الملك النّاصر فلان، فى مدح المقرّ العالى، سيف الدين صرغتمش، رحمه الله تعالى. أرأيتم من درأ النّوبا … وأتى قربا ونفى الرّيبا فبدا علما وسما كرما … ونما قدما ولقد غلبا وساق القصيدة بتمامها، ثم قال: وأعطانى المقرّ العالى صرغتمش، أيّده الله تعالى، جائزة/هذه القصيدة، يوم أنشدتها، عشرة ألف (¬١)، درهم، وملأ يوم الدّرس بركة المدرسة بالسّكّر وماء اللّيمون، فسقى بذلك الناس أجمعين، وخلع علىّ بعد الدّرس خلعتين، وخلع على ابنى همام الدين أيضا، ثم لمّا خرجت حملنى على بغلة شهباء، مع السّرج المفضّض واللّجام، وكان اليوم يوما يؤرّخ، فيا لها قصّة فى شرحها طول. انتهى ما نقلته عن الصّفدىّ، مع حذف ما ليس فى ذكره كبير فائدة، وأمّا هو فقد نقله بحروفه. قلت: أمّا علم الشيخ، وفضله، وإتقانه، فممّا لا يشكّ فيه، وأمّا إنشاؤه نثرا ونظما، فالذى يظهر من كلامه، وعقود نظامه، أنّ العربيّة وإن كان يعرف دقائقها، فليست له بسجيّة، تغمّده الله تعالى برحمته، وأباحه بحبوحة جنّته، آمين. ***