page 536, entry [434]Open original source
٣٨٦ - أحمد بن محمود الرّومىّ (¬*) مفتى الدّيار الرّوميّة، الشهير بقاضى زاده. الإمام الفاضل، والبارع الكامل، الذى طنّت حصاته فى الآفاق، وارتفع قدره وتفرّد فى عصره بالاتّفاق، ونال الجاه العريض، والحرمة الوافرة، وكانت كلمته مسموعة عند السّلطان، نافذة حتى على الوزراء والأعيان. أخذ العلم عن فضلاء الدّيار الرومية، واشتغل، ودأب، وحصّل، ولزم المولى العلاّمة سعدى چلبى، والمولى عبد القادر الحميدىّ، مفتى الدّيار الرّوميّة المشهور بقادرى أفندى، واستفاد منه، وتخرّج عليه، إلى أن صار من أهل الفضل والكمال. وولى مدارس متعدّدة؛ منها إحدى الثّمان، وإحدى المدارس السّليمانيّة، ثم ولى قضاء حلب، فأقام بها مدّة، ثم عزل، ولزم منزله، واشتغل بالتّحرير والتّحبير، والتّأليف والتّصنيف. ثم ولى قضاء قسطنطينيّة، ثم قضاء العسكر، بولاية روملى، ولم يزل فيه مدّته فعزل (¬١)، ولزم بيته. وحصل بينه وبين المرحوم محمد باشا الوزير الأعظم (¬٢) فى زمن دولة السلطان سليم بن السلطان سليمان تنافر، أدّى إلى ارتحاله من إصطنبول إلى مدينة أدرنة، والإقامة بها اختيارا منه، لا مأمورا بالخروج، وصار فيها مدرّسا بدار الحديث، بمائتى عثمانىّ. ثم قدم إلى إصطنبول، فى دولة السلطان مراد خان بن السلطان سليم، أدام الله أيّامه،وولى قضاء العسكر بولاية روملى، وأقبل عليه السلطان غاية الإقبال، وحصل له من التّمكّن فى الدولة ما ذكرناه سابقا، إلى أن توفّى مفتى الدّيار الرّوميّة، حامد أفندى، ففوّض إليه منصب الإفتاء مكانه، ولم يزل مفتيا مشارا إليه، يشاور فى الأمور، ويطيع كلامه الجمهور، إلى أن توفّى، سنة ثمان وثمانين وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع السلطان محمد الكبير، فى تربة أعدّها له قبل وفاته، رحمه الله تعالى. وله تآليف، منها: «شرح على أواخر الهداية» ابتدأ فيه/من كتاب الوكالة، من المحلّ الذى وصل إليه ابن الهمام، وكأنّه جعله كالتّكملة «لشرح ابن الهمام»، وهو مع كونه كثير الفوائد، غزير الفرائد، بينه وبين «شرح ابن الهمام» بون بعيد، وفرق أكيد، وله «حاشية» على «شرح المفتاح» للسيّد الشريف، وكتاب «محاكمات بين صدر الشريعة، وابن كمال باشا»، وله غير ذلك رسائل كثيرة، فى فنون عديدة. وكان مع العلاّمة مفتى الدّيار الرّوميّة محمد بن الشيخ بن إلياس، حين كانا قاضيين بالعسكر المنصور، سببا (¬١) فى تقديم قضاة العسكر على أمراء الأمراء فى الجلوس عليهم، وحصل بذلك لأهل العلم شرف زائد، وتضاعف الدّعاء منهم بسبب ذلك لحضرة السلطان مراد، وعدّ ذلك من محاسن أيّامه، أدامها الله تعالى، ومتّع المسلمين بطول بقائها. وبالجملة، فقد كان صاحب التّرجمة من مفاخر الدّيار الرّوميّة، ولولا ما كان فيه من الحدّة، وسرعة الغضب، لاتّفق الناس على أنه مفرد عصره فى جميع المحاسن، تغمّده الله برحمته. ***