Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أحمد بن أبى دواد بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك -يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان- الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي - الطبقات السنية في تراجم الحنفية · page 307, entry [201]

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Open narrator profile: أحمد بن أبى دواد بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك -يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان- الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى
page 307, entry [201]Open original source
١٥٤ - أحمد بن أبى دواد بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك -يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان- الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى (¬*) (¬٢) أصله من البصرة، وسكن بغداد (¬٢). ويقال إن اسم والده دعمى (¬٣)، ويقال: فرج (¬٤). قال الخطيب البغدادىّ: والصّحيح أن اسمه كنيته. وكانت ولادته كما نقله أبو العيناء عنه، سنة ستّين ومائة، وكان أسنّ من يحيى بن أكثم. قال الخطيب: ولى القضاء للمعتصم، والواثق، وكان موصوفا بالجود، وحسن الخلق،ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهميّة، وحمل الخليفة على امتحان العلماء بخلق القرآن. وقال الدّارقطنىّ: هو الذى كان يمتحن العلماء فى زمانه، وولى قضاء القضاة للمعتصم، والواثق، وكان هو الذى يولّى قضاة البلاد كلها من تحت يده، واستمرّ فى أيّام دولة المتوكّل، ثمّ صرف، وصودر. وقال أبو العيناء: كان أحمد بن أبى داود شاعرا مجيدا، فصيحا، بليغا، ما رأيت رئيسا أفصح منه، وكان فى غاية التّأدّب، ما خرجت من عنده يوما فقال: يا غلام، خذ بيده. بل كان يقول: اخرج معه. فكنت أفتقد هذا الكلام فما أخلّ به قطّ، وما كنت أسمعها من غيره. وقال النّديم فى «الفهرست»: كان من كبار المعتزلة، تجرّد فى إظهار المذهب، وذبّ عن أهله، وبالغ فى العناية به، وكان من صنائع يحيى بن أكثم، وهو الذى أوصله إلى المأمون، ثم اتّصل بالمعتصم فغلب عليه، ولم يكن يقطع أمرا دونه، ولم ير فى أبناء جنسه أكرم منه. وقال الصّولىّ: كان يقال أكرم من فى دولة بنى العباس البرامكة، ثم أحمد بن أبى دواد، لولا ما وضع به نفسه من محبّة (¬١) المحنة بخلق القرآن، والمبالغة فى ذلك، واللّجاج فيه، وحمل الخلفاء عليه، ولولا ذلك لأجمعت الألسن على الثّناء عليه، ولم يضف إلى كرمه كرم أحد. ويقال: إنّه لم يكن له أخ من إخوانه إلا بنى له دارا، ووقف على ولده ما يغنيهم أبدا، ولم يكن لأخ من إخوانه ولد إلاّ من جارية وهبها له. وممّا يحكى من/كرمه، أنه انقطع شسعه، فناوله رجل شسعا، فوهب له خمسمائة دينار. ويروى أنّ الواثق أمر بعشرة آلاف درهم، لعشرة من بنى هاشم، على يد ابن أبى دواد، فدفعها إليهم، فكلّمه نظراؤهم من بنى هاشم أيضا، ففرّق فيهم عشرة آلاف درهم مثلأولئك، من مال نفسه، على أنها من عند الواثق، فبلغه ذلك، فقال: يا أبا عبد الله، مالنا أكثر من مالك، فلم تغرم، وتضيف ذلك إلينا؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، لو أمكننى أن أجعل ثواب حسناتى لك، وأجهد فى عمل غيرها لفعلت، فكيف أبخل بمال أنت ملّكتنيه على أهلك الذين يكثرون الشكر، ويتضاعف فيهم الأجر. فوهبه الواثق مائة ألف درهم، ففرّقها كلّها فى بنى هاشم. وقال محمّد بن عمر الرّومىّ: ما رأيت أحضر حجّة من أحمد بن أبى دواد؛ قال له الواثق يوما: يا أبا عبد الله، رفعت إلىّ رقعة، فيها أنك ولّيت القضاء رجلا أعمى. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، هذا رجل من أهل الفضل، ولّيته ثم بلغنى أنّه أصيب ببصره، فأردت أن أصرفه، فبلغنى أنّه عمى من كثرة بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك، وأمرته أن يستخلف. قال: وفيها أنك أجزت شاعرا مدحك بألف دينار. قال: نعم، أجزته بدونها، وهذا شاعر طائىّ -يعنى أبا تمّام-لو لم أحفظ له إلاّ قوله لأمير المؤمنين المعتصم، يحرّضه على استخلافك، فى قصيدة مدحه بها (¬١): واشدد بهارون الخلافة إنّه … سكن لوحشتها ودار قرار فلقد علمت بأنّ ذلك معصم … ما كنت تتركه بغير سوار فطرب، وأمر لأبى تمّام بجائزة. وقال له الواثق يوما آخر: يا أحمد، لقد اختلّت بيوت الأموال بطلباتك للاّئذين بك. فقال: إنّ نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك. فقال: لا منعتك بعدها.(¬١) وروى الخطيب أن (¬١) عون بن محمد الكندىّ، قال: لعهدى بالكرخ ببغداد، وأن رجلا لو قال: ابن أبى دواد مسلم. لقتل فى مكانه، ثم وقع الحريق بالكرخ، وهو الذى ما كان مثله قطّ، كان الرجل يقوم فى صينيّة شارع الكرخ فيرى السّفن فى دجلة، فكلّم ابن أبى دواد المعتصم فى الناس، قال: يا أمير المؤمنين، رعيّتك فى بلدك، وبلد آبائك، نزل بهم هذا الأمر، فاعطف عليهم بشئ يفرّق فيهم؛ يمسك أرماقهم، ويبنون ما انهدم عليهم، ويصلحون أحوالهم. فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين إن فرّقها عليهم غيرى خفت أن لا يقسمها بالسّويّة، فأذن لى فى تولّى أمرها، ليكون الأجر أوفر والثناء أكثر. قال: ذلك إليك. فقسّمها على مقادير الناس وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط، واحتاج إلى زيادة فازدادها من المعتصم، وغرم من ماله فى ذلك غرما كثيرا، فكانت هذه من فضائله التى لم يكن لأحد مثلها. قال عون: فلعهدى بالكرخ بعد ذلك، وأنّ إنسانا لو قال: زرّ ابن أبى دواد وسخ. لقتل مكانه. وحدّث حريز بن أحمد بن أبى دواد، قال: حدّثنى علىّ بن الحسين الإسكافىّ، قال: اعتلّ أبوك، فعاده المعتصم، وكان معه بغا، وكنت معه/؛ لأنى كنت أكتب لبغا، فقام، فتلقّاه، وقال له: قد شفانى الله بالنّظر إلى أمير المؤمنين. فدعا له بالعافية، فقال له: قد تمّم الله شفائى، ومحق دائى بدعاء أمير المؤمنين. فقال له المعتصم: إنّى نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار. فقال له: يا أمير المؤمنين، فاجعلها لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا. فقال: نويت أن أتصدق بها ههنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها.ثم نهض، فقال: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين؛ فإنّك كما قال النّمرىّ لأبيك الرّشيد (¬١): إن المكارم والمعروف أودية … أحلّك الله منها حيث تجتمع (¬٢) من لم يكن بأمين الله معتصما … فليس بالصّلوات الخمس ينتفع (¬٣) فقيل للمعتصم فى ذلك، لأنه عاده، وليس يعود إخوته وأجلاّء أهله، فقال المعتصم: وكيف لا أعود رجلا، ما وقعت عينى عليه قطّ إلاّ ساق إلىّ أجرا، أو أوجب لى شكرا، أو أفادنى فائدة تنفعنى فى دينى ودنياى، وما سألنى حاجة لنفسه قطّ. وروى الخطيب فى «تاريخه» بسنده، عن ابن الأعرابىّ، أنه قال: سأل رجل قاضى القضاة أحمد بن أبى دواد أن يحمله على عير، فقال: يا غلام، أعطه عيرا، وبرذونا، وفرسا، وجارية. ثم قال، أما والله لو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك. فشكر له الرجل، وقاد ذلك كلّه، ومضى، انتهى. قلت: ومثل ذلك مروىّ عن معن بن زائدة الشيبانىّ، وهو متقدّم على ابن أبى دواد فى الجود والوجود، فلعلّ ابن أبى دواد حكى مكارمه الوافرة، وضارع أخلاقه الظاهرة (¬٤). ومن لطيف ما يحكى هنا، ويشهد لما ذكرنا، عن الصّاحب أبى القاسم إسماعيل بن عبّاد (¬٥)، أنه كان يعجبه الخزّ، ويأمر بالاستكثار منه فى داره، فنظر أبو القاسم الزّعفرانىّ يوما إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية، وعليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فنظر إليه الصّاحب، وقال: علىّ به.فاستمهل ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصّاحب بأخذ الدّرج من يده. فقام، وقال: أيّد الله مولانا: اسمعه ممّن قاله تزدد به … عجبا فحسن الورد فى أغصانه (¬١) فقال: هات يا أبا القاسم. فأنشده أبياتا، منها: سواك يعدّ الغنى ما اقتنى … ويأمره الحرص أن يخزنا (¬٢) وأنت ابن عبّاد المرتجى … تعدّ نوالك نيل المنى وخيرك من باسط كفّه … وممّن تناءى قريب الجنى (¬٣) غمرت الورى بصنوف النّدى … فأصغر ما ملكوه الغنى وغادرت أشعرهم مفحما … وأشكرهم عاجزا ألكنا أيا من عطاياه تهدى الغنى … إلى راحتى من نأى أو دنا كسوت المقيمين والزّائرين … كسى لم يخل مثلها ممكنا وحاشية الدّار يمشون فى … ضروب من الخزّ إلاّ أنا ولست أذكّر بى جاريا … على العهد يحسن أن يحسنا (¬٤) فقال له الصّاحب: قرأت فى أخبار معن بن زائدة، أن رجلا قال له/: احملنى أيّها الأمير. فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال له: لو علمت مركوبا غيرها لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة، ودرّاعة، وقميص، وسراويل، وعمامة، ومنديل ومطرف، ورداء، وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتّخذ من الخزّ أعطيناكه. وقد بلغ حديث معن المذكور للمعلّى بن أيّوب، فقال: رحم الله ابن زائدة، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنه كان عربيّا خالصا.قلت: وقد ذكرت أنا هذه القصّة لبعض موالى الدّيار الرّوميّة، فقال: لو كنت أنا مكان ابن زائدة ما أعطيته إلاّ الغلام فقط، إذ لا يركب غيره. وعن محمد بن عبد الملك الزّيّات الوزير، قال: كان رجل من ولد (¬١) عمر بن الخطّاب، ﵁، لا يلقى أحمد بن أبى دواد إلاّ لعنه، ودعا عليه، سواء وجده منفردا، أو فى محفل، وأحمد لا يردّ عليه؛ فاتّفق أن عرضت للعمرىّ حاجة عند المعتصم، فسألنى أن أرفع قضيّته، فخشيت أن يعارض أحمد، فامتنعت، فألحّ علىّ، فأخذت قصّته، ودخلت إلى المعتصم، فلم أجد أحمد، فاغتنمت غيبته، ودفعت له قصّة الرّجل، فدخل أحمد وهى فى يده، فناولها له، فلما رأى اسمه، وفيه أنّه من ذرّيّة عمر بن الخطّاب، قال: يا أمير المؤمنين، عمر ابن الخطاب يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تقضى لولده كلّ حاجة. فوقّع بقضاء حاجته، وأخذت القصّة، ودفعتها للرّجل، وقلت له: اشكر القاضى، فهو الذى اعتنى بك حتى قضيت حاجتك. فجلس الرّجل حتى خرج أحمد، فقام إليه، فجعل يدعو له ويشكره، فالتفت إليه أحمد، وقال له: اذهب عافاك الله، فإنى إنّما فعلت ذلك لعمر، لا لك. *** ومن أخباره الشّنيعة المتعلّقة بأمر المحنة بالقول بخلق القرآن، وبقيامه فى ذلك، على وجه الاختصار، ما حكاه ابن السّبكىّ فى «الطّبقات الكبرى» فى ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، قال (¬٢): ذكر الدّاهية الدّهيا، والمصيبة العظمى، وهى محنة علماء الزمان، ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن، وقيام أحمد بن حنبل الشّيبانىّ، وابن نصر الخزاعىّ، مقام الصّدّيقين، وما اتّفق فى تلك الكائنة من أعاجيب تناقلتها الرّواة على ممرّ السّنين: كان القاضى أحمد بن أبى دواد ممّن نشأ فى العلم، وتضلّع بعلم الكلام، وصحب فيهصباح (¬١) بن العلاء السّلمىّ، صاحب واصل بن عطاء، أحد رءوس المعتزلة، وكان ابن أبى دواد رجلا فصيحا؛ قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسا قطّ أفصح ولا أنطق منه، وكان كريما ممدّحا، وفيه يقول بعضهم (¬٢): لقد أنست مساوى كلّ دهر … محاسن أحمد بن أبى دواد وما طوّفت فى الآفاق إلاّ … ومن جدواك راحلتى وزادى (¬٣) مقيم الظّنّ عندك والأمانى … وإن قلقت ركابى فى البلاد (¬٤) وكان معظّما عند المأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعته، ويصغى إلى كلامه، وأخباره فى هذا كثيرة، فدسّ ابن أبى دواد له القول بخلق القرآن، وحسّنه عنده، وصيّره/يعتقده حقّا مبينا، إلى أن أجمع رأيه فى سنة ثمان عشرة ومائتين، على الدّعاء إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد، إسحاق بن إبراهيم الخزاعىّ، عمّ (¬٥) طاهر بن الحسين، فى امتحان العلماء كتابا، يقول فيه كذا وكذا. ثم ساق الكتاب، وجوابه، وأخبارا أخر تتعلّق بالإمام أحمد وغيره، أضربنا عنها خوف الإطالة، إذ المراد بيان أنّ السّبب فى هذه المحنة العظمى هو ابن أبى دواد، وذكر يسير من أخباره المتعلّقة بها، وأمّا حصرها فلا سبيل إليه. فعن أحمد بن المعدّل، أن ابن أبى دواد كتب إلى رجل من أهل المدينة: إن تابعت أمير المؤمنين فى مقالته استوجبت المكافأة الحسنة. فكتب إليه: عصمنا الله وإيّاك من الفتنة، الكلام فى القرآن بدعة يشترك فيه السّائل والمجيب؛ لتعاطى السّائل ما ليس له، وتكلّف المجيب ما ليس عليه، ولا نعلم خالقا إلاّ الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا نعلم غير ذلك، والسّلام.وروى الخطيب فى «تاريخه (¬١)» أن طاهر بن خلف، قال: سمعت محمد بن الواثق، الذى يقال له المهتدى بالله، يقول: كان أبى إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مقيّد، فقال أبى: ائذنوا لأبى عبد الله وأصحابه. يعنى ابن أبى دواد. قال: فأدخل الشيخ، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلّم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدّبك به مؤدّبك، قال الله تعالى (¬٢): ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها)،﴾ والله ما حيّيتنى بها، ولا بأحسن منها. فقال ابن أبى دواد: يا أمير المؤمنين، هذا رجل متكلّم. فقال له: كلّمه. فقال: يا شيخ، ما تقول فى القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفنى المسألة، أنا أسألك قبل. فقال له: سل. فقال الشيخ: ما تقول فى القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شئ علمه رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الرّاشدون، أم شئ لم يعلموه؟ فقال: شئ لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شئ لم يعلمه النبىّ ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علىّ، ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت!قال: فخجل ابن أبى دواد. وقال: أقلنى. قال: والمسألة بحالها؟ قال: نعم. قال: ما تقول فى القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شئ علمه النبىّ ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الرّاشدون، أم لم يعلموه؟ فقال: علموه، ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وسعك ما وسعهم!! قال (¬١): ثم قام أبى، فدخل مجلس الخلوة، واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شئ لم يعلمه النبىّ ﷺ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علىّ، ولا الخلفاء الرّاشدون، علمته أنت، سبحان الله، هذا (¬٢) شئ علمه النبىّ ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم. ثم دعا الحاجب، وأمره أن يرفع عن الشيخ قيوده، ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له فى الرجوع، وسقط من عينه ابن أبى دواد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا. انتهى. وقد أنكر ابن السّبكىّ فى «طبقاته (¬٣)» أن يكون صدر من ابن أبى دواد مثل هذا الكلام، الذى تنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطّباع، وهو قوله «شئ لم يعلموه»، فقال:وكان من الأسباب/فى رفع الفتنة، أن الواثق أتى بشيخ مقيّد، فقال له ابن أبى دواد: يا شيخ، ما تقول فى القرآن، أمخلوق هو؟. فقال له الشيخ: لم تنصفنى المسألة، أنا أسألك قبل الجواب، هذا الذى تقوله يا ابن أبى دواد من خلق القرآن شئ علمه رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، رضى الله تعالى عنهم، أو جهلوه؟ فقال: بل علموه. فقال: هل دعوا الناس إليه، كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟ قال: بل سكتوا. قال: فهلاّ وسعك ما وسعهم من السّكوت! فسكت ابن أبى دواد، وأعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكى يقول: هلاّ وسعك ما وسعهم. يكرّر هذه الكلمة. وكان ذلك من الأسباب فى خمود الفتنة، وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل. قال:-أعنى ابن السّبكىّ -وهذا الذى أوردناه فى هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من زاد فيها ما لا يثبت، فاحفظ ما أثبتناه، ودع ما عداه، فليس عند ابن أبى دواد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول: جهلوه. وإنّما نسبة هذا إليه تعصّب عليه، والحقّ وسط، فابن أبى دواد مبتدع، ضالّ مبطل لا محالة، ولا يستدعى أمره أن يدّعى شيئا ظهر له، وخفى على رسول الله ﷺ، والخلفاء الراشدين، كما حكى عنه فى هذه الحكاية، فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنّه أحد يتزيّى بزىّ المسلمين، ولو فاه به ابن أبى دواد لفرّق الواثق من ساعته بين رأسه وبدنه. قال: وشيخنا الذّهبىّ، وإن كان فى ترجمة ابن أبى دواد حكى الحكاية على الوجه الذى لا نرضاه، فقد أوردها فى ترجمة الواثق من غير ما وجه على الوجه الثابت.قال: وقد دامت هذه المحنة شطرا من خلافة المأمون، واستوعبت خلافة المعتصم والواثق، وارتفعت فى خلافة المتوكّل. وقد كان المأمون الذى افتتحت فى أيّامه، وهو عبد الله المأمون بن هارون الرّشيد، ممّن عنى بالفلسفة، وعلوم الأوائل، ومهر فيها، واجتمع عليه جمع من علمائها، فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن. قال: وذكر المؤرّخون أنه كان بارعا فى الفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، وكان ذا حزم، وحكم، وعلم، ودهاء، وهيبة، وذكاء، وسماحة وفطنة، وفصاحة، ودين. قيل: ختم فى رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، وصعد فى يوم منبرا، وحدّث فأورد بسنده نحوا من ثلاثين حديثا، بحضور القاضى يحيى بن أكثم، ثم قال له: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟ فقال: أجلّ (¬١) مجلس يفقّه الخاصّة والعامّة. فقال: ما رأيت له حلاوة، إنما المجالس لأصحاب الخلقان والمحابر. وقيل: تقدّم إليه رجل غريب، بيده محبرة، قال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث، منقطع به السّبيل. فقال: ما تحفظ فى باب كذا؟. فلم يذكر شيئا. قيل: فما زال المأمون يقول: حدّثنا هشيم، وحدّثنا يحيى، وحدّثنا حجّاج، حتى ذكر الباب. ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئا.قيل: فقال المأمون: حدّثنا فلان، وحدّثنا فلان. إلى أن قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيّام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث! أعطوه ثلاثة دراهم. قال/: وكان المأمون من الكرم بمكان مكين، بحيث إنّه فرّق فى ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم، وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق، وإنّما اقتصر فى عطاء هذا السّائل -فيما نراه والله أعلم-لما رأى منه من التّمعلم (¬١) وليس هو هناك، ولعلّه فهم عنه التّعاظم عليه بالعلم، كما هو شأن كثير ممّن يدخل إلى الأمراء، ويظنّهم جهلة، على العادة الغالبة. وكان المأمون كثير العفو والصّفح، ومن كلامه: لو علم الناس حبّى للعفو لتقرّبوا إلىّ بالجرائم، وأخاف أن لا أوجر فيه. يعنى لكونه طبعا له. قال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا. وقيل: إن ملاّحا مرّ والمأمون جالس، فقال: أتظنّون أنّ هذا ينبل فى عينى، وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعه المأمون، وظنّ الحاضرون أنه سيقضى عليه، فلم يزد على أن تبسّم، وقال: ما الحيلة حتى أنبل فى عين هذا السّيّد الجليل. *قال-أعنى ابن السّبكىّ -: ولسنا نستوعب ترجمة المأمون، فإن الأوراق تضيق بها، وكتابنا غير موضوع لها، وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير، وجرّه القليل الذى كان يدريه من علوم الأوائل، إلى القول بخلق القرآن، كما جرّه اليسير الذى كان يدريه فى الفقه، إلى القول بإباحة متعة النّساء، ثم لم يزل به يحيى بن أكثم، رحمه الله تعالى، حتى أبطلها، وروى له حديث الزّهرىّ، عن ابنى الحنفيّة، عن أبيهما محمّد بن علىّ، ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النّساء يوم خيبر. فلما صحّ له الحديث، رجع إلى الحقّ.وأمّا مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها، وكان قد ابتدأ بالكلام فيها، فى سنة اثنتى عشرة، ولكن لم يصمّم ويحمل الناس، إلاّ فى سنة ثمان عشرة، ثم عوجل ولم يمهل، بل توجّه غازيا إلى أرض الرّوم، فمرض، ومات، فى سنة ثمان عشرة ومائتين. واستقلّ بالخلافة أخوه المعتصم محمّد بن هارون الرّشيد، بعهد منه، وكان ملكا شجاعا، بطلا مهيبا، وهو الذى فتح عمّوريّة (¬١)، وقد كان المنجّمون قضوا بأنه يكسر، فانتصر نصرا مؤزّرا، وأنشد فيه أبو تمّام قصيدته السّائرة، التى أوّلها (¬٢): السّيف أصدق أنباء من الكتب … فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب والعلم فى شهب الأرماح لامعة … بين الخمسين لا فى السّبعة الشّهب (¬٣) أين الرّواية أم أين النّجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب (¬٤) قال: ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشّجاعة والمهابة والمكارم، والأموال، والخيل (¬٥)، والدّهاء، وكثرة العساكر، والعدد، والعدد. وقال الخطيب: ولكثرة عسكره، وضيق بغداد عنه، بنى سامرّا، وانتقل بالعساكر إليها، وسمّيت العسكر. ويقال: بلغ عدّة غلمانه الأتراك فقط، سبعة عشر ألفا. وقيل: إنه كان عريّا من العلم، مع أنه رويت عنه كلمات تدلّ على فصاحة ومعرفة. قال أبو الفضل الرّياشىّ: كتب ملك الرّوم، لعنه الله، إلى المعتصم، يتهدّده، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد، فقد قرأت/كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدّار.ومن كلامه: اللهمّ إنّك تعلم أنّى أخافك من قبلى، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلى. *قال ابن السّبكىّ: والناس يستحسنون هذا الكلام منه، ومعناه أن الخوف من قبلى؛ لما اقترفته من الذنوب، لا من قبلك؛ فإنك عادل لا تظلم، فلولا الذنوب لما كان للخوف معنى، وأمّا الرّجاء، فمن قبلك؛ لأنك متفضّل، لا من قبلى، لأنه ليس عندى من الطّاعات والمحاسن ما أرتجيك به. قال: والشّقّ الثانى عندنا صحيح لا غبار عليه، وأمّا الأوّل، فإنا نقول: إنّ الرّبّ تعالى يخاف من قبله، كما يخاف من قبلنا؛ لأنّه الملك القهّار، يخافه الطّائعون والعصاة، وهذا واضح لمن تدبّره. قال المورّخون: ومع كونه كان لا يدرى شيئا من العلم، حمل الناس على القول بخلق القرآن. قال ابن السّبكىّ: لأن أخاه المأمون أوصى إليه بذلك، وانضمّ إلى ذلك القاضى أحمد ابن أبى دواد، وأمثاله من فقهاء السّوء، وإنّما يتلف السّلاطين فسقة الفقهاء؛ فإنّ الفقهاء ما بين صالح وطالح، فالصّالح غالبا لا يتردّد إلى أبواب الملوك، والطّالح غالبا يترامى عليهم، ثم لا يسعه إلاّ أن يجرى معهم على أهوائهم، ويهوّن عليهم العظائم، ولهو على الناس شرّ من ألف شيطان، كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد، ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم، لنجّاه الله ممّا فرط منه، ولو كان الذين عنده من الفقهاء على حقّ لأروه الحقّ أبلج واضحا، ولأبعدوه عن ضرب مثل الإمام أحمد، ولكن ما الحيلة والزمان بنى على هذا! أو بهذا (¬١) تظهر حكمة الله فى خلقه. ومات المعتصم، فى سنة سبع وعشرين ومائتين. وولى الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد، وكان مليح الشّعر، يروى أنه كان يحبّ خادما أهدى له من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم إنّه سمعه يقول لبعضالخدم: والله إنه ليروم أن أكلّمه من أمس، فلم (¬١) أفعل. فقال الواثق فى ذلك: يا ذا الذى بعذابى ظلّ مفتخرا … ما أنت إلاّ مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجارينا على قدر … وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى وقد ظرف عبادة المخنّث، حيث دخل إليه، وقال: يا أمير المؤمنين، أعظم الله أجرك فى القرآن. قال: ويلك، القرآن يموت!! قال: يا أمير المؤمنين، كلّ مخلوق يموت، بالله من يصلّى يا أمير المؤمنين بالنّاس التّراويح إذا مات القرآن؟. فضحك الخليفة، وقال: قاتلك الله، أمسك. قال الخطيب: وكان ابن أبى دواد قد استولى عليه، وحمله على تشديد المحنة. قال ابن السّبكىّ: وكيف لا يشدّد المسكين فيها، وقد أقرّوا فى ذهنه أنّه حقّ يقرّبه إلى الله تعالى، حتى إنّه لمّا كان الفداء، فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، واستفكّ الواثق من طاغية الرّوم أربعة آلاف وستمائة، قال ابن أبى دواد، على ما حكى عنه ولكن لم يثبت عندنا:/من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه فى الأسر. وهذه الحكاية إن صحّت عنه دلّت على جهل عظيم، وإفراط فى الكفر. وهذا من الطّراز الأوّل، فإذا رأى الخليفة قاضيا يقول هذا الكلام، أليس يوقعه فى أشدّ ممّا وقع منه؟!. فنعوذ بالله من علماء السّوء، ونسأله التوفيق والإعانة. انتهى (¬٢). ولنرجع إلى أخبار أحمد: روى عن الحسن بن ثواب، قال: سألت أحمد بن حنبل عمّن يقول: القرآن مخلوق.قال: كافر. قلت: فابن أبى دواد؟ قال: كافر بالله العظيم. قلت: بماذا كفر؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال الله تعالى (¬١): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)،﴾ فالقرآن من علم الله، فمن زعم أنّ علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. وقال أبو حجّاج الأعرابىّ يهجوه: نكست الدّين يا ابن أبى دواد … فأصبح من أطاعك فى ارتداد (¬٢) زعمت كلام ربّك كان خلقا … أمالك عند ربّك من معاد كلام الله أنزله بعلم … وأوحاه إلى خير العباد ومن أمسى ببابك مستضيفا … كمن حلّ الفلاة بغير زاد لقد أظرفت يا ابن أبى دواد … بقولك إنّنى رجل إيادى قلت: قد ظلمه هذا الشاعر، بنسبته إلى البخل، مع ما قدّمنا ذكره عنه من المكارم، وحسن الصّنيع إلى من يعرف ومن لا يعرف، حتى لعدوّه، وأحسن منه قول بعضهم يهجوه أيضا (¬٣): لو كنت فى الرّأى منسوبا إلى رشد … أو كان عزمك عزما فيه توفيق لكان فى الفقه شغل لو قنعت به … من أن تقول كلام الله مخلوق ماذا عليك وأصل الدّين يجمعهم … ما كان فى الفرع لولا الجهل والموق (¬٤)وفى «تاريخ الخطيب» (¬١) عن أبى الذيل، قال: دخلت على ابن أبى دواد، وابن أبى حفصة ينشده هذه الأبيات (¬٢): فقل للفاخرين على نزار … ومنها خندف وبنو إياد رسول الله والخلفاء منّا … ومنّا أحمد بن أبى دواد قال: فقال لى: كيف تسمع يا أبا الهذيل؟ فقلت: هذا يضع الهناء مواضع النّقب (¬٣). ثم إن أبا الهذيل (¬٤) نقض على ابن أبى حفصة، فقال: فقل للفاخرين على نزار … وهم فى الأرض سادات العباد رسول الله والخلفاء منّا … ونبرأ من دعىّ بنى إياد وما منّا إياد إذ أقرّت … بدعوة أحمد بن أبى دواد (¬٥) فبلغ ابن أبى دواد قوله، فقال: ما بلغ منّى أحد ما بلغ هذا الكلام، ولولا أنّى أكره أن أنبّه عليه، لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد مثله، جاء إلى منقبة كانت لى، فنقضها عروة عروة. كذا عزاه الخطيب إلى ابن أبى حفصة وأبى الهذيل، وقال الصّلاح الصّفدىّ، فى كتاب «المجاراة والمجازاة»: إن الأبيات الأوّل لمروان بن أبى الجنوب، والأبيات الثانية لأبى الهفّان المهزمىّ. والله أعلم. وروى أن ابن أبى دواد، كان بينه وبين محمّد بن عبد الملك الزّيّات، وزير المعتصم، مناقشات (¬٦) وشحناء، حتى قيل: إن أحمد قال له مرّة: والله ما أجيئك (¬٧) متكثّرا بك منقلّة، ولا متعزّزا بك من ذلّة، ولكنّ أمير المؤمنين رتّبك رتبة أوجبت لقاك، فإن لقيناك فله، وإن تأخّرنا عنك فلك. ثم نهض من عنده. قال ابن خلّكان: وكانت وفاته بعد موت الوزير المذكور بسبعة وأربعين يوما (¬١). قال: ولما حصل له الفالج، ولّى القضاء موضعه ابنه أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته مرضيّة، وكثر ذامّوه، وقلّ شاكروه، حتى قال إبراهيم بن العبّاس الصّولىّ: عفّت مساو تبدّت منك ظاهرة … على محاسن أبقاها أبوك لكا (¬٢) قف قد تقدّمت أبناء الكرام به … كما تقدّم آباء اللّئام بكا قال ابن خلّكان: ولعمرى، لقد بالغ فى طرفى المدح والذّمّ، وهو معنى بديع. قال: واستمرّ على القضاء (¬٣) إلى سنة تسع (¬٤) وثلاثين ومائتين، فسخط المتوكّل على القاضى أحمد وولده محمّد، فأخذ من الولد مائة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، وجوهرا بأربعين ألف دينار، وسيّره إلى بغداد من سرّ من رأى، وفوّض القضاء إلى يحيى بن أكثم الصّيفىّ. وقال بعض البصريّين يهجوه، حين بلغه أنه فلج (¬٥): أفلت نجوم سعودك ابن دواد … وبدت نحوسك فى جميع إياد فرحت بمصرعك البريّة كلّها … من كان منها موقنا بمعاد لم يبق منك سوى خيال لامع … فوق الفراش ممهّدا بوساد وخبت لدى الخلفاء نار بعد ما … قد كنت تقدحها بكلّ زنادأطغاك يا ابن أبى دواد ربّنا … فجريت فى ميدان إخوة عاد لم تخش من ربّ السّماء عقوبة … فسننت كلّ ضلالة وفساد كم من كريمة معشر أرملتها … ومحدّث أوثقت بالأقياد كم من مساجد قد منعت قضاتها … من أن تعدّل شاهدا برشاد كم من مصابيح لها أطفيتها … كيما تزلّ عن الطّريق الهادى إن الأسارى فى السّجون تفرّجوا … لمّا أتتك مواكب العوّاد (¬١) وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجد … لعلاج ما بك حيلة المرتاد لا زال فالجك الذى بك دائما … وفجعت قبل الموت بالأولاد وأبا الوليد رأيت فى أكتافه … سوط الخليفة من يدى جلاّد ورأيت رأسك فى الخشوب معلّقا … فوق الرّءوس معلّما بسواد (¬٢) قال الخطيب: وأبو الوليد هذا، هو ابن أحمد بن أبى دواد، واتّفق أنّه مات هو وأبوه منكوبين، وكان بين وفاتيهما نحو شهر، هو فى ذى (¬٣) الحجّة، سنة تسع وثلاثين ومائتين،/ وأبوه فى المحرم، سنة أربعين ومائتين، يوم السّبت، لتسع بقين منه. ومن شعر أحمد، وقد بلغه أن شخصا هجا ابن الزّيّات الوزير بسبعين بيتا، وقيل: إن ابن الزّيّات هو الذى قال السّبعين بيتا فى هجو أحمد، فقال (¬٤): أحسن من سبعين بيتا هجا … جمعك معناهنّ فى بيت ما أحوج الملك إلى مطرة … تغسل عنه وضر الزّيت فبلغ ابن الزّيّات ذلك، فقال (¬٥): يا ذا الذى يطمع فى هجونا … عرّضت بى نفسك للموتالزيت لا يزرى بأحسابنا … أحسابنا معروفة البيت قيّرتم الملك فلم ينقه … حتى غسلنا القار بالزّيت (¬١) وفى هذا إشارة إلى ما يقال من أنّه كان فى أجداد أحمد من يبيع القار. ومن مختار شعر أبى تمّام فى مدحه قوله (¬٢): أأحمد إنّ الحاسدين كثير … ومالك إن عدّ الكرام نظير حللت محلاّ فاضلا متقادما … من الفخر والمجد القديم فخور وكلّ غنىّ أو فقير فإنّه … إليك وإن نال السّماء فقير (¬٣) إليك تناهى المجد من كلّ وجهة … يصير فما يعدوك حيث تصير وبدر إياد أنت لا ينكرونه … كذاك إياد للأنام بدور تجنّبت أن تدعى الأمير تواضعا … وأنت لمن يدعى الأمير أمير فما من ندى إلاّ إليك محلّه … ولا رفعة إلاّ إليك تسير (¬٤) وقال أيضا، من قصيدة فى مدحه (¬٥): أيسلبنى ثراء المال ربّى … وأطلب ذاك من كفّ جماد زعمت إذا بأنّ الجود أضحى … له ربّ سوى ابن أبى دواد ومن كلام أحمد الذى ينبغي أن يكتب بماء الذهب: ثلاثة ينبغى أن يبجّلوا وتعرف أقدارهم: العلماء، والولاة، والإخوان؛ فمن استخفّ بالعلماء أهلك دينه، ومن استخفّ بالولاة أهلك دنياه، ومن استخفّ بالإخوان أهلك مروءته. وحكى عنه ولده، أنه كان إذا صلّى رفع يديه، وقال (¬٦): ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنّما … نجح الأمور بقوّة الأسباباليوم حاجتنا إليك وإنّما … يدعى اللّبيب لساعة الأوصاب (¬١) قال أبو بكر ابن دريد (¬٢): كان ابن أبى دواد مألفا (¬٣) لأهل الأدب، من أىّ بلد كانوا، وكان قد ضمّ منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم، وقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم، وتاريخ الأدب، ولا نتكلّم، إن هذا وهن وتقصير. فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم، فقال أحدهم: اليوم مات نظام الملك واللّسن … /ومات من كان يستعدى على الزّمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت … شمس المكارم فى غيم من الكفن وتقدّم الثانى، فقال: ترك المنابر والسّرير تواضعا … وله منابر لو يشا وسرير ولغيره يجبى الخراج وإنما … يجبى إليه محامد وأجور وتقدّم الثالث، فقال: وليس فتيق المسك ريح حنوطه … ولكنّه ذاك الثّناء المخلّف وليس صرير النّعش ما تسمعونه … ولكنه أصلاب قوم تقصّف هذا، وقد أطلقنا عنان القلم فى ترجمة أحمد، ومع ذلك لو رمنا حصر محاسنه، وما يؤثر عنه من مكارم الأخلاق، ومن مساويها التى تعزى إليه فى أمر المحنة، لكلّ لسان القلم، وقصر باع الاطّلاع. وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الوقوف على حاله، وما كان عليه من الحسن والقبح. تجاوز الله عنه، إنّه جواد كريم. ***

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Birth Year Ah

    1

    إذ لا يركب غيره. وعن محمد بن عبد الملك الزّيّات الوزير، قال: كان رجل من ولد (¬١) عمر بن الخطّاب، ﵁، لا يلقى أحمد بن أبى دواد إلاّ لعنه، ودعا عليه، سواء

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    2

    ليس يوقعه فى أشدّ ممّا وقع منه؟!. فنعوذ بالله من علماء السّوء، ونسأله التوفيق والإعانة. انتهى (¬٢). ولنرجع إلى أخبار أحمد: روى عن الحسن بن ثواب، قال: سألت أحمد بن حنبل ع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبو عبد الله

    مالك -يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان- الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Kunya

    أبى دواد بن

    أحمد بن أبى دواد بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك -يتّصل نسبه بإيا

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Kunya

    ته

    ٢). ويقال إن اسم والده دعمى (¬٣)، ويقال: فرج (¬٤). قال الخطيب البغدادىّ: والصّحيح أن اسمه كنيته. وكانت ولادته كما نقله أبو العيناء عنه، سنة ستّين ومائة، وكان أسنّ من يحيى بن أكثم. قال ا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Teacher and student relations

Parsing and provenance details
Local passage ID
239767
Book record
shamela-322
Source record
51135
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
أحمد بن أبى دواد بن حريز ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك -يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان- الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى — shamela-322 · Hadith Research Library