page 6282, entry [2818]Open original source
يُوسُف بن مُحَمَّد بن غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب بن شَاذِي بن مَرْوَان، السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين ابن السُّلْطَان المَلِك العَزِيْز ابن السُّلْطَان المَلِك الظَّاهِر ابن السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين الكَبِير، صَاحب حَلَب ثمَّ صَاحِب الشَّام " قال ابنُ العَدِيْم: حَضَرَ بعضُ المُدَرِّسين إلى المُعَسْكَر، ورَفَعَ على يَدي قِصَّةً بين يدَيْهِ تَتَضَمَّن التَّضَوُّرَ من قِلَّةِ مَعْلُومِه، ويَذْكُر أنَّ عِيَالَهُ وصَلُوا من مِصْر، وأنَّهُ لا يَطْلب التَّثْقِيل على السُّلْطَان في مثْل هذا الوَقْت الَّذِي يَعْلَم ما يُحْتاج فِيهِ إلى الكُلَف بل يَطْلب زِيادَةً في المَدْرسَة الَّتِي هو بها، فقال: كيفَ شَرط الوَاقِف؟ فقُلْتُ: شَرط ما يتَناوَلهُ الآن، لَكِن ذَكَرَ أنَّ في كتاب الوَقْف ما يَدُلّ على أنَّ للسُّلْطَانِ أنْ يزِيدَهُ إِذا رَأى فِي ذلك مَصْلحَةً، فأَطْرَقَ كما هي عادَته إِذا لم يَرَ === قَضَاء ما طُلب ولم يُردّ فِي ذلك جَوابًا، ولم يَهُن عليه رَدّهُ خائِبًا، وتَوَرَّع عن مُخَالفَةِ الوَاقِف، فقرَّرَ له ما طَلَبه على دِيْوانه دُون الوَقْف" (¬١). "وقيل له عن جَلَال المُلُوك وقد مَرَّ على مَكانَهُ في الجَبَل: ما رَأْني مَوْلانا السُّلْطَان منهُ؟ فقال: رَأيتُ شَيْخًا أشْقَر على جَبَلٍ أَحْمَر، يَأْكُل حَشِيْشًا أَخْضَر، ويتَكَلَّم بالمُنْكَر. وكان عنْده في لَيْلَة جَماعَة من الأُدَباءِ، فذَكَرُوا قَول عُمَر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِيِّ: [من الطويل] تَشَكَّى الكُمَيْتُ الجريَ لما جهدتُه … وبيَّن لو يَسْطيعُ أَنْ يَتَكلَّما فقال بَعضُهم: يا مَوْلَانا، مَتى نَعُود إلى الكُمَيْت؟ ويُشِير إلى الخَمْر، فقال لَه: حَتَّى تَعُود إلى الأدْهَم؛ يُرِيد القَيْد، وكانَ قد قُيِّدَ مرَّة وسُجن. وكانَ لبَعضِ الشُّعَرَاء عليهِ رَسْم في كُلِّ سَنَة؛ تَشْريف ودَرَاهِم، فأنْشَدَهُ قَصِيْدة قال فِيهَا: [من الطويل] أمَولاي رَسْمي قد تَقَادَمَ عَهْدُه … ومن يَدِك العُلْيا تَجَدُّدُ عَهْدِهِ فقال له السُّلْطان: الرُّسُوم كَثِيرَةٌ؛ فأَيُّ رَسْم أرَدْتُ؟ فَقال الشَّاعِرُ: رُسُومُ العَامَّة أطْلَالُ الدِّيار، ورسُومُ الخاصَّة جَوَائزُ المُلُوك! فقال السُّلْطَان: على هذا الرَّسم هو المُعَوَّل، يُشِير إلى قَول امْرِئ القَيْس: [من الطويل] وهل عنْد رَسْم دَارسٍ من مُعَوَّلِ === قال ابنُ العَدِيْم: حَفَرتُ يَوْمًا بين يَدَيْهِ، وشَاوْرتُه على هذا الشَّاعِر أنْ يُنْشِد قَصِيْدة عَملها في تَهْنئته بقُدُوم دِمَشْق، وشَفعها بأبْيَاتٍ يُذَكِّر برَسْمِهِ، فوَقَف على الوَدقين، ثمَّ أذن له، فَحَضرهُ وأنْشد قَصِيْدة المَدْح وخَرَجَ بسُرْعَةٍ، فاسْتَرجَعهُ، وقال له: أنْشد هذه الأبْيَات فإنَّك أنْشَدت أبْيَات القَصِيْد ولم تُنْشد أبْيَات القَصْد، فلمَّا أنْشَدهُ الأبْيَات قال: السَّيْفُ يحْتَاج إلى الهَزِّ، وأمَرَ له بتَشْريفه ورَسْمه. وحَضَرَ إليهِ الشِّهَاب رَشيْدُ الخَادِم من مِصْر، فأنْعَم عليه، وبَالَغ في الإِحْسَان إليه، وكَتَبَ لهُ خُبْزًا خَدم عليهِ، فلمَّا جاءَت السَّنَة الثَّانية تَضَوَّر، وطَلَبَ الزِّيَادَة فِي إقْطاعِه، وتَكَرَّر طَلبُه مِرَارًا، فَقال آخر مَرَّة: يَنْبَغِي أنْ تَسدُّوا فَم رَشِيْد! يُشِير إِلَى زِيَادَة إقْطاعه، وفَم رَشِيْد مَعْرُوف بالدِّيار المِصْريَّة. وكانَ مرَّةً جَالسًا وبَين يَدَيْهِ شَاعِرٌ، فأَنْشَد قَصِيْدة، فأخَذَ بعضُ الجَمَاعَة ينْتَقد عليه، فقال الشَّاعِرُ: دَعُونِي حَتَّى أُتِمَّ الإنْشَاد وبعد ذلك يكُون الانْتِقاد، فقال السُّلْطانُ: لا تجْعَلُوا النَّقْد نَقْدًا. ولمَّا وَقَعَ الصُّلْحُ بينَهُ وبين المِصْريِّيْن على أنْ يردُّوا كُلَّ ما كان مُتَخَلِّفًا للأُمَراءِ الَّذينِ في خِدْمَة السُّلْطان، أحْضَر في جُمْلَة ما أحْضَر ما كان بَقِي للأمِيْر لجَمال الدِّين بن يغْمُور بدِيار مِصْر، فعَزَلَ ممَّا حَضَره ما يَصْلُح لتِقْدِمة السُّلْطَان ونوَّعَهُ أنْواعًا من كُتُب وغَيرها، وكَتَبَ جَرِيدَة مع التَّقْدمة بما سَيَّرَهُ، وجَعَلَ أوَّل الجَريْدَة أسْماء الكُتُب اسْمَ كتاب يُقال له: جُهْد المُقِلِّ؛ إِشارَةً إلى اسْتِقْلَال تَقْدِمَتهِ، ونَفذَ ذلك على أيْدِي المُحْتَرفين من أصْحابهِ، وقال للمُشَارِ إليه منْهُم: إذا حَضَرْتَ بين يَدي السُّلْطان قُل: يا مَوْلَانا هذا بَقِيَّة السَّيْف! فلمَّا قال ذلك، قال السُّلْطان بسُرْعَة: بل ﴿بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (¬١). === وكان بين يَديْه في بعضِ اللَّيَالِي شَخْصٌ، فاسْتَأْذن ذلك الشَّخْص في طَلَبِ خَاله، فقال لَهُ السُّلْطان: كأَنَّك تقُول: ما يَطِيْب لي هذا المكان وهو خَالي من خَالِي. وكان جمَاعَةٌ يُلقَّبُون بأسْماءِ الطُّيُور، ويَجْتَمعُونَ في مكان فيهِ لأغْرَاضِهم، فقال الجَماعَةُ: يَنْبَغِي أنْ نُسَمِّي هذا المكان الدَّوْحَة لأنَّ الطيُور تأوي إليْها، ثمَّ قالوا: لا؛ بل يَنْبَغِي أنْ يُسَمَّى الأيْكَة! فقال السُّلْطان: إنَّما عَدَلت عن الدَّوحَةِ إلى الأيْكة ليُقال ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ (¬١). قال ابنُ العَدِيْم: كان ذات لَيْلَة في سَماع، وكأنَّهُ اسْتَطاب ذلك، وتَفَكَّر في نعْمَة الله عليه، فسَمِعْتُه وهو يَقُول ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (¬٢)، وكانَ في يَدي بعض الجَماعَة شَمْعَة، وسَقَطَ الشَّمْعَدَان فِي تلكَ الحالة، وسُمِعَت لَهُ رنَّةٌ، فَسَمِعْتُه يَقُول: [من المديد] ولها من نَفْسِها طَرَبُ … فلهَذا يَرْقصُ الحَبَبُ وأُخْبِرَ مرَّةً أنَّ المُسْلِمين أخذُوا صَيْدًا، وأنَّ الفِرِنْج ألْقوا نُفُوسم في البَحْر لئَلَّا يُقْتلُوا ويُؤسَرا، فقال السُّلْطَان ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (¬٣). وحَضَرَ إليه شَخْصٌ يُقال لهُ ابن اللَّهِيْب، ومعَهُ وَلدٌ له صَغِير، سَرِيع الحَرَكَة، كَثِير الحِدَّة، فَقال بعضُ الجَماعَة: هذا الصَّغِيرِ كأَنَّهُ شرَارة، وكانَ قد حضَر على يَدي الصَّغِير تُحَف غَرِيبَة، فَقال السُّلْطان: [من المجتث] ابنُ اللَّهِيْب أتَانا … بكُلِّ مَعْنىً غَرِيبِ ولَيْسَ ذا بعَجِيْب … شرَارةٌ من لَهيبِ" (¬٤) === " قال ابنُ العَدِيم: وأنْشَدَنِي لنَفسِهِ: [من الكامِل] البَدْر يَجْنَح للغُرُوب ومُهْجَتي … لفِرَاق مُشْبِهِهِ أسى تَتَقَطَّعُ والشَّرْب قد خَلَط النُّعاسُ جُفُونَهم … والصُّبْحُ من جِلْبَابِهِ يَتَطَّلعُ" (¬١) "قال: وأنْشَدَنِي لنَفْسهِ: [من مجزوء الرجز] اليَوْمُ يَوْم الأربعا … فيهِ نُطيب المَرْتعا يا صَاحِبي أمَا تَرَى … شَمْلُ المُنى قد جُمِعا وقد حَوَى مَجْلِسُنا … جلّ السُّرُور أَجْمَعا فَقُمْ بنا نَشْربها … ثَلاثَةً وأرْبَعا من كفِّ سَاقٍ أَهْيَفٍ … شَبيهِ بَدْرٍ طلعا في خَدِّه وثَغْرِه … وَرْدٌ ودُرّ صُنِعا يَسْطُو ويَرْنو تَارَةً … كاللَّيْث والظَّبي مَعا وقال وَقد تُوفِّي لبَعض مَمالِيْكِه وَلد يُلَقَّب بالسَّيْفِ: [من الطَّوِيل] ونُبِّئتُ أنَّ السَّيْف فُلَّ غِرَارُه … وقد كُنْتُ أرْجُوِه لنَائِبةِ الدَّهْرِ فعانَدَني فيهِ الزَّمَان ورَيبه وجاءَت … صُرُوف الدَّهْر من حيْثُ لا أَدْرِي" (¬٢) "ومن شِعْرِهِ أيضًا: [من الطويل] سَقَى حَلَبَ الشَّهْبَاء كُلَّ مُرِنَّةٍ … سَحائب غَيْث نَوؤها ليسَ يقْلعَ فتِلك ربُوعي لا العَقِيقُ ولا الحَمِى … وتلك دِياري لا زَرُود ولَعْلعَ وقال أيضًا: === فواللهِ لو قطّعتَ قَلْبِي تأسُّفًا … وجَرَّعَتني كاسَات دَمْعِي دَمًا صرفا لمَا زَادَني إلَّا هَوَىً ومَحبَّةً … ولا اتَّخَذت رُوْحِي سِوَاك لها إلْفا" (¬١) "ووَرَدَ الخَبَرُ في مُنْتَصَفِ صَفَر من سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِين وستِّمائة بورُود التَّتَار إلى حَلَب ودُخُولها بالسَّيْف، فهَرَبَ السُّلْطان مَع الأُمَرَاء المُوافِقين له، وِزَالَ مُلْكه، ودَخَلَ التَّتارُ بعدَهُ بيَومٍ إلى دِمَشْق، وقُرئ فرمان المَلِث بِأمَانِ أهْلِ دِمَشْق وما حَوْلها حتَّى وَصَلَ السُّلْطانُ [إلي غَزَّة ثُمَّ] (¬٢) إلى قَطْيَا، وتَفَرَّق عنه عَسْكَره، فتَوَجِّه مع خَواصِّه إلى وادِي مُوسى، ثُمّ جاءَ إلى بِرْكَة زِيْزَا، فكَبَسَهُ كَتْبُغا، فهَربَ وأتَى إلى التَّتَار بالأمَان، فبَقِي معهم في ذُلٍّ وهَوَان. [وكان قد هَرَب إلى البلَاد فسَارُوا خَلْفه، فأخَذُوهُ وقد بَلَغت الشَّرْبة عندهم نَحْو مائَة دِينَار، فأتوا بهِ كَتْبُغَا وهو يُحاصِر عَجْلُون، فوَعَدَهُ وكَذبهُ، وسَقاه خَمْرًا صِرْفًا، فسَكِرَ، وطَلَبُوا منْهُ تَسْلِيم قلَعة عَجَلُون، فأمَر نائبها بتَسْلِيمها ففَعَلَ، ودَخَلَها التَّتَارُ ونَهَبُوهَا. ثمَّ إنَّهُم سارُوا بالنَّاصِر وأخيه إلى هُولَاكُو، فأكْرَمَهُ وأحْسَنَ إليهِ، فلمَّا بَلَغهُ قَتْل كَتْبُغا أمَرَ بقَتْلهِ فاعْتَذَر، فأمْسَك عَنهُ مع إعْرَاض، فلمَّا بَلَغَهُ كَسْر عَسْكَره على حِمْصَي اسْتَشَاط غَضَبًا، وقَتَلَهُ ومَن مَعَه سوى ولَده العَزِيز] (¬٣)، وقيل: إنَّهُ قَتَلهُ بالسَّيْفِ عقِيبَ واقِعَة عَيْن جَالُوت، وقيل: خُصَّ بعَذَابٍ دُونَ أصْحابه، وقيل: جُعِلَ هَدَفًا للسِّهَام، وقيل: جُمِعَ لَهُ نَخْلَتان ورُبِطَ بينهما، ثُمّ إنَّهُ قُطعَ حَبْل الجَمْع بينَهما فافْتَرَقَتا، فذَهَبَت كُلُّ واحدةٍ بِشِقٍّ منه" (¬٤). ===