page 6236, entry [2778]Open original source
مُحَمَّد بن عُبَيْد الله المُسَبِّحِيُّ، أبو عُبَيْد الله " نَقَلْتُ من خَطِّ الصَّاحِب الكَبِير كَمال الدِّين بن أبي جَرَادَة ممَّا اخْتَارَهُ من تاريخ المُسَبِّحِيّ: وفي ضَحْوَة نَهار الاثْنَين التَّاسِع من شَعْبان سَنَة أرْبَعمائةٍ، تُوفِّي والدِي، ﵁ وأرْضاه، وجَعَل الجَنَّةَ مأواه، وهو أبو القَاسِم عُبَيْد الله بن أحْمَد بن إسْماعِيْل بن عبد العَزِيْز الحَرَّانيّ المَعْرُوف بالمُسَبِّحِيّ. وكان مَرَضُه من قَطَائِف أكَلَ منها شَيئًا فأسْهَلَه، وكان قد بَلَغَ من السِّنِّ ثلاثًا وتِسْعين سَنَةً، وأقام في مَنْزله مَصُونًا عن المَصائِب والنَّوائِب أرْبَع سِنين مَخْدُومًا على البَرَاذع والوَسائِد، ولَم يَرَ مُصِيبَةً في عُمْرِه. وكان صَحِيحَ السَّمْع والبَصَر والعَقْل. قال: ولمَّا كانت اللَّيْلةُ الَّتي تُوفِّي فيها، ﵁، ذَهَبْتُ إلى المَسْجِد الجامِع العَتِيق ومعي من فَواضِل نِعَم الله ما تَصَدَّقْتُ به عنه، وسألْتُ جَماعَةً من أهْل السَّتْر والقُرْآن الدُّعاءَ له، ورَغِبْتُ إلى الله سُبْحانه في إمْتاعِي ببَقائِه. وعُدْتُ بعد العَتْمَة، وهو ﵁ جالِسٌ على فَرْشِه، فقال لي: يا بُنَيَّ، شَغَلْت والله قَلْبي بتأخُّرِك إلى هذا الوَقْت، فأين كُنْتَ يا سَيِّدَ أبيه؟ قُلْتُ: كُنْتُ في الجامِع العَتِيْق لحاجَةٍ لي هُناك، قال: بحَياتي ما هي؟ قُلْتُ: الرَّغْبَة إلى اللهِ جَلَّ اسْمُه في طُولِ عُمْرِكَ، قال: تَقَدَّمْ إليَّ، فتَقَدَّمْتُ إليه، فقَبَّلَ بين عَيْني وقال: يا بُنَيَّ، مَن يُخَلِّفكَ ما مات، قُلْتُ: يا مَوْلاي، فهل تَجِد ألَمًا أو وَجَعًا، قال: لا واللهِ، ولا شَيئًا ممَّا يُشْتَكى بالجُمْلة غير أنَّ رُوحِي صَغِيرة. فأمَرْتُ مَنْ في دَارِنا بإصْلاح ماءِ الفَرَارِيْج وماءِ اللَّحْم وتَطْييبه وإعْدَادِه، فقال لي: يا بُنَيَّ، دَارُكَ وعِيالُك ووَالدِتُك وأُخْتُك وعَمَّتُك؛ ما أحْتاجُ إلى ذِكْرِ أحَدٍ منهم لك إنْ مُتّ، إذْ كنتَ عليهم أشْفَقُ وأرْفَقُ من أنْ تَحْتاج منِّي إلى وَصِيَّة في أمْرِهم، وما أوصِيك إلَّا بأمْر نَفْسِي: ابْتَع لي كَفَنًا بكَذا، وتابُوتًا بكذا، وحُنُوطًا بكذا، وأخْرِجْ عَنِّي حَجَّة === الإسْلَام؛ فقد عاهَدْتُ أبا إسْحَاق الخَرَّاز أنْ يَحُجَّ عَنِّي - وكان هذا رَجُلًا من الأبْدال يَحُجّ في كُلِّ سَنَة، وكان أبي، ﵀، صَارُوْرة (¬١) لم يَحُجَ - وأقِمْ على قَبْري قَارِئَيْن يَقْرآن في كُلِّ يَوْمٍ نِصْف خَتْمَة، ويَسْتَكْملان خَمْس عَشْرَة خَتْمَة في الشَّهْر، وتَصَدَّقْ عَنِّي بدِيْنارٍ في كُلِّ خَتْمَة، وادْفِنِّي في الدَّارِ الصَّغِيْرة؛ كُلُّ ذلك والبُكَاءُ يَغْلِبُني والنَّحِيبُ، فقال: يا بُنَيّ، دَعْ هذا عنْك واسْتَوعِب ما أُوصِيكَ بهِ، وافْهَمْ عَنِّي، فقُلْتُ: لا واللهِ إلَّا في مَجْلِسك هذا! فقال: لا تَفْعَل هذا بوَجْهٍ ولا بسَبَب، فأنِّي أخافُ أنْ أُثْقِلَ عليكم، واعْمَل معي ما وَصَّيْتُك به لسَنَةٍ كَامِلَة، فإذا تَمَّت فاصْنعَ ما بَدَا لك، فقُلْتُ: واللهِ يا مَوْلاي، لئن قَضَى اللهُ علَيَّ بهذه المُصِيْبَة لأفْعَلَنَّ أضْعافَ ما وَصَّيْت به، فتَشُكّ يا مَوْلاي فيَّ؟ فقال: لا واللهِ يا بُنَيّ؛ ولكنْ أشْغالُ الدُّنْيا تَشْغَلُكَ. ثُمّ أخَذَ في الذِّكْر، فلعَهْدِي به، ﵁، وأنا جالِسٌ خَلْفَ ظَهْرِه، وفَمُهُ لا يَفْتُر من الدُّعاءِ لي، وهو يقُول: يا بُنَيَّ؛ حَرَسَكَ الله، يا بُنَي؛ صَانَكَ الله، وما أشْبَه ذلك. فلم يَزَلْ هذا شأنُهُ إلى أنْ ثَقُلَ لِسانُه. وكان آخِرَ ما سَمِعْتُه منه قَوْلُه: يا أمان الخائِفين. ثُمّ لم أسْمَعْ منه كَلِمةً بعد ذلك. ثُمّ أُغْمِيَ عليه في آخِر اللَّيْل، وكان يَرْفَع يَدَيْه للصَّلاة ويُومئ برَأسِه إلى السُّجُودِ، كُلّ ذلك وعَيْنُه مُطْبِقَة، فلم يَزَلْ كذلك بَقِيَّة لَيْلَته يَسْجُدُ بوَجْهِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه للتَّكْبير، ويُشِيرُ بالسَّلام يَمْنَةً ويَسْرَةً. === ثُمّ حَضَرَ عندَهُ القُرَّاءُ، فاقْتَسَمُوا بينَهُم خَتْمَةً، فعندَ فَرَاغِهم من آخِرِها وقَوْل آخِرِهم: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (¬١) قُبِضَ ﵁. ولم أُشاهِدْ قَبْضَهُ لأنِّي اشْتَغَلْتُ بالحُزْنِ عليه. وصَلَّى عليه قاضِي القُضَاة مَالِك بن سَعِيْد. وكان كَثِيرَ الصَّدِيق فلم يَتَخَلَّف عنه كَبِيرُ أحَدٍ. قال: وكانت له، ﵀، سَلَّةٌ مُقْفَلَةً خَلْفَ ظَهْرِه في مكانِ جُلُوسِه؛ لم نَدْر ما فيها، لا يَفْتَحُها غيرُه، ولا يُقْفِلُها سِواه. فلمَّا تُوفِّي ﵀، فتَحْناها وإذا فيها رِقَاعٌ بما كان يَخْتِمه في كُلِّ يَوْمٍ من القُرْآن وما يَدْعُو به، وأعْداد ما يَسْتَغْفِرُ الله بهِ، ليسَ فيها شيءٌ غير هذا. وأتْبَعَ هذا بما يشُابِهُهُ من التَّطْويل فيما لَيْس فيه فائدة. وأنْشَدَ مَرْثِيَّةً في أبيهِ منها: [من الكامل] خَطْبٌ ألَمَّ من الزَّمانِ عَظِيمُ … فالدَّمْعُ سَحٌّ للمُصَابِ سَجُومُ خَطْبٌ يَقِلُّ له البُكاءُ ويَنْطَوِي … عنه العَزَاءُ ويَظْهَرُ المَكْتُومُ خَطْبٌ يُمِيتُ من الصُّدُورِ قُلُوبِها … أَسَفًا ويُقْعِدُ تارةً ويُقِيمُ يا مَنْ يَلُومُ إِذا رآني جَازِعًا … من طَارِق الحَدَثان، فيمَ تَلُومُ؟ بأبي فُجِعْتُ فأيُّ ثُكْلٍ مِثْلُه … ثُكْلُ الأُبُوَّةِ في الشَّبابِ ألِيْمُ" (¬٢) "وممَّا يُضْحك ممَّا ضَمَّنَهُ تاريخه قَوْله: وفي سَنَة أرْبَع عَشرة وأرْبَعمائة في الخَامِس والعِشْرين من شَوَّال طَرَقَتُ جَاريَتي، وأُمّ وَلدِي العَزِيْزة عندِي، وألِيْفَتي وقَريْنَتي، ونحنُ مُقِيْمُونَ في دار البَحْر الَّتي أمْلِكُها في الحَمْراء على شَطِّ النِّيْل، === وأقامَت لَيْلتها تلك إلى غَدِ ذلك اليَوْم، وهو يَوْم الجُمُعَة لأرْبَع بَقين منه عند طُلُوع الخَطِيْب المِنْبَر، فبَقِيت ﵂، وكانت تَسْتَغِيث من أحْشَائها وفُؤادها، وكان مَوْتها فجأةً، ونَالَني عليها من الوَجْدِ ما لا أجِدُ له كاشِفًا إلَّا الله سُبْحانه، وكان في نِصْف هذا الشَّهْر كُسُوف قَمَريّ، ولقد جَزِعَت ﵂ عند مُشَاهَدتها لكُسُوفِ القَمَر، واجْتَهدتُ في تَسْكِين بُكَائها ونَحِيْبها عندَ رُؤيته بكُلِّ سَبِيل، ونِيَاحتها وبُكاؤها تزيد بُرْهَة من اللَّيْل، ثُمّ ضَربَ على ابْني أبي الحَسَن عليّ منها ضِرْسهُ قَبْلَ وَفاتها بيَوْمٍ واحدٍ، وأحْضَرتُ المُزَيِّن لقَلْعِهِ عند شِدَّة ما نَاله منه من الوَجَع، فلَطَمَتْ وَجْهَها، ودَقَّت صَدْرها، وأحلت بنَفْسها نفسها العظام من البُكَاءِ والنَّحِيْب إلى أنْ قُلِعَ ضِرْس الصَّبِيّ، وقُلْتُ أرْثِيها وأُنْشِدُ شِعْرًا، منه: [من البسيط] سَطَتْ بكَ عَيْنٌ طَرْفُها الدَّهْرَ يَدْمَعُ … وقالتْ بأيْدِي الحادثات تُرَوَّعُ وعارَضَ هَمٌ لو بَدَا لَمْعُ نارِهِ … لأحْرَقَ ما يَدْنو له حين يَلْمَعُ وتَسْليمُ قَلْبٍ للنَّوائِب قُطِّعَتْ … عَلائِقُه والهمُّ لا يَتَقطَّعُ وقد حَكَمَتْ أيْدِي المَنايا بجَوْرِها … وقد سَلَبَتْ من كان في القَلْب يُودَعُ أصاحبةَ اللَّحْدِ العَزِيْز محَلُّهُ … لقد كانت الدُّنْيا لعِزِّك تَخْضَعُ وأنْشَدَ شِعْرًا آخر في رِثائها، منه: [من الطويل] ألَا في سَبِيلِ الله قَلْبٌ تَقَطَّعا … وفَادِحةٌ لم تُبْقِ للعَيْنِ مَدْمَعَا فيا ليْتَني للمَوْت قد مُتُّ قَبْلها … وإِلَّا فلَيْت المَوْتَ أذْهَبَنا مَعا وذَكَرَ ما صنَّفه من الكُتُب، وهي: كتاب مُخْتار الأغَانِي، وكتاب التَّلويْح والتَّصْريح في مَعانِي الشِّعْر؛ ألْف وَرَقة، وكتاب الغَرَق والشَّرَق فيمَن ماتَ غَرقًا أو شَرقًا؛ مائتا وَرَقة، وكتاب الرَّاح والارْتِياح في وَصْف الشَّراب وآلاتِهِ والنّدَام === عليه واخْتِيار أوْقَاتهِ، وذِكْر الزَّهْر والرِّياض والثِّمار والأشْجار والمَظانِّ المُخْتارَة لشُرْب العقار؛ ألف وخَمْسِمائة وَرَقة، وكتاب الطَّعَام والإدَام في وَصْفِ ألْوَان الطَّعَام وما يُقَدَّم على الخِوَان؛ ألْف وَرَقة وخَمْسِمائة ورَقَة، وكتاب دَرْك البُغْيَة في وَصْفِ الأدْيان والعِبَادات وذِكْرِ المِلَلِ والأنْبِياءِ والمُتَنبِّئين وذِكْرِ الفَرَائِض والآدَاب؛ ثلاثة آلاف وخَمْسِمائة ورَقَة، وكتاب التَّاريخ، وكتاب المُفاتَحة والمُناكَحَة، وكتاب البَخلَة والأكَلَة، وكتاب الحَمَّام، وكتاب الجوْعَان والعُرْيَان، وكتاب القوام والتَّمام، وكتاب مَن صَبَر فنَال الظَّفَر، وكتاب الأمْثِلة للدُّوَل المُقْبلة، وكتاب القَضَايا الصَّائبِة في مَعاني أحْكام النُّجُوم، وكتاب جَوْنَة الماشِطَة، وكتاب الشَّجَن والسَّكَن، وكتاب السُّؤَال والجَوَاب، وكتاب المِصْبَاح وأصْنَاف الفِقْه والفَرَائض، وكتاب العِبَارة عن أمْرِ الوِزَارَة، وكتاب الجَان والغِيْلَان، وكتاب جَامِع الدُّعاء، وكتاب العَزَائم، وكتاب تَفْضِيل الخَدَم على سَائر الحُرَم، وكتاب نُبَذ الغَرَائز ولُمَع النَّحَائِز، وكتاب أخْبَار مِصْر؛ ثلاثة عَشر ألف وَرَقَة، وكتاب الجامِع في عِبَارة الرُّؤْيا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ عدَدَ الأوْرَاق الَّتي تَشْمَل عليها هذه التَّصَانِيف تِسْع وثَلاثونَ ألف وَرقة ومائة وَرَقَة، وكان المُسَبِّحِيّ مَوْجُودًا في سَنَة أرْبَع عَشرة وأرْبَعمائة، ومَنْزله بالفُسْطَاط" (¬١).