page 6146, entry [2710]Open original source
عَبْد البَاقي بنُ مُحَمَّد بن عليّ بن إسْماعِيْل بن عَبْد البَاقي بن مُحَمَّد بن أبي يَعْلَى بن عبدِ اللهِ بن الخلَيْل بن إبْرَاهيم الوَزير، أبو المُظَفَّر بن أبي جَعْفَر، البَغْدَاديُّ أصْلًا، المَوْصِليُّ المَوْلد والمَنْشأ " حَدَّثَني القاضِي الإمام أبو القَاسِم عُمَر بن أحْمَد بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، أبْقَاهُ اللّهُ تعالَى، قال: وصَلَ أبو المُظَفَّر عَبْد البَاقي بن مُحَمَّد بن أبي يَعْلَى من المَوْصِل إلى حَلَب في سَنَة إحْدَى وسِتِّمائة، وخَدَمَ المَلِك الظَّاهِر غازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، رَحِمَهُ اللّهُ تَعالَى، مُسْتَوفيًا في الدّيوان، وكانَ ابن أبي يَعْلَى يَتوصّل إلى المَلِك الظَّاهِر؛ يَجْمع الأمْوَال، ويَظْلم له النَّاس، ويَفْتح له أبْوابًا يَحْمله على التَّعَدِّي على الرَّعِيَّة، ارْتَفعَ مَكانهُ عندَهُ، وعَظُمَ مَحلّه، إلى أنْ تَفَرَّد بأمْرِ الدِّيْوان، وكانَ الوَزِيْرِ نظام الدّين مُحَمَّد بن الحُسَين صاحِب سِرِّ المَلِك الظَّاهِر والمُتَمكِّن عنده، وكان يُحَسِّن للمَلِك خِلاف ذلك من الإحْسَان إلى الرَّعِيَّة، وكَفِّ أَيْدِي الظَّلَمَة، واحْتِرام الأكابِر، فاتَّفق مَوته، فقَوِي أمْرُ ابن أبي يَعْلَى بعده، ونفى شَرَف الدِّين ابن الحُصَيْن مُتَولِّي ديْوان الإنْشْاء، وصَارَ بين ابن أبي يَعْلَى وبينَهُ عَدَاوَةٌ بن الباطِن إلى أنْ ماتَ ابن الحُصَين، فاسْتَفحلَ أمْرُ ابن أبي يَعْلَى، وعَظُمَ شَأنه، واسْتَقلَّ بالأمُور كُلّها، ونَظَرَ في جَمِيع أعْمال الدَّوْلَة، وأضافَ المَلِك الظَّاهِر إليهِ دِيْوان الإنْشاء، ولَم يَزَلْ كَذلك إلى أنْ مَرِضَ المَلِك الظَّاهِر، مَرَضَ مَوْته، وأوْصَى بالمَلِك بعده لوَلدهِ المَلِك العَزِيْز مُحَمَّد ثُمّ بَعدُه للِمَلِك الصَّالح، وأنْ يكُون الوَزِيْر ابن أبي يَعْلَى على ما هو عليه، في خِدْمةِ وَلده المَلِك العَزِيزِ، واسْتَوثَق ابن أبي يَعْلَى من الأُمَرَاء بالأيْمان على ذلك، وحَدَّثته نَفْسهُ بأَشْياء انْعَكَست عليه بعد ذلك. === كان المَلِك الظَّاهِر لمَّا مات جَعَلَ ابن أبي يَعْلَى يُظْهر التِّيه العَظِيم الزّائد والجَبَرُوت، ويأخُذ نَفْسه بأُمور المُلْك، ويُكَلِّم الأُمَرَاء بكَلَمٍ خَشِنٍ؛ إنَّ أتابكَ طُغْرِل، سَرَّ إليهِ في أمْرٍ؛ فقال: وهو أيْش هو خازن وليس له كلام في أمْر الدَّوْلة؟ وقال للأمِيْر سَيْف الدِّين بن أبي قِلِيْج في كَلامٍ جَرَى بينهما في تَدْبِير أمْر المُلْك: أيش هذه الصِّبيانيَّة؟ حتَّى هَمّ به الأُمَرَاء. وكان يَمْضِي ويَجْلِس في دار العَدْل، مَكَان السُّلْطان، ويقُول: اطْلبُوا الحَاكِم؛ يَعْني: القاضِي بَهاء الدِّين يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم قاضِي القُضَاة، وَيَكْتُب لهُ في التَّواقِيع، وكَتَبَ بالإشارة المَوْلويَّة الصَّاحِبيَّة الوَزِيْرِيَّة، وبرسَالة الأمِيْر شِهَاب الدِّين طُغْرِل إلى غير ذلك، فاخْتَلَّ أمْره عند ذلك، وأجْمعَ رأي القاضِي الصَّاحِب قاضي القُضَاة وجَماعَة الأُمَرَاء على تَوْليَة الأتابك شِهَاب الدِّين أتابكيَّة المَلِك العَزِيْز، فولِيَ له جَميع أُمُور الدَّوْلَة والحُكْم فيها، وفي القَلْعَة والخَزائِن والمَدِيْنة. وأحْضَرَ إليهِ نُوَّاب الإنْشاء والجَيْش والحُجَّاب، وأمَرَ ونَهَىَ، فأجْمَعَ رأيهُ مع الصَّاحِب قاضي القُضَاة والأُمَرَاء على عَزلِ ابن أبي يَعْلَى، فعُزِل بعد مَوت السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر بعِشْرين يَوْمًا، ولَزِمَ بَيْتِه ثُمّ مَرِضَ، وأقامَ لشَهْرًا في مَرِض الدَّاسنْطَاريا، وعُوفي من المَرَض، فتقدّم إليهِ بالخرُوج من حَلَب؛ فباعَ كُتبهِ، وهيّأ أسْبابه، وسارَ عن حَلَب في يَوْم السَّبْت حَادِي عَشر شَوَّال من سَنَة ثلاث عَشرة وستِمِائة. وسارَ منها حتَّى مرَّ منها على حَرَّان، وأرادَ المقام بها، والتَّعرُّض بخِدْمةِ المَلِك الأشْرَف، فلم يَلْتَفت إليهِ، ومَنَعهُ من الدُّخول عليه. وحَكَى لي المَلِكُ الأشْرَف أنَّه سَيَّرَ إليهِ يَطْلب خِدْمته؛ قال: فتَقدَّمتُ بأنْ ليسَ له في بلادِي شُغْل، ولا له عندي مَقام، وتقدَّمْتُ بإخْراجِه، وكُنْتُ قد === اجْتَمَعْتُ به على الطّور في خِدْمةِ المَلِك العَادِل والدِي، وقد سَيَّرهُ السُّلطانُ المَلِك الظَّاهِر، فرَأَيْتُ منه حَماقةً عَظِيمةً فأبْغَضتُهُ، وانضمَّ إلى ذلك ما بَلَغَني عنه من تَعَسُّفهِ وما اعْتَمدهُ بعد مَوْتِ السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر، فمَنَعتُه من المقام في بلادي. ثمّ إنَّ ابن أبي يَعْلَى سارَ [إلى] إربِل، فألْزَمه صَاحِبُها المَلِك المُعَظَّم مُظَفَّر الدِّين كوكبُوري بن عليّ بن بكتكِيْن، رَحِمَهُ اللّهُ تَعالَى، وأنْزَله عنده، ولكنَّه لَم يَسْتَخدمه، وبَقِي في إرْبِل مدَة أشْهُر. ثمّ كاتب مَلِكَ الشَّمَال كَيْكَاوُس، ورَغِبَ في الوصولِ إليهِ، فسارَ من إرْبِل، وتوجَّه إلى بَلَد الشَّمَال، واجْتَمعَ بعزِّ الدّين كَيْكَاوُس، ثُمّ إنَّه مَرِضَ، وحَكى لي بعضُ أصابه: أنَّ كَيْكاوُس نزلَ إليهِ وعادَهُ في مَرضَه، ثُمّ إنّه فارق كَيْكَاوُس وانْفَصَل عنه، فتُوفِّي في قَرْيَة من قُرَى بلاد الرُّوم. وكان ابن أبي يَعْلَى سَيّئ المُؤاخَذة لِكُلِّ أحَدٍ، قليلَ الصَّفْح عمَّن جَنَى، يُقابِلُ أقلّ النَّاس على فِعْله. وكانَ بِحَلَب إنْسَانٌ ظَريفٌ من ظُرَفاء المِصْريِّين، يُقال له أبو عَبْد اللّه المِصْريّ الصوفِيّ، وكان له اجْتَماعٌ بالشَّرَف ابن الحُصَيْن ويُعرِّض بمَثالبِه، فبَلَغه ذلك عنه، فأسرَّهُ في نَفْسه إلى أنْ مات ابن الحُصَيْن، فقَطَع مَعْلومه [من] الخَانقاه، وبَقِي هذا المِصْريّ كَذلك، إلى أنْ جَرَى لابن أبي يَعْلَى ما جَرَى من خُرُوجهِ منِ حَلَب، فخَرَجَ أبو عَبْد اللّه المِصْريّ، إلى ظَاهِر باب العِرَاق، ووقَف له حتَّى خَرجَ سائرًا من حَلَب، فتَقدَّمَ إليهِ وخَدمه وقال له: في أمَان اللّه، فجَرَى على ابن أبي يَعْلَى من ذلك شيء عَظِيم" (¬١). ===