page 6057, entry [2630]Open original source
الحَلَبِيُّ شَيْخٌ شَاعِرٌ، غُلِبَ على عَقْلِهِ، إنْ لم يَكُن عِمْرَان الحَلَبِيّ، فهو غَيْرُهُ، رَوَى عنهُ أبو بَكْر مُحَمَّد بن أبي الأزْهَر. قَرأتُ بخَطِّ أبي القَاسِم عُبيد اللهِ بن أحْمَد بن عُثْمان الصَّيْرَفِيّ: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ أحْمَدُ بن إبْراهيم بن الحَسَن بن شَاذَان، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمعُ. وأنْبَأنَا مُكْرَم بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أبي الصَّقْر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الخَضِر ويُسَمَّى الحُسَين بن عليّ بن الخَضِر بن أبي هِشَام، قال: أخْبَرَنا أبو البَرَكَات أحْمَد بن عَبْد الله بن طَاوُس، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ التَّنُوخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن أبي الأزْهَر قِراءَةً عليه، قال: وكُنْتُ يَوْمًا عند إبْراهيم بن رُوْميّ كاتب أحْمَد بن مُحَمَّد الطَّائيّ، وعنده شَيْخ يُعْرَفُ بالحَلَبِيّ، وكان أدِيْبًا شَاعِرًا، فغُلِبَ على عَقْلهِ، إذ دَخَل علينا البَكْثَرِيُّ ومعه أخُوه، وكان قد تولَّى في ذلك الوَقْت نَهْرَ بوق والزِّيْبَيْن (b)، فلَم يَسْتَقرّ بهما المَجْلِسُ حتَّى التفَتَ الحَلَبِيُّ إلى البَكْثَرِيّ فضَحِكَ، ثم نَظَر إلى أخيهِ وتفَرَّسَ في أُذنهِ، وكانت كأنَّها كِنْف قد مُلئ شَعرًا، فقال غير مُحْتَشم لأحدٍ: [من مجزوء البسيط]باللهِ يا بَكْثَرِيُّ قُلْ لي … مَقَالَةَ الصَّادِقِ الصَّدُوقِ أشَعْرُ أُذنَي أخِيْكَ أزكَىْ … عِنْدَكَ أم زَرْعُ نَهْرِ بُوْقِ فَخجِلا، وأقْبَل ابن رُوْميّ يَغْتَاظُ ولا يتهَيَّأ التَّعَرُّض لِمَا يَكْرَهُ، فنَظَر إليه الحَلَبِيُّ على تلك الحال فقال، وكان ابنُ رُوْميٍّ ألْثَغَ، فقال: [من المجتث] إنْ كُنْتَ أنكَرْتَ قَوْلي … يا ألْثَغَ الكُتَّابِ فجئْ بأُذْنِ شَبيهٍ … لمِثلِهِ في الكِلَابِ حتَّى تَقُولَ بأنِّي … أخْطَأتُ فيهِ صَوَابي فوَثب البكْثَرِيُّ لينصَرِفَ، فأَسَرَّ إليه ابنُ رُوْميّ شَيئًا كأنّهُ أقامَ به العُذرَ عندَهُ، ثُمَّ أقْبَل على الحَلَبِيّ فعَذَله ووَثَب فوَثَبْنا لوَثْبته، فقال الحَلَبِيُّ: [من مجزوء الكامل] إنْ كُنْتَ قُمْتَ لأنْ أقُو … مَ فَبابُ دَارِكَ لي مَنَاصُ لي إنْ أرَدْتُ مُخَلِّصٌ … مِنكُمْ وما لكُمُ خَلَاصُ لأجْرَحَنَّكَ يا ابنَ رُوْ … ميٍّ بما فيهِ القُمَاصُ فلقد رَأيتُ ابنَ رُوْميٍّ يَضْحَكُ إليه ويُمَسِّح أعْطَافَهُ وما يَثْنيهِ عن الباب شيءٌ، حتَّى خَرَجَ وخَرجْتُ أنا بخُرُوجهِ، فبَصُر بي الحَلَبِيّ خارجًا عن الدَّار، فوقَع لي عندَهُ ذاك أحْسَنَ مَوْقعٍ، فأنْشَأَ يَقُول: [من الخفيف] إنَّ فَضْلَ الأدِيْب إنْ حُصِّل الخَلْـ … ـقُ على غيرِهِ لفَضْل مُبِيْنُ لَم يُطِقْ حَمْلَ ما سَمِعْتَ أبا بَكْـ … ـرٍ فبادرْتَ والفُؤَاد ضَميْنُ لا تُفَكِّرْ في كانَ وارْم بها العُرْ … ضَ وفَكِّرْ إنْ شِئْتَ فيما يكُونُ وقال: واللهِ لأهْجُونّه، والله لأهْجُوَنَّهُ! وكَرهْتُ أنْ أزيد في المَعْنَى، وانْصَرفتُ على الجُمْلَة، فكان إذا رآني والصِّبْيَان يَعْبَثُون به يقصدُني فتُهمُّنينفسِي فيقُول: سُبْحَان اللهِ حقُّكَ (a) الحَقُّ الوَاجِبُ، حقُّكَ الحَقُّ الوَاجِبُ، فأتَفادَى منه، وانصَرَف.