page 5792, entry [2194]Open original source
أبو عَمْرو الضِّبَابِيُّ كان من العُبَّادِ الغُزَاةِ، وصَحِبَ الصُّوْفيَّة، وتَأدَّبَ بأخْلَاقِهم، وصَحِبَ مُحَمَّد بن الخَضِر التَّيْمِيّ، وغَزَا معه، وماتَ في غَزَاتهِ تلك، حَكَى عنه مُحَمَّد بن الخَضِرِ التَّيْمِيّ. أخْبَرَنا أبو نَصْر عَبْد العَزِيْز بن يَحْيَى بن المُبارَك الزَّبِيْدِيُّ ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَتْنا شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج الإِبَرِيُّ، قالت: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بن أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاجُ (¬٢)، قال: أخْبرنا أبو إسْحَاق إبْراهيم بن سَعيد (a) بمِصْر، قال: أخْبَرَنا أبو صالح السَّمَرْقنديّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَينُ بنُ القَاسِم بن اليَسَعِ بالقَرَافَة، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عَمْرو، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد جَعْفر بن عَبْدِ اللَّهِ الصُّوْفيّ، قال: قال أبوِ حَمْزَة مُحَمَّد بن إبْراهيم الصُّوْفيّ: حَدَّثَني الصَّلْتُ بن بَهْرَام المُجَاشِيُّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن الخَضر التَّيْمِيّ، قال: كان أبو عَمْرو الضِّبَابِيُّ من أحْسَنِ مَنْ رَأيَته وَجْهًا ممَّن صَحِبَ الصَّوْفيَّة، وكان لا يُرَافقُ أحدًا ولا يُجَالسُه ولا يُؤانسُه (b) إلَّا في طَرِيق، فأتَاني ذات يَوْم، ونحن ببلَادِ الرُّوم، فقال: هل لك في مُرَافَقتِي فإنِّي قد (c) مَلَلْتُ الوَحْدَةَ، وطالَتْ عليَّ الوَحْشَةُ؟ فقُلتُ: على خَلَالٍثلاث، قال: وما هي؟ قُلتُ: على أنْ لا أرَاك ضَاحِكًا إلى أحدٍ من خَلْقِ اللَّهِ، ولا مُشْتَغلًا بغرِ طَاعَة اللَّهِ ﷿، ولا تَعْمل عَمَلًا حتَّى أقُولَ لك. قال: قد فَعَلْتُ، وكان معي لا يُفَارقني في حَجٍّ ولا غَزْوٍ، فكُنْتُ أرَى منه أُمُورًا أعْلَم أنَّ اللَّه سيَرْفَعُه بها في الدُّنْيا والآخرة؛ من حسْنِ صَلَاتهِ، وكَثْرة صِيَامِهِ، وطُوْل صَمْتهِ، وقلَّةِ كَلامهِ. فقُلْتُ له ذات يَوْم لأتَبَيَّنَ مَعْرفَة عَملِهِ: ألَا أشْتَري لك جَارِيَةً، فقال: وما أصْنَعُ بها؟ قُلتُ: ما يَصْنعُ الرَّجُل بمِلْكِ يَمِيْنهِ، فقال: لو أردْتُ هذا لَم أتْرُك أهْلي وأشْخَصُ عن وَطَني، وأخْرُج عن دُنْياي، ولكان لي منهم مقْنَعٌ، وفي المقَام معهم مُتَّسَعٌ. فقُلتُ: أَلْقِ هذا الصُّوفَ عنكَ، فإنَّهُ قد أَثَّرَ ببَدَنكَ، وأنْهَكَ جِسْمَكَ، فقال: أتأمُرُني أنْ أُلْقي عنِّي ثَوْبًا أتقَرَّبُ إلى اللَّهِ ﷿ بخُشُونَتِه وبفَسَاعَة (a) رِيْحه، وأنا أرْجُو منه حُسْنَ الثَّوَاب عليه عند مُنْقَلبي إليه!. قُلتُ: فهل لك أنْ تُفْطِر؛ فإنَّ الصِّيَامَ قد أنْحَلَكَ، والظَّمَأَ قد غيَّرك؟ فقال: سُبْحَان اللَّه، ما أعْجَبَ ما تأمُرني به! هل الدُّنْيا إلَّا يَوْمانِ؛ فيَوْمٌ قد مَضَى لي أو عليَّ، ويَوْمٌ أنا فيه لا أدْرِي بما يُخْتَمِ لي من رَحْمَةٍ أو عَذَابٍ، فإنْ عذَّبَني وأنا على حَالةٍ أتَقرَّبُ إليه بها فهو أجْدَرُ أنْ يعذِّبني إذا فَعَلْتُ أمْرًا أنا فيه مُقَصِّرٌ. قُلتُ: فصُمْ يَوْمًا وأَفْطِر يَومًا، فقال: ذلك صَوْمُ الأبْرَار ومَنْ أمنَ النَّار، الّذين عَلِمُوا أنَّ اللَّه ﷿ مُتَجاوزٌ عنهم، وقَابِل منهم، فأمَّا أنا فأنْتَ تَعْلَمُ أنِّي غير عَامِلٍ بما سِيْقَ في الكتاب من شَقاءٍ وسَعَادَةٍ، واللَّه لئن عَذَّبني اللَّه على طَاعَتِه أحَب إليَّ من أنْ يَغْفِر لي وأنا على مَعْصِيَته، على أنَّهُ غيرُ جَائر على مَنْ خَلَقَهُ، ولا مُعَذِّبًا له إلَّا بذَنْبٍ.قُلتُ: أفلا أشْتَري لك وَطَاءً تنام عليه؟ فقال: وأيُّ وَطَاءٍ أوْطَأُ من ظَهْر الأرْضِ؟ وقد سمَّاهُ اللَّه ﷿ مِهادًا، واللَّهِ لا أَفْرُشُ فِرَاشًا ولا أتَوسَّدُ وِسَادًا حتَّى ألْحَقَ باللَّهِ ﷿. فقُلتُ: فهل لك أنْ تُريح نفسَكَ في هذه الغَزَاةِ وتَرجعَ، فقال: واعَجَباه من قَوْلك! تأمُرني أنْ أرْجعَ عن الجَنَّةِ وقد فُتحِ لي بَابُها، واللَّه لا أزال أعرضُ نفسِي على اللَّهِ تعالى لعَلَّهُ يَقْبَلُني، فإنْ رَزَقنى وخَصَّني بالشَّهَادَة فهو الّذي كُنْتُ أُحَاولُ وفيه أُطَالِبُ، وإنْ حَرَمني ذلك فبالذُّنُوب الّتي سَلَفَتْ، وأنا أسْأل اللَّه أنْ يتفَضَّل عليَّ بما سَألتُه، ويُجيْبَني فيما دَعَوْته. فغَزَا معنا ونحنُ في خَلْقٍ كَثِيْر مع مُحَمَّد بن مُصْعَب، فلَقِيْنا العَدُوَّ، فكان أوَّلَ مَن جُرِحَ، فقُلتُ: أبْشِر بثَواب اللَّهِ ﷿؛ فقد أعْطَاكَ الرِّضَا، وفَوْق المَزِيد، فقال بصَوْتٍ ضَعِيْفٍ: الحَمْدُ للَّهِ على كُلِّ حالٍ، لقد نَظَرْتُ إلى كُلِّ ما تمنَّيْتُ فَوْقَ ما اشْتَهيْتُ، وبلَغْتُ ما أحْبَبْتُ، وأدْرَكتُ ما طَلْبتُ من حُورٍ وولْدَانٍ، وسَلْسَبيل ورَيْحَانٍ، وإيَّاك والتَّقْصِير لعلَّ اللَّه ﷿ أنْ يُبَلِّغكَ ما بَلَّغني، ويَرْزُقكَ ما رَزقَني.