page 5784, entry [2181]Open original source
أبو عليّ الحَلَبِيُّ خَطِيْبُ المَسْجِد الأقْصَى، كان وَرِعًا مُتَدَيِّنًا، ولهُ كَلَامٌ حَسَنٌ مُبين (b).أخَذَ عنه أبو بَكْر ابن العَرَبيّ الإمَامُ، صَاحِب كتاب الأحْكَام، وذَكَرَهُ في أوَّل كتابهِ المُسَمَّى سِرَاج المُرِيْدينَ (¬١)، فقال: وإنِّي وإنْ لَم أكُن مُتَخلِّقًا بما أُوْردُه، ولا ضَابِطًا على ما أعْقدُه، فإنَّ لي قُدْوَةً في شَيْخنا (a) أبي عليّ الحَلَبِيّ خَطِيْب المَسْجِد الأقْصَى، طَهَّرَهُ اللَّه (b)، حَضَرتُ جُمُعَةً فيه، وقد عَلَا على أعوَاد مِنْبَره فخطَبَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي تفرَّد دون خَلْقِة بمُلْك الدُّنْيا والآخرة، وغَمَر برزقهِ كُلّ نَفْسٍ برّةٍ وفَاجِرَة، ثُمَّ ردَّهُم بعد ذلك إلى الحَافِرَة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (¬٢). أحْمَدُه على نِعَمه الوَافِرة، وأشْكُره على آلائهِ المُتَظاهِرة، وأشْهَدُ أنَّ لا إِلَه إلَّا اللَّه، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، شَهَادةً باطِنَةً وظَاهِرة (c)، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوله، ردَّدَهُ بينِ الأرْحَامِ المُحْصَنَة والأصْلَاب الفَاخِرة، حتَّى أبرزَهُ اللَّه آيةً (d) بَاهِرة، وابْتَعَثَه حُجَّةً قَاهِرة، فقام بأمْرِ اللَّهِ وشَقَاشِقِ الكُفْر هَادِرَة، وبِحَاره زَاخِرة، ودُعُاتهُ ثَائِرة، فلَم يَزَلْ يُجادِل في اللَّهِ بالأدِلَّةِ المُتَنَاصِرة، ويُنَاضِل عن دِيْنهِ بالقَوَاضِب البَاتِرَة، حتَّى أطْفَأ النَّائِرة، وأعادَ العِيْشَةَ النَّاضِرَة، وأصْلَحِ أمر الدُّنْيا والآخرة، صَلَّى اللَّه عليه وعلى آلهِ وصَحْبه ما هَطَلتِ السُّحُبُ المَاطِرَة، وجرَتْ في البِحَار السُّفُن المَاخِرَة. عِبَادَ اللَّه، عَلَوْتُ على مِنْبَرَكم، ولَسْتُ بخَيْركم، واللَّه (e) لو كانَتِ الذُّنُوبُمَنْظرًا لكُنْتُ أقْبَحكم، أو مَلْبسًا لكُنْتُ أَخْشَنَكُم، أو صَارَتْ خَبَرًا لكُنْتُ أفْظَعَكُم، أو فغَمَتْ رَائِحةٌ لكُنْتُ أتْفَلكُم، فإنْ تكلَّمْتُ فنَفْسِي أُخاطِبُ، ولئن وَعَظْتُ فإنِّي للتَّوْبةِ طَالِب، وفي الإثَابةِ (a) رَاغِبٌ، يَدْعُو إليها النُّهَى، ويُصْرف عنها الهَوَى. قال (¬١): فأنْزَلْتُها من قَلْبي ثالثَة الأيْمان، وأضْمَرتها في نَفْسِي حاجةً لَمْ أقْضِهَا إلى الآن، ولِكُلِّ شيءٍ أوَان، مع اعْتِقَادِي أَنَّها بِكْر كلامهِ، وفَضِيْضة ختَامِهِ، حتَّى رويت عن الحَسَن أن أبا بَكْر خَطَب فقال: إنَّ رسُوِل اللَّه ﷺ كان يُعْصَم بالوَحْي، وكان معه مَلَكٌ، وإنَّ لي شَيْطَانًا يعْتَرينِيّ، فإذا غَضبْتُ فاجْتَنِبُونيّ، لا أُؤثر في أشْعَاركم وأبْشَاركم إلَّا فَرَاعُونِي، فإنْ اسْتَقَمْتُ فأعِيْنُونيّ، وإنْ اعْوَجَجْتُ فقَومُّوني، ووليتكمُ ولستُ بخَيْركم. قال الحَسَنُ: بلى واللَّهِ إنَّهُ لخَيْرُهم؛ ولكن المُؤْمِن يَهْضِم نَفْسَهُ.