page 5751, entry [2135]Open original source
أبو عَبْدِ اللَّهِ المَزَابِلِيُّ الأنْطَاكِيُّ (¬٤) رَجُلٌ صَالِحٌ كان بأنْطَاكِيَة، وكان لا يَأكُل إلَّا مِن المُبَاح، حَكَى عنه عليّ بن مُحَمَّد التَّنُوخِيّ جَدّ أبي القَاسِم.أنْبَأنَا أحْمَدُ بن أزْهَر بن السَّبَّاك، عن القَاضِي أبي بَكْر مُحَمَّد بن أبي طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن بن عليّ بن مُحَمَّد التَّنُوخِيّ، عن أَبِيهِ (¬١)، قال: حَدَّثَني أبي، قال: كان عندنا بجَبَل اللُّكَام رَجُلٌ مُتَعَبِّدٌ يُقال له: أبو عَبْدِ اللَّه المَزَابِلِيّ، وإنَّما سُمِّي بذلك لأنَّهُ كان يَدْخُلُ البَلَد باللَّيْل، فيَتَتبَّعُ المَزابِل، فيأخُذُ ما يَجِد فيها، فيَغْسله ويَقْتاتُه، لا يَعْرفُ قُوْتًا غير ذلك، أو أنْ يُوغل في الجَبَلِ فيَأكُل من الثِّمَار المُبَاحَات. وكان صَالِحًا مُجْتَهدًا إلَّا أنَّهُ كان [حَشَويًّا غير وَافِر] (a) العَقْلِ، وكانت له سُوْق عَظِيمَةٌ في العامَّة. وكان بأنْطَاكِيَة مُوسَى الزُّكُوْرِيّ (b) صَاحِبُ المُجُون، وكان له جارٌ يَغْشَى المَزَابِلِيَّ، فجَرَى، بين مُوسَى الزُّكُوْرِيّ وجَارِه شَرٌ، فشَكاهُ إلى المَزَابِلِيّ، فلَعَنَهُ المَزَابِلِيّ في دُعَائهِ، وكان النَّاس يَقْصِدُونَهُ في كُلِّ جُمُعة، فيَتَكلَّم عليهم ويَدْعُو، فلمَّا سَمِعُوا اللَّعْنَةَ لابن الزُّكُوْرِيّ جاء النَّاسُ إلى دَاره أرْسَالًا لقَتْلهِ، فهَرَبَ ونُهِبَتْ دَارُه، وطلبَهُ العامَّة فاسْتَتر. فلمَّا طَالَ اسْتِتارُه، قال: إنِّي سَأحْتَالُ على المَزَابِلِيّ بحِيْلَةٍ أتخلَّص منه بها، فأعِيْنُوني، فقالُوا: ما تُريد؟ قال: أعْطُوني ثَوْبًا جَدِيدًا، وشَيئًا من مسْكٍ ومِجْمَرةً ونارًا وغِلْمَانًا يَؤْنِسُوني اللَّيْلةَ في هذا الجَبَلِ. قال أبي: فأعْطَيْتُه ذلك كُلّه، فلمَّا كان في نصف اللَّيْل، مَضَى وخَرَجَ الغِلْمَان معه إلى الجَبَلِ، حتَّى صَعدَ فَوْقَ الكَهْف الّذي يَأوِي فيه المَزَابِلِيّ، فبخَّرَبالنَّدِّ ونَفَحَ المِسْكُ، فدخلَتُ الرَّائِحَةُ إلى كَهْف أبي عَبْد اللَّهِ المَزَابِلِيّ، فصَاحَ بصَوْتٍ عَظِيم: يا أبا عَبْد اللَّه المَزَابِلِيّ، فلمَّا اشْتَمَّ المَزَابِلِيّ الرَّائِحَةَ، وسَمِعَ الصَّوْتَ، قال: ما لك عافَاكَ اللَّهُ، ومَنْ أنتَ؟ قال: أنا الرُّوْحُ الأَمِينُ جِبْرِيل، رَسُول رَبّ العالَمِين، أرْسَلَني إليكَ! فلم يَشُكّ المَزَابِلِيّ في صِدْق القَوْل، وأجْهشَ بالبُكَاءِ والدُّعَاء، وقال: يا جِبْرِيل، ومَنْ أنا حتَّى يُرْسلَكَ اللَّهُ إليَّ!؟ فقال: الرَّحْمنُ يُقْرئكَ السَّلامَ ويقُوِل لك: مُوسَى بن الزُّكُوْرِيّ غَدًا رَفِيْقُكَ في الجَنَّةِ، فصَعِقَ أبو عَبْدِ اللَّهِ، وسَمِعَ صَوْت الثِّيَابِ ورَأى بَيَاضَها، وتَركَهُ مُوسَى ورجَع. فلمَّا كان من الغَدِ، كان يَوْم الجُمُعَة، فأقْبَل المَزَابِلِيّ يُخْبرُ النَّاس برسَالةِ جِبْرِيل، ويقُول: تَمَسَّحُوا بابن الزُّكُوْرِيّ، وسَلُوه أنْ يَجْعَلَني في حلٍّ، واطْلبُوهُ لي، فأَقْبل العامَّهَ أرْسَالًا إلى دار (a) ابن الزُّكُوْرِيِّ يطلبُونَه ويَسْتحلُّونَهُ، فظَهَرَ وأَمِنَ.