page 3100, entry [1096]Open original source
الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق بن العبَّاس، أبو عليّ الطُّوْسيُّ، الوَزِير المَعْرُوف بنِظَام المُلْك (¬١) ويُعْرَفُ بخُوَاجَا بَزُرْك، وخُوَاجَا بالفَارسِيَّة: الوَزِير، وبَزُرْك: العَظِيم. وَزَرَ للسُّلْطَان العَادِل ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في سَنَة ثَلاث وسِتِّين وأرْبَعِمائة حينَ قَدِمَها مُحَاصِرًا لها. ثُمَّ وَزَرَ بعدَهُ لولده السُّلْطان مَلِكْشَاه أبي الفَتْح، وقَدِمَ معَهُ حَلَب سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة. وسَمِعَ بحَلَب أبا الفَتْح عَبْد اللَّه بن إسْمَاعِيْل بن الجِلِّيّ الحَلَبِيَّ، ورَوَى عن أبي عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد الطُّوسيّ، وأبي بكر مُحَمَّد بن يحيى بن إبراهيم المُزَكِّي، وأبي القاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ، وأبي حَامِد أحْمَد بن الحَسَن الأزْهَريّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد الصَّفَّار، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحَسَن الطَّاهِريّ،وأبَوَي مَنْصُور: شُجاع بن عليّ بن شُجاع المَصْقَلِيّ الشَّيْبَانِيّ، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ القَاضِي، وأبي نَصْر عليّ بن عَبْد اللَّه الكَاغَدِيّ، وأبي بَكْر أحْمَد بن مَنْصُور بن خَلَف المُقْرِئ، وأبي القَاسِم إِسْمَاعِيْل بن زَاهِرِ الطُّوسيّ، وأبي الحُسَين عليّ بن عَبْدِ اللَّه بن أحمد، وأبي مُسْلِم مُحَمَّد بن عليّ بن مَهْرَبُزُد (a) الأدِيْب، وأميرك بن أحمد، وأحمد بن عبد الرَّحْمن الصَّائِغ، وأبي عَبْد اللَّه عبد الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه المُذْكِر، وأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن يَحْيَى المَرَنْدِيّ، وغيرهم. رَوَى عنهُ أبو الفَضْلِ مُحَمَّد بن عُمَر بن يُوسُف بن عُمَر الأُرْمَوِيّ، وأبو الصَّمْصَام ذو الفَقَار بن مُحَمَّد بن مَعْبَد الحَسَنيّ، وأبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ اللَّاذقِيّ، وأبو نَصْرِ مُحَمَّد بن مَحْمُود الشُّجَاعِيّ، وأبو مُحَمَّد الحَسَن بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، وأبو القَاسِم نصْر بن نَصْرِ الوَاعِظ العُكْبَرِيّ، وأبو مُحَمَّد رِزْق اللَّه بن عَبد الوَهَّاب التَّمِيْمِيّ، وأبو الفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البِسْطَامِيّ، وأبو سُفْيان مُحَمَّد بن أحْمَد العُبْدُوْسي، وأبو بشْر مُصْعَبُ بن عَبد الرَّزَّاق المُصْعَبِيّ، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد السَّهْلِكيّ، وأبَوَا القَاسِم: عليّ بن طَرَّاد بن مُحَمَّد الزَّيْنَبِيّ، وإسْمَاعيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل الحافظ، وأبو الفَضْل مُحَمَّد بن أبي نَصْر بن المَسْعُودِيّ، وأبَو غَالِب مُحَمَّد بن إبْراهيم الصَّيْقَلِيّ، وأبو نَصْر عليّ بن هِبَة اللَّه بن مَاكُولا، وغيرهم. وعَقَدَ مَجْلِس الإِمْلَاءِ لحَديث رسُول اللَّه ﷺ. وكان وَزِيرًا عَادِلًا، سَائِسًا، قَيِّمًا بأُمُور المَمْلَكَة، فَاضِلًا، عَالمًا، جَوَادًا، حَلِيمًا، كَثِيْر الصَّدَقَة والمَعْرُوف، ووَقَفَ عدَّة مَدَارِس لطَلَبة العِلْم، وكان كَثِيْر المخُالَطة لأهْل العِلْم، مُكْرِمًا لهم، حَسَن الأخْلَاق.أخْبَرَنا أبو البَرَكَات دَاوُد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن مُلاعِب البَغْدَاديّ، قِراءَةً عليهِ بدِمَشْقَ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر بن يُوسُف الأُرْمَوِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أبي المَعَالِي بن عَبْد اللَّه بن مَوْهُوب بن البَنَّاءِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم نَصْرُ بن نَصْر الوَاعِظُ العُكْبَرِيّ، قالا: حَدَّثَنَا الصَّاحِبُ الأجَلُّ العَالِمُ العَادِلُ، نِظَام الملك، قَوَامِ الدِّين، غِيَاثُ الدَّولَةِ، وشَمْسُ المِلَّة، أتَابَك أبو عليّ الحَسَن بنُ عليّ بن إسْحَاق رَضِيّ أَمِير المُؤْمنِيْن، إمْلاءً في يَوْم الثّلاثَاءِ ثالث عَشر المحرَّم من سَنَة ثمانين وأرْبَعِمائة، بالمَدْرَسَة ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو بَكْر أحْمَد بن مَنْصُور بن خَلَف المُقْرِئ بنَيْسَابُور، قال: حَدَّثَنَا أبو طاهر مُحَمَّد بن الفَضْل بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن خُزَيْمَة، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاس مُحَمَّد بنُ إسْحَاق السَّرَّاج، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بن أنَس، عن عَامِر بن عَبْد اللَّه بن الزُّبَيْر، عن عَمْرو بن سُلَيم الأنْصَاريّ، عن أبي قَتَادَةَ السَّلَمِيّ (¬١): أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قال: إذا جاء أحَدُكُم المَسْجِدَ فليَرْكَع رَكْعَتَيْن قبل أنْ يَجْلِس. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المَرْوَزيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ المِصِّيْصيُّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِير بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّه أحْمَدُ بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّه مُحَمّد بن مُحَمَّد الخَازِميّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عِلْك، قال: حَدَّثَنا عَبْدُان بن مُحَمَّد الزَّاهِدُ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن عِيسَى، قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن تَمِيْم، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن السَّرِيّ، عن مُحَمَّد بنالمُنْكَدِر، عن جَابِر بن عَبْد اللَّه ﵄ (¬١)، قال: قال رسُول اللَّه ﷺ: إذا لعَنَ آخر هذه الأُمَّة أوَّلَها، فمن كان عندَهُ عِلْم فليُظْهره، فإنَّ كَاتِم العِلْم يَوْمئذٍ ككَاتِم ما أُنْزِل على مُحَمَّد ﷺ. أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا وَالدِي أبو الفَضْل هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد، ح. وأخْبَرَنا أبو هاشِم الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي المُظَفَّر، قالا: أخْبَرَنا أبو الصَّمْصَام ذو الفَقَار بن مُحَمَّد بن مَعْبَد الحَسَنيّ بقِرَاءَتي عليه بالمَوْصِل، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِيرُ بأصْبَهَان، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن إبْراهيم المُزَكِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن دَاوُد بن سُلَيمان، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن عَبْد الوَاحِد، قال: حَدَّثَنَا وُرَيْزَة بن مُحَمَّد الغَسَّانِيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْل بن مُحَمَّد، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قيل لعَبْد اللَّه بن عبَّاسٍ: كَم تكتُب العِلْم؟ فقال: إذا نشَطْتُ فهو لَذَّتي، وإذا اغتمَمْتُ فهو سَلْوَتي. قَرَأتُ في كتاب زِيْنَة الدَّهْر لأبي المَعَالِي سَعْد بن عليّ الحَظِيْرِيّ الكُتْبِيّ (¬٢)، وذَكَرَ نِظَام المُلْك، وفال: وبَلَغَني أنَّهُ كان يَقُول الشِّعْر، والّذي وَقَعَ إليَّ من شِعْره، وهو بَدِيْع، وكان عند كبره يَتَّكئ على عَصَا (¬٣): [من المنسرح] بَعْدَ الثَّمانيْن ليسَ قُوَّه … لَهْفي على قُوَّة الصُّبُوَّهكأنَّني والعَصَا بكَفِّي … مُوسَى ولكن بلا نُبُوَّه قال الحَظِيْرِيّ: وله (¬١): [من الوافر] أتَذكُرُها وقد خَرَجَتْ عَشيًّا … بأَتْرَابٍ لها كالعِيْن رُوْدِ فَمدَّتْ من أصَابِعِها وقالَتْ: … خَضَبْنَاهُنَّ مِن عَلِقِ الوَرِيْدِ نَقَلْتُ من مَجْمُوع بخَطِّ وَلدِ أُسامَة بن مُرْشِد بن مُنْقِذ: وقال خُوَاجَه بَزُرْك ﵀: [من الطويل] أأحْبَانَنا لا شتَّتَ الدَّهْرُ شَمْلكُمْ … ولا ذُقْتُمُ مِن لَوْعَةِ البَيْنِ ما عِنْدِي تَحَمَّلْتُمُ لي كُلُّكُم شَوْقَ واحدٍ … وحَمَّلْتُموني شَوقَ كُلِّكُمُ وَحْدِي أخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن أحْمَد بن السَّمَرْقنديّ: مَوْلدُهُ -يعني الصَّاحِب نِظَام المُلْك- يَوْم الجُمُعَة الحاَدِي والعِشْرين من ذي القَعْدَة سَنَة ثمان وأرْبَعِمائة. أنْبَأْنَا أبو القَاسِم عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل القَاضِي، عن أبي مُحَمَّد عَبْد الكَريم بن حَمْزَة، عن أبي نَصْر عليّ بن هِبَةِ اللَّه بن مَاكُولا قال في كتاب الإكْمَال (¬٢): بَزُرْك بفَتْح البَاءِ، وبعدَها زَاي مَضْمُومَة، ثمّ رَاءٌ سَاكِنة، فهو نِظَام الملك، قَوَامِ الدِّين، غِيَاثُ الدَّوْلَة، رَضِيّ أَمِير المُؤْمنِيْن، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق، يُعْرفُ بين العَجَم بالبَزُرْك، ومَعْناهُ: العَظيم. سَمِعَ الكَثِيْر، وحدَّثَ، وأمْلَى بخُرَاسَان جَمْعًا (a)، وبالثُّغُور، وبقُوْهِسْتَان وغيرها من البِلَادِ، وسَمِعْتُ منه إِمْلاءً بالرَّيّ، وسَمِعْتُ منه بنَوَاحِي خَتٍّ (¬٣)، وبقِرَاءة غيري، وكانَ ثِقَةً، ثبتًا، مُتَحرِّيًا، فَهِمًا، عَالِمًا.وقال ابنُ مَاكُولا في مَوضع آخر من الكتاب المَذْكُور (¬١): أمَّا نِظَام المُلْك فهو نِظَام المُلْك، قِوَام الدِّين، غِيَاثُ الدَّوْلَة، وزَيْن (a) الوُزَرَاءِ، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق، وُلدَ بطُوس، وسَمِعَ الكَثِيْر، وحدَّث بمَرْو، ونَيْسَابُور، والرَّيّ، وأصْبَهَان، وبَغْدَاد، وجميع بِلَادِ خُرَاسَان، وبلاد أَرَّان؛ وهي: جَنْزَة، وبَرْذَعَة، وبَيْلَقان، وسَائر البِلَادِ. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن أبي بَكْر السّمْعَانيّ (¬٢)، قال: الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق بن العبَّاس الطُّوْسيّ، أبو عليّ الوَزِير نِظَام الملك، العَالَمُ العَادِلُ، كَعْبَةُ المَجْد، ومَنْبَعُ الجُوْد، ومَعْدِن الكَرَم والأفْضَال، ذو القَلَم الماضي، واللِّسَان القَاضِي، والمَعْدَلَة والأمَانَة، والصَّلَاح والدِّيانَة. وكان صَاحِبَ أنَاةٍ وحِلْم، ووَقَار، وصَفْحٍ، وصَمْت، وكان مَجْلِسُه عَامِرًا بالقُرَّاءِ والفُقَهَاء، وأئمَّة المُسْلمِيْن وأعْلَام الدِّين، وأهْل الخَيْر والسّتْر والصَّلَاح. وصَارَ مثْل الكَعْبَةِ؛ يَقصِدُه كُلّ أحدٍ من الأقْطَار. وأمَرَ ببنَاءِ المَدَارِس في الأمْصَار، ورَغَّبَ في العِلْم كُلَّ أحدٍ. سَمِعَ الحَدِث الكَثِيْرَ، وأمْلَى في البِلَادِ، وحَضَرِ مَجْلسه أكْثَرُ الحُفَّاظ والمُحَدِّثِيْن، ورَغِبُوا في السَّمَاعَ منه لعُلوِ رُتْبَتِهِ، وارْتِفَاعَ دَرجَتِهِ. وأمَّا ابْتداءُ حَالتهِ: فإنَّهُ كان من أوْلادِ الدَّهَاقِيْن، وأرْبَاب الضِّيَاعَ بناحية بيْهَق، وقَصَبة الرَّاذَكَان (¬٣) من نَوَاحِي طُوْس، قيل إنَّهُ نُفي عن وَالدِته رَضِيعًا،وأنَّ أباهُ كان يَطُوْف به على المُرْضعَات فيُرْضِعْنَهُ حِسْبَةً حتَّى شَبَّ، ولَم يَدر أحَدٌ مَكْنُون سِرّ اللَّه في أمْره، فنَشَأ، وسَاقَهُ التَّقْديُر إلى أنْ علقَ بهِ شيءٌ من العَرَبِيَّةِ، وقادَهُ ذلك إلى الشُّرُوع في رُسُوم الاسْتِيْفاء، فلَم يَزَل الدَّهْرُ يَعْلُو به ويَنْخَفِضُ حَضَرًا وسَفَرًا، وكان يَطُوفُ في بلادِ خُرَاسَان، ووقَعَ إلى غَزْنَة في صُحبَةِ بَعْض المُتَصَرِّفيْن إلى أنْ تَنبَه بَخْتُهُ، وحَانَ وَقْتُه، ووَقَعَ في شُغْل أبي عليّ بن شَاذَان المُعْتَمد عليه ببِلْخ من جِهَة الأَمِير جَغْرِي حتَّى حَسُنَ حَالُهُ عند ابن شَاذَان، وظَهَرَ أثَرُ خِدمتِهِ، ولَاحَتْ آثارُ كِفَايَتِهِ، وصَار مَعْرُوفًا عند ذي أمْره، إلى أنْ تُوفِّي أبو عليّ بن شَاذَان، فذكر أنَّهُ أوْصَى إلى المَلِك ألْب أَرَسْلَان به، وذَكَرَ له كِفَايَته وأمَانَتُه واسْتِصَلاحُهُ لشُغْله، فنَصَبَهُ مكانَهُ، وصَارَ وَزِيرًا له. والحال بَعْدُ مَسْتُورة، والدَّوْلَة مَغْمُورة، إلى أنْ انتهَت الدَّوْلَة الرُّكْنِيَّةُ نِهَاِيتها، وكانت وِلَايَة مَرْو لألْب أَرَسْلَان مُلْكًا، وهو الوَزِيرُ المُتَمكِّنُ من الأمْر، فاتَّفَقَت وَفَاةُ طُغْرِلبَك، ولَم يكُن له من الأوْلَادِ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ، فتوَجَّه الأمْرُ إلى ألْب أَرَسْلَان، وتعيَّن للسَّلْطَنَة، فتحرَّكَ عن مَرْو، والوَزِيرُ يُرَتِّبُ أمْرَه، ويُرَتِّب قَوَاعِدَ مُلْكهِ حتَّى زحَفَ إلى نَيْسَابُور وإفى العِرَاق، وخُطِبَ له على مَنَابِر خُرَاسَان والعِرَاق. وارْتَفَعَ أمْرُ الصَّاحِب، وصارَ سَيِّد الوُزَرَاء، صَافِيًا له الوِرْدُ من سَنَة خَمسٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وانْقَضَتْ أيَّامُ فتْرَة المَذَاهِب والرُّسُوم المَمْقُوتة في الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ، وأظْهَرَ اللَّهُ مَكْنُون سِرِّه في دَوْلةِ نِظَام المُلْك، فَجَرَى له من الرُّسُوم المُسْتَحْسَنَة، ونَفْي الظُّلْم، وإسْقَاط المُؤْن والقسم، وحُسْن النَّظَر في أُمُور الرَّعِيَّةِ، وتقدير المُعَامَلات على سَنَن الإنْصَاف والعَدْل، وضَبْط الأُمُور، واسْتَقَامَتِ الأحْوَالُ، ورُتِّبَت الدَّوَاوِيْن أحْسَنَ تَرْتيب، وتَزَيَّنَتِ الأقْطَارُ بآثار العَدْل والإنْصَاف.وكان من أكْفَى الكُفَاةِ، والسُّلْطان من أعْدَل الوُلَاةِ، فصَفَى العَيْشُ، واطَّرَدَت التِّجَارَاتُ، وأهلت الطُّرُق، وقَلَّ أهْلُ العَيْث والفَسَادِ، وأخَذَ الوَزِير في بَذْلِ الصِّلَاتِ، وبناءَ المَدَارِس والمَسَاجِدِ والرِّباطَاتِ، وتَحْصِيْن العمَارات بالأوْقَاف الدَّارَّة، وتَزْييْن المَدَارِس بخَزَائن الكُتُب المُوْدَعَة فيها، المُشْتَملَة على نَفَائِس الأعْلَاق، ثمّ إسْكَان البِقَاعِ طَلَبة العِلْم والمُدَرِّسيْن في كُلِّ فَنٍّ من الفُنُون، وكُلّ ذلك من الأسْبَاب المُوثقَة للمُلكِ والبُذُور. حتَّى انْقَضَت النَّوْبَةُ للسُّلْطَان أبْى أَرَسْلَان بعد اسْتِكْمَال عَشْر سِنِيْن، إلى سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وطَلعَ نَجْمُ الدَّوْلَةِ المَلِكْشَاهِيَّة، وظَهَرَت كفَايَةُ نِظَام المُلْكِ -بَعْدَ تَقْدير اللَّه- في تَقْرِير تلكَ المَمْلَكَة، مع اتِّفَاق الوَقْعَةِ الهَائِلَةِ للسُّلْطَانِ عند قَصْدِهم مَا وَرَاء النَّهْر، وطَغَاء الخُصُوم اللُّدّ من كلِّ ناحيةٍ، وتَزَاحمِ الأوْلَاد المُسْتَعْدِّين للمُلْك، حتّى توطَّدَتْ أسْبَاب الدَّولَهِ، واسْتَقَامَ الأمرُ، فصارَ المُلْكُ حَقِيْقَة لنِظَامهِ، ورَسْمًا واسْمًا للسُّلْطَانِ، فما كان له إلَّا إقامَة رسْم التَّخْت والاشْتِغَال باللَّهْو والصَّيْد، وكان يُحْمَل إليه الأحْمَال المَجْلُوبَة من الأقْطَار، والدَّهْر وَسْنَان، والسَّعْد جَذْلَان، والنَّحْسُ خَزْيَان. واسْتَمرَّ على ذلك عِشْرُون سَنَةً، اتَّفَقَتْ لهم فيها غَزَواتُ إلى الرُّوم، وظَفر منها بطُرَف الدُّنْيا من الأمْوَال، والعَبِيْد، والدَّوَابّ وغيرها، ثمّ نَهْضَات إلى المَوْصِل وحَلَب وتلك الدِّيَار، وحَرَكَاتٌ إلى مَا وَرَاء النَّهْر، وكان في أثناءِ ذلك ظُهُور خصُوم من الأطْرَاف يَتَمنَّون أمَانيَّ فلا يُدْرِكُونها، ويَتَحرَّكُون عن مَوَاضِعهم، وكانت عَاقِبَتُهم تَؤُول إلى أنَّهم يتَرْكُونها، وكُلّ ذلك بكَمال كِفَايَةِ نِظَام المُلْك، وتَمْهِيده القَوَاعِد، وبَركَة أيَّامهِ، وسَعَادَة جَدِّه، إلى أنْ انْتَهى الحال إلى الكَمَال، فما رَضيَت تلك النَّوْبَة المُبارَكة، والدَّوْلة المَيْمُونَة إلَّا وأنْ تُخْتَم بعَاقبةٍ تليقُ بها، وما كانت إلَّا الشَّهَادَة؛ فأدْرَكَهُ قضاءُ اللَّهِ في شهر رَمَضَان صَائمًا شَهِيْدًا،ووُجئَ في الطَّريق بين أصْبَهَان ومَدِينَهَ السَّلام ليْلةً، ومَضَى إلى رَحْمَة اللَّه سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعِمائة. وما كانت إلَّا زَوال بَرَكَته وحِشْمَته حتَّى تغيَّرتِ الأُمُور، واضْطَرَبت المَمْلَكَة، وتَشَوَّشَت أُمُور العَالَم، ونُسِيَتْ تلك الرُّسُوم، وما رَكَدَتْ بعد سنين آثار تلك النَّائِرة، والظَّنّ أنَّها لا تَعُودُ إلى مثْل ذلك، واللَّهُ أعْلَمُ. قال أبو سَعْد: سَمِعَ بأصْبَهَان أبا مُسْلِم مُحَمَّد بن عليّ بن مَهْرَبُزُد الأدِيْب، وأبا مَنْصُور شُجاع بن عليّ بنشُجاع المَصْقَلِيّ، وبنَيْسَابُور أبا القَاسِم عَبْد الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ، وأبا حَامِد أحْمَد بن الحَسَن الأزْهَريّ، وخَلقًا يَطُول ذِكْرهُم. رَوَى لنا عنْهُ عمِّي الشَّهِيْد أبو مُحَمَّد الحَسَنِ بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، وأبو بشر مُصْعَبُ بن عَبد الرَّزَّاق المُصْعَبيِّ بمَرْو، وأبو نصْر مُحَمَّد بن مَحْمُّود الشُّجَاعِيّ بسَرْخَس، وأبو الحُسَين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن السَّهْلِكيّ ببِسْطَام، وأبو القَاسِم إسْمَاعِيْل بن مُحَمَّد بن الفَضْل الحافِظ بأصْبَهَان، وأبو القَاسِمِ عليّ بن طَرَّاد بن مُحَمَّد بن عليّ الزَّيْنَيِّ ببَغْدَاد، كَتَب عنهُ إمْلاءً بجامع الرُّصَافَة، وأبو الفَتْح نَصْر اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد القَوِيّ اللَّاذِقيِّ بدِمشق، وأبو الفتح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البِسْطَامِيّ ببَلْخ. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن، عن أبي مَنْصُور بن الجَوَالِيْقيّ، عن الخَطِيب أبي زَكَرِيَّاء التَّبْريْزِيّ أنَّ فَخْرَ المُلْك ابن نِظَامِ المُلْك حَدَّثَهُ أنَّ وَالدَهُ كان يَكْتُب للأَمِيْر يَاخُر صَاحِب بَلْخ، وفي رَأس كُلّ حوْل يُصَادره، ويأخُذ ما معه، ويقُول له: قد سَمِنْتَ، ويَدْفع إليه فَرَسًا ومِقْرَعَة، ويقُول: هذا يَكْفِيكَ، فلمَّا طال عليه هَرَبَ منه، ولَقِيَهُ أصْحَابُ يَاخُر فأخَذُوه وهو على فَرَسٍ بَطيء فلقي رِكَابيًّا فأعْطَاهُ فَرَسَهُ، فقَوِيت نَفْسُه، وهَرَبَ منهم، ودَخَل إلى دَاوُد بن مِيْكائِيِل، فلمَّا رآهُ أخَذَبيَده، وسَلَّمه إلى وَلدِه ألْب أَرَسْلَان وقال له: هذا حَسَنُ الطُّوْسيّ فتَسَلَّمُهُ، واتَّخَذَهُ وَالدًا، ودَخَل يَاخُر في الحال، وقال: هذا كَاتبي وقد أخَذَ أمْوَالي، وكان قد رَكِب خَلْفَه، فقال له دَاوُد: لا خِطَابَ لكَ معي، والخِطَابُ لوَلدِي مُحَمَّد، فلم يَتَمكَّن من خِطَابِه، ولمَّا خَاطَبَهُ فيه لَم يَسْمَح بهِ. دَاوُد بن مِيْكائِيل هو: جَغْرِي بَك، ومُحَمَّد ابنُهُ هو: ألْب أَرَسْلَان، ولكُلِّ واحدٍ من مُلُوك السَّلْجُوقِيَّة اسْمَان: اسْمٌ عَرَبيٌّ، واسْمٌ تُرْكِيٌّ. أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا مَنْصُور عليّ بن عليّ بن عَبْد اللَّه الأَمِين يقُولِ: سَمِعْتُ الأَمِير أبا الحُسَيْن العُبَّادِيّ يَقُول: حين جَاءَنا نَعِيُّ نِظَام المُلْك في شَهْر رَمَضَان سَنَة خَمْسٍ وثمانين، قال: كُنْتُ بسَرْخَس في مَجْلِس شَيْخي أبي عليّ الفَارَمَذِيّ فقال في أثْناء كَلَامِهِ: وهذا الحَسَن سَدٌّ للفِتَن، مُشْفِقٌ على المُسْلمِيْن، وكان يُشِيْرُ إليهِ، فنَظَرتُ فإذا النِّظَام جَالِسٌ تَحْتَ سَرِيْره، ثمّ قال الأَمِير العُبَّادِيّ: أخافُ بعد قَتْله ظُهُور الفِتَن؛ فإنَّ الشَّيْخ قال: هو سَدٌّ للفِتَن. أخْبَرَنا عَبْدُ المُطَّلِب، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد بن أبي بَكْر بن أبي المُظَفَّر، قال: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيه الأجَلّ أبا القَاسِم -يعني عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق، أخا نِظَام المُلْك- يَقُول: كان أخي نِظَام المُلْك يُمْلِي بالرَّيّ، فلمَّا فَرَغ قال: إنِّي لأعْلِم أنِّي لسْتُ أهْلًا لِمَا أتَولَّاهُ من هذا الإمْلَاءِ، لكنِّي أُرِيْدُ أَرْبِطُ نَفْسِي على قِطَار نَقَلَة (a) حَدِيْث رسُول اللَّه ﷺ. وقال: قال وَالدِيّ، ﵀، وحَمِعْتُه -يعني الفَقِيه الأجَلّ- يَقُول: سَمِعتُهُ -يعني نِظَام المُلْك- يقُول: مَذْهَبي في عُلُوّ الحَدِيْث غير مَذْهَب أصْحَابنا، إنَّهُم يَذْهبُونَإلى أنْ الحَدِيْث العَالِي ما قَلّ رُوَاتُهُ، وعندي: أنَّ الحَدِيْث العَالي ما صَحَّ عن رسُول اللَّه ﷺ، وإنْ بَلَغَتْ رُوَاتُهُ مائة. قَرأتُ بخَطِّ الحَسَن بن جَعْفَر بن عبد الصَّمَد بن المُتَوَكِّل، وأنْبَأنَا به أبو الحَسَن ابن المُقَيِّر عنه، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَام أحْمَد بن محمُود بن إبْراهيم الضَّرِيْر الأَزَجِيّ المَعْرُوف بابنِ الصَّيَّادِ، صَاحِب الشَّيْخ أبي سَعْد المُعَمَّر بن عليّ بن المُعَمَّر الوَاعِظ المَعْرُوفُ بابنِ أبي عِمَامَة، قال: سَمِعْتُ من لَفْظ الشَّيْخ أبي سَعْد الوَاعِظ قال: لمَّا قَدِمَ السُّلْطانُ مَلِك شَاه إلى بَغْداد، كان وَزِيره الحَسَنَ بن عليّ بن إسْحَاق، نِظَام المُلْك، في سَنَة ثَمانين وأرْبَعمائة، قَصَدَ النَّاسُ نِظَام المُلْك، واسْتَجْدَوْهُ، وكَثُر عليه النَّاسُ والشُّعَراء، فلم يَرُدَّ أَحدًا ممَّن قَصَدَهُ، حتَّى قيل إنَّهُ لمَّا خَرَجَ إلى النَّهْرَوَان تقدَّم بأنْ يُثْبَت ما خَرَجَ منه مُدَّة مقامِهِ، فكان مائة ألف ونَيِّف وأرْبَعين ألف دِيْنار. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور، قال: وقَرأتُ بخَطِّ وَالدِي: سَمِعْتُ الفَقِيه الأجَلّ -يعني أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق- يَقُول: كُنْتُ بمَكَّة، وأَرَدْنا الخُرُوج إلى عَرَفَات، فأخْبَرَني رَجُلٌ أنَّ إنْسَانًا من الخُرَاسَانيَّة ماتَ في بعض الزَّوَايا، وأنَّهُ انْتَفَخَ وفَسَد، ولزمَني القيام بحَقِّه لمَّا أُدِّيَتِ الأمَانَةُ إليَّ فيه، فتَمَكَّثْتُ لذلك. قال: فرَآني بعضُ مَنْ كان يَأْتَمِنُهُ الصَّاحِبُ نِظَام المُلْك على أُمُور الحَاجّ، فقال لي: ما وقُوفكَ هَا هُنا والقَوْم قد ذَهَبُوا؟ فقُلتُ: أنا وَاقِفٌ لكَذا وكذا، فقال: اذْهَب ولا تَهْتَمّ لأمْر هذا المَيِّت؛ فإنَّ عندي خَمْسِين ألْف ذِرَاع من الكِرْبَاس لتَكْفين المَوْتى من جِهَة الصَّاحِب نِظَام المُلْك. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا تاج الإِسْلَام أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: وكان أكْثَر مَيْله إلى الطَّائِفَة المُتَصَوِّفَة مع الإيْمان بما كانوا يَتَوسَّلُون بهِ إليهِمن فُنُون الرُّؤْيا، فيَقْبَلهم على ذلك، ويُقَرِّبهم، ويُنْجِح حَوَائجِهم، ويُوْصل إليهم مآربَهُم، ويَقْضي دُيُونهم، ويُدرُّ عليهم الإدْرَارَات والمَرْسُومات. وحُكي عن بُعْض المُعْتَمَديْن أنَّهُ قال: حَاسبْتُ مع نَفْسِي وطالعْتُ الجَرَائِد، فبَلغَ ما قضَاهُ الصَّدْر من دُيُون واحدٍ من المُتَنَمِّسيْن المقبُولينَ عنده في مُدَّة سنيْن يَسِيْرة ثمانين ألف دِيْنار حُمْر، وكان صَادِقًا فيما حَكاهُ. نَقَلْتُ من خَطِّ عِمَاد الدِّين أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأَنْبَأني عنه أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر وغيره، قال: ومَنَاقِبُ نِظَام المُلْك أكْثَر من أنْ تُحْصَى، وحَكَى مَنْ أحْضَر مُحَاسبَة ابن أسمحا (a) اليَهُودِيّ بإحَالاته وتَوْقِيعَاته، فوَجَدَها في أشْهُر قد اشْتَملت على ثلاثين ألف دِيْنارٍ، ليسَ فيها تَوْقيع إلَّا لفَقِيْه، أو فَقِيْر، أو شَرِيف، أو لرَجُلٍ من أهْلِ بيتٍ. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مَسْعُود بن مَحْمُود الطَّرَازِيّ ببُخَارَى يقُول: سَمِعْتُ شَيْخَنا الحَسَن بن الحُسَين الأنْدَقِيّ يَحْكي عن عَبْد اللَّه السَّاوجِيّ أنَّهُ قال: كان الوَزِير نِظَام المُلْك اسْتَأذن السُّلْطان مَلِك شَاه في سَفَر الحَجِّ، فأَذِنَ له، وكان ببَغْدَاد، فعَبَر الدجلَة، وعَبَرُوا بالقُمَاشَاتِ والآلَاتِ، وضُرِبَت الخِيَامُ على شَطِّ الدِجْلَةِ، فكُنْتُ أرِيْدُ أنْ أدْخُل إليهِ يَوْمًا، فرَأيتُ على باب الخَيْمَة واحدًا من الفُقَرَاء يَلُوح منِ جَبِيْنه سيماءُ القَوْم، فقال لي: يا شَيْخ، أمَانَةٌ تُوْصلها إلى الصَّاحِب، قُلْتُ: نَعَم، فأعْطَاني رُقْعَةً مَطْويَّة، فدَخَلْتُ، ولَمْ أنْشُر الرُّقْعَةَ، وما نَظَرتُ فيها، وحَفِظتُ الأمَانَة، فوضَعْتُ الرُّقْعَة بين يَدِي الوَزِير فنَظَر فيها، فبَكَى بُكَاءً كَثِيْرًا حتَّى نَدمْتُ، وقُلتُ في نفسِي: لَيْتَني كُنْتُ نَظَرْتُ فيها، فإنْ كان شيءٌ يَسُوءُه ما دفعْتُه إليهِ، ثمّ قال لي: يا شَيْخُ،أَدْخِلْ عليَّ صَاحِبَ الرُّقْعَة، فخرجتُ فلم أجدْهُ، فطلبتُه فم أظْفَر بهِ، فأَخْبَرْتُ الوَزِيرَ أنِّي لم أجدْهُ، فدَفعَ إليَّ الرُّقْعَةَ، فإذا فيها: رَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ في المَنَامِ، وقال لي: اذهَبْ إلى الحَسَن، وقُلْ له: أينَ تَذْهَب إلى مَكَّة، حَجُّكَ هَا هُنا، أمَا قُلْتُ لكَ أَقِم بين يَدَي هذا التُّرْكِيّ وأَغِثْ أصْحَابَ الحَوَائِج من أُمَّتِي؟ فرجَع النِّظَام، وما خَرَج. قال: وكان يقُول لي الوَزِير مَرَّات: لو رَأيتَ ذلك الفَقِيْر حتَّى نَتَبرَّك بهِ؟ فرَأيتُهُ يَوْمًا على شَطِّ الدِجْلَة وهو يَغْسِل خرَيْقاتٍ له، فقُلتُ لَهُ: إنَّ الصَّاحِب يَطْلبُكَ، فقال: ما لي وللصَّاحِب؟! كانت عندي أمَانَةٌ فأدَّيْتُها. قال أبو سَعْد: وعبدُ اللَّه السَّاوجِيّ هو: عَبْد اللَّه بن حَسْنُوَيْه بن إسْحَاق السّاوجِيّ من أهْلِ سَاوَة، نَفَقَ سُوْقُهُ على الوَزِير نِظَام المُلْك حتَّى أنْفَقَ عليه وعلى الفُقَرَاء بإشَارته واقْترَاحهِ في مُدَّة يَسِيْرة قَريبًا من ثَمانين ألف دِيْنارٍ حُمْر. قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (¬١)، وأنْبَأنَا عنه صَدِيْقُنا ورَفِيْقُنا الحافِظ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: وفيهِ -يعني مُحَرَّم سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعِمائة- مَرِضَ نِظَامُ المُلْك، فلَم يُدَاوِ نَفْسَهُ بغَيْرِ الصَّدَقَة، فعُوْفي. أخْبَرَنا أبو هاشِم بن الفَضْل العبَّاسيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: وأمَّا مَيْلُه -يعني نِظَام المُلْك- إلى أهْل العِلْم، ورَغْبته في أُولي الفَضْل فهو أنَّهُ لا يَخْلُو مَجْلسه عنهم في أيّ قُطْر كان، وكان بابُهُ مَجْمَع الأفَاضِل من الفُقَهَاء للمُنَاظَرة بينَ يَدَيْهِ، والشُّعَراءِ والمُتَرسِّلين؛ يَعْرضُونَ بضَائعَهُم عليه، فيُقَابل كُلّ أحدٍ بما يَلِيْقُ به من خلْعَةٍ أو صِلَةٍ، أو إدْرَار على قَدْر حَالهِ.قال: سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد بن حَمَّاد الطَّحَّان بقَاسَان (¬١)، يَقُول: سَمِعْتُ عَبْد اللَّه بن هَارُون البَزَّاز يقُول: كان نِظَام المُلْك في مَجْلِس الشَّيْخ أبي عليّ الفَارَمَذِيّ، فبَكَى حتَّى ابتَلَّ شابه، فقال له: لا تَبْك كي تَرْشَويّ، يعني: تَصِير ثِيَابُك مَبْلُولة، ثمّ قال بعد سَاعة: لو كانت الدُّنْيا بحَذَافيْرها لإنْسَان وأنْفَقَها في المَصَالِح وسُبلِ الخَيْر لا يَصِل إلى اللَّه بها؛ ثمّ قال بعد سَاعة: يَنْتقل من الدَّسْت إلى مَوضِع الحِسَاب، وقال بالفَارسِيَّة: أرْبيشْكَاه بحِسَاب كاهَتْ خُوَاهَنْد بُرْد. وقال أبو سَعْد السَّمْعَانيّ: سَمِعْتُ أبا البَرَكَات إسْمَاعِيْلَ بن أبي سَعْد الصُّوْفيّ ببَغْدَادَ مُذَاكَرَةً يقُول: سَمِعْتُ مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، وكان مُخْتصًّا بنِظَام المُلْكِ، قال: كان النِّظَام إذا دَخَل عليهِ الأُسْتَاذ أبو القَاسِم القُشَيْريُّ والإمَام أبو المَعَالِي الجُوَيْنِيّ يقُومُ لهما ويَجْلِس في مَسْنَده كما هو، وإذا دَخَل عليهِ أبو عليّ الفَارَمَذِيّ يقُومُ إليهِ ويُجْلِسُه في مكانِهِ، ويَجْلسُ بينَ يَدَيْهِ، فقال لي أبو المَعَالِي الجُوَيْنِيّ يَوْمًا: قُلْ للصَّدْر عنِّي: يَدْخُل عليكَ الأُسْتَاذ أبو القَاسِم وهو إمامٌ في كَذَا وكَذَا عِلْم، لا تُكْرمهُ هذا الإكْرَام الّذي تُكْرِم به هذا الشَّيْخ؛ يعني: أبا عليّ الفَارَمَذِيّ؟! قال مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ: وفي ضَمْن هذا الكَلَام تَعْريض بنَفْسه أيضًا، فاغْتَنَمْتُ خَلْوةً من النِّظَام وقُلتُ: يا مَوْلَانا، إمَام الحَرَمَيْن قال لي كَذَا على كذَا، وحَكَيْتُ له ما قال ليّ، فقال النِّظَام: هو وأبو القَاسِم القُشَيْريّ وأمْثَالهما إذا دَخَلُوا عليَّ يقُولُون لي: أنتَ كَذَا وأنْتَ كَذا، ويُثْنُون عليَّ، ويُطْرُونَني بما ليسَ فيَّ، فيُزِيْدُني كَلَامهم عجبًا وتِيْهًا في نَفْسِي، وإذا دَخَل عليَّ هذا الشَّيْخ -يعني أبا عليّ الفَارَمَذِيّ- يَذْكُر لي عُيُوبَ نَفْسِي وما أنا فيه من الظُّلْم، فتَنْكَسر نَفْسِي وأرْجع عن كَثِيْر ممَّا أنا فيه؛ ذكر لي هذا أو مَعْناه؛ فإنِّي كَتَبْتُهُ من حِفْظي.وقال السَّمْعَانيُّ: قَرَأتُ في بعض مُسْوَّدَاتِ وَالدِي ﵀ بالرَّيّ بخَطِّه: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الأجَلَّ أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق يَقُول: سَمِعْتُ الصَّاحِب نِظَام المُلْك يُوْصي ابنِ ويقُول: إنَّك شَرَعْتَ في أمْرٍ -يَعْني الفِقْه- فلا تَقْنَع فيه بالاسْم، وإذا تَنَاهَيْتَ فيه، فلا تُغَرِّر بنَفْسكَ، وأيْقِن أنَّ ما لا تَعْلَم أكْثَر ممَّا تَعْلَم. ثمّ حَكَى الصَّاحِبُ أنَّ الإمَام أبا حَامِد الغَزَّاليّ (a) الصُّوْفيّ كان رَحَلَ إلى أبي نَصْر الإسْمَاعِيْليِّ بجُرْجَان، وعَلَّق عنه، ثمّ رجَعَ إلى طُوْس، فقُطِع عليه الطَّريقُ، وأُخِذ تَعْلِقُه، فقال لمُقَدَّم قُطَّاعِ الطَّريق: ردُّوا عليَّ تَعْلِيْقَتِيّ، فقال: وما التَّعْلِيقَة؟ قال: مِخْلَاةٌ فيها كُتُب عِلْميّ، وقصَصْتُ عليه قِصَّتي، فقال لي: كيف تعلَّمْتَ وأنْتَ تأخُذ (b) هذه المِخْلَاة تتجرَّد عن عِلْمكَ، وبقيْتَ بلا عِلْم! ورَدَّهَا عليَّ. فقُلتُ: هذا مُسْتَنْطَقٌ أنْطَقَهُ اللَّهُ ليُرْشِدَني لأمْريّ، قال: فدَخَلْتُ طُوْسَ، وأَقْبَلْتُ على أمْري ثلاث سِنِيْن حتَّى تحَفَّظْتُ جميعَ ما علَّقت، فصِرْتُ بحِثُ لو قُطِعَ الطَّريق لا أُحْرَم عِلْمِي. قال أبو سَعْد: قَرَأتُ في كتَاب سِرّ السُّرُور (¬١) لصَدِيْقنا القَاضِي أبي العَلَاءِ مُحَمَّد بن مَحْمُود الغَزْنَوِيّ أنَّ نِظَامَ الملك كان في بَعْضِ أَسْفَاره إذ صَادَفَ رَاجِلًا في زيِّ العُلَمَاءِ قد مَسَّهُ الكَلَالُ، وأضْجَرَهُ التَّعَب، فقال له نِظَام المُلْك: أيُّها الشَّيْخُ، أَعَيِيْتَ أم أُعْيَيْتَ؟ فقال الرَّجُلُ: أَعْيَيْتُ يا مَوْلَانا، فتقدَّم إلى حَاجِبِه ليُقَرِّبَ إليهِبعضَ الجَنَائِبَ، ويَصْلح من شَأنه، وأخَذَ في اصْطِناعِهِ، وإنَّما أرادَ ليَمْتَحن فَضْلَهُ وعِلْمَهُ باللُّغَة، فإنَّ عَيِيَ في اللِّسَان وأَعْيَى في المَشْي. قال: وذُكِرَ أنَّهُ وَلَّى رَجُلًا قَضاءَ سرْخَس، فلم يَرْتَض طَرَائقَهُ فيه، فصَرَفَهُ بآخر، وتَوَسَّل المَعْزُول بشَفَاعَةِ بعض الأكَابِر، فوقَّع نِظَام المُلْك على ظَهْر كتاب الشَّفَاعَة: قَلَّدْنَاهُ أمْرًا عَظِيم الخَطر، ليَوْم الفَزَع الأكْبَر، فاثَّاقَل وتقَاعَد عن حُسْن القِيَام بهِ، ولَم يُبَال بالتَّفْرِيطِ في جَنْب اللَّهِ، ألَم يَعْلَم أنَّهُ المُقَلَّدُ لا المُخَلَّد!. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن الحُسَين اليَزْدِيّ الفَقِيه، قال: سَمِعْتُ أبا نَصْر مَحْمُود بن الفَضْل الأصْبَهَانِيّ يَقُول: سَمِعْتُ نِظَام المُلْك أَبا عليّ الحَسَن بن عليّ بنِ إسْحَاق الوَزِير، برَّدَ اللَّهُ مَضْجِعَهُ، يَقُول: رَأيْتُ في المَنَام إبْلِيْسَ في صُوْرة رجُلٍ طُوَال مصْفَار اللَّوْن كَوْسَجًا، فلمَّا وَقَع بَصَري عليه عَرَفتُ أنَّهُ إبْلِيْسُ، فمُلتُ: لا حَوْل ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّه، فلم يَبْرح من مَوضِعِهِ فأعدْتُ هذه الكَلِمَة عليه مَرَّات بصَوْتٍ، وأنا أقُول في نَفْسِي: ما أعْجَبَ ذلك، هذا إبْلِيْسُ ولا يَهْربُ من قَوْل لا حَوْل ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، فكُنْتُ في ذلك وأنا رَافِع صَوْتي بها إذ تَرَآى لي بَيْتٌ خَلْفَ ظَهْره فدَخَلَ، فقُلتُ لَهُ: يا لَعِيْن، أنْتَ خَلَقَك اللَّهُ وأمَرَكَ بسَجْدةٍ واحدةٍ، فَخالفْتَهُ، حتَّى لعنَكَ ولَعَنَ مُتَابعِيْكَ، وأنا الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق أمَرَني بالسَّجْدَة، فأَسْجُد له كُلَّ يَوْم سَجْدَات، لا جَرَمَ ما من حَاجَةٍ أرْفَعُهَا عليه إلَّا ويَسْتَجِيْبُها لي وأنا في كُلِّ نِعْمَة ورَاحةٍ منه. فقال: [من مخلع البسيط] مَنْ لَم يَكُنْ للوِصَالِ أهْلًا … فكُلُّ إحْسَانِهِ ذُنُوبُ أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الأجَلَّ أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق يَذْكُر أنَّ الصَّاحِبنِظَامَ المُلْكِ أخَاهُ كان يَقُول: كُنْتُ أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي قَرْيَةٌ خَالِصَةٌ ومَسْجِدٌ أتَّخذ فيه لطَاعِة ربِّي، ثُمَّ بعدَ ذلك تَمَنَّيْتُ أنْ يكُونَ لي قِطْعَةٌ من الأرْض بشِرْبها، أتَقَوَّتُ برَيْعِهَا، ومَسْجِد أتَخَلَّى فيه لعِبَادَة ربِّي في جَبَل، ثمّ الآن أتَمَنَّى أنْ يكُونَ لي رَغِيفٌ كُلّ يَوْم، ومَسْجِدٌ أتَعَبَّد فيه لرَبِّي. قال أبو سَعْد: قال وَالدِي ﵀: وسَمِعْتُه يَقُول: كُنْتُ لَيْلَة من اللَّيالِي عندَهُ وأنا على أحَدِ جَانبَيْهِ، والعَمِيْد خَلِيفَة على الجانب الآخرِ، وبجَنْب العَمِيْد خَلِيفَة فَقِيْرٌ مَقْطُوع اليَدِ اليُمْنَى، قال: فشَرَّفني الصَّاحِب بالمُؤَاكَلَة، وجَعَل يلحَظُ العَمِيْدَ خَلِيفَة كيفَ يُؤَاكل الفَقِيْر، قال: فتَنَزَّه خَلِيفَةُ من مُؤَاكَلَةِ الفَقِيْر لَمَّا رَآهُ يَأكُل بيَسَارِه، فقال لخَلِيفَة: تَحَوَّل إلى هذا الجانب، وقال للفَقِير إنَّ خَلِيفَة رَجُلٌ كَبِيرٌ في نَفْسه يَسْتَنْكفُ من مُؤَاكَلَتِكَ، فتقدَّم إليَّ، وأخَذَ يُؤَاكِلُهُ!. وقال: قَرأتُ بخَطِّ الإمَام وَالدِي ﵀: سَمِعْتُ الفَقِيه أبا القَاسِم عَبْد اللَّه بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسيّ يَقُول: دَخَل أَخي نِظَامُ المُلْك على الإمَام أبي الحَسَن الدَّاوُودِيّ، وقَعَد بينَ يَدَيْهِ، وتَوَاضَعَ له غايةَ التَّوَاضُع، فقال له الإمَامُ أبو الحَسَن: أيُّها الرَّجُلُ، إنَّ اللَّه سَلَّطَكَ على عَبِيْده، فانْظُر كيف تُجِيْبُه إذا سَألكَ عنهم. قُلتُ: هذا أبو الحَسَن الدَّاوُودِيّ هو: عبد الرَّحْمن بن مُحمّد بنِ المُظَفَّر بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن أحْمَد البُوْشَنْجيّ؛ كان من العُلَمَاء الأبْرَار، وهو يَرْوي كتاب البُخاريّ عن الحَمُّوِيّ. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأخْبَرَنَا أبو الحَسَن بن أبي جَعْفَر إجَازَةً عنه، قال: وكان نِظَام المُلْك من طُوْس، وأهْل طُوْسِ يُقال لهم في اصْطِلَاح النَّاس: بَقَر طُوْس، وكان للخِزَانَة صَائِغٌ يُقالُ له حُسَين، حَسَنُ الصِّناعَةِ في الصِّيَاغَة، قال: اسْتَدْعاني يَوْمًا نِظَام المُلْك، وقال:احْضر لي قَوَالب لعَمَل سُخُوتٍ، فأحْضرْتُها له، فأوَّل ما وَقَعَتْ يَدُه على قَالبٍ فيه صُوْرَة البَقَر، وقد كُنْتُ غَفَلْتُ عن الحَدِيْثِ، فعَجِلَ وقال: يا أُسْتَاذُ، ما تُخَلِّينا من يَدكَ! فلَم يَتْرُك الظّرْفَ واللُّطْفَ مع جَلَالَة قَدْرِه، وكِبَر سِنِّهِ. أخْبرَني أبو عليّ الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل (a) القيْلَويّ بحَلَب، قال: قَرَأتُ في بَعْض مُطَالَعاتي أنَّ الشَّريف أبا يَعْلَى ابن الهَبَّارِيَّة كان له رَسْم على الوَزِير نِظَام المُلْك، فنَظَم قِطْعَتَين من الشِّعْر، أحدَيْهُما يَمْدَحُهُ فيها ويَقْتَضيه رَسْمُه، والأُخْرى يَهْجُوه فيها، وتَرَك الوَرَقتَيْن اللَّتَيْن فيهما الشِّعْر في عِمَامَته، وحَضَر عندَ نِظَام المُلْك، وأرَادَ أنْ يَدْفَع إليهِ الرُّقْعَة الّتي فيها الاقْتِضَاءُ، فدَفَعَ إليهِ الأبْيَات الّتي هَجَاهُ فيها، وإذا فيها مَكْتُوبٌ (¬١): [من الكامل] لا غَرْوُ أنْ مَلَكَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ وصَفَا لدَوْلَتِهِ وخَـ … ـصَّ أبا الغَنائِم (b) بالكَدَرْ فالدَّهْر كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُورُ إلَّا بالبَقَرْ يَعْني بأبي الغَنائِم تَاج المُلْك، وكان من أصْحَابِ السُّلْطان مَلِكْشَاه، وكان بين نِظَام المُلْك وبينه عَدَاوَة. قال: فلمَّا قرأ نِظَام المُلْك الأبْيَات وقَّعَ على رَأسها: يُطْلَقُ لهذا القُوَّادِ رَسْمُهُ مُضَاعَفًا، ونَاولَهُ إيَّاها، فأخَذَ ابن الهَبَّارِيَّة الرُّقْعَة، فلمَّا نَظَرها أخَذَ يَعْتَذرِ، فقال له النِّظَام: لا تَقُلْ شيئًا، وخُذ الرُّقْعَةَ، وامْض إلى الدِّيْوَان، فمَضَى وأخَذَ رَسْمَهُ.قال: إنَّ ابن الهَبَّارِيَّة هَجَاهُ بعد ذلك بقَوْله: [من مجزوء الكامل] لا يَشْمَخَنَّ بأنْفِهِ … غَيْر الكريم المُفْضِلِ أَهْوِنْ بفَقْري والكِلَا … بُ على عِيَال أبي عَلي فأهْدَرَ دَمَهُ، ثمّ عَفَا عنه، والقِصَّة قد ذَكَرْناها في تَرْجَمَةِ أبي يَعْلَى بن الهَبَّارِيَّة (¬١). وقيل: إنَّ الأبْيات الرَّائِيِّة للأَبيوَرْدِيّ، والصَّحيحُ أنَّها لابن الهَبَّارِيَّة. قَرأتُ بخَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن اللُّعَيْبَة في دُسْتُور جَمَعَهُ: قال الفَقِيه الأَبْيِوَرْدِيّ يَهْجُو خُوَاجَا بَزُرْك وَزِير السُّلْطان مَلِك شَاه ﵀، وهو الوَزِير أبو عليّ الحَسَن بن إسْحَاق: [من الكامل] لا غَرْو أنْ وَزَرَ ابن إسْـ … ـحَاق وسَاعَدَهُ القَدَرْ وصَفَتْ له الدُّنْيا وخُـ … ـصَّ أبو الغَنائِم بالكَدَر فالدَّهْرُ كالدُّوْلَاب لَيْـ … ـسَ يَدُور إلَّا بالبَقَر ولمَّا نَمَتْ هذه الأبْيَاتُ إلى الوَزِير ﵀، اسْتَدْعَى الأَبِيْوَرْدِيّ، وكانت أيَاديهِ عندَهُ جَمَّة، وله عليه رُسُومٌ في كُلِّ سَنَة لها قَيِّمةٌ كبيرةٌ، فلمَّا مَثَلَ بينَ يَدَيْهِ قال له: يا هذا، بِمَ اسْتَوْجَبْتُ منكَ أنْ تَهْجُوني تَعَصُّبًا لعَدُوِّي عليَّ؟ -وهذا أبو الغَنائِم الّذي ذَكَرهُ هو تَاجُ المُلْك عَدُوّ الوَزِير- فأنْكَر أنَّ هذا شِعْره، فقال له الوَزِير: إنْ لَزمْتَ الإنْكَار أحْضَرتُ مَنْ أنْشَدنيها، فَوَاقَفَكَ عليها، ومع هذا فأنْتَ تَعْلَم ما لي عندَكَ من الأيَادِي الّتي لا تُذْكر، وما كُنْتَ تَسْألُني فيه من الحَوَائِج الّتي تُؤخَذ عليها الأمْوَالُ مع الرُّسُومِ، فَلَاذَ الفَقِيهُ بالعُذْر، واعْتَرَفَ أَنَّها من جُمْلَةِ غلطَاته الّتيلا تُسْتَقَالُ، وعَثَراته القَبِيْحَة، فقال له الوَزِير: لا شَكَّ أنَّ الرُّسُومَ الّتي لك لا تَكُفّ ولا تَكْفيّ، وقد تقدَّمْتُ بإضْعَافها لك، فاقْبضها ولا تَغْلَط بعد ذلك. ونَقَلْتُ من خَطِّ العِمَاد الكَاتِب أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد، وذَكَر [قَوْل] (a) شُعَرَاء العَجَم فيه؛ يَعني في نِظَام المُلْك: إنَّ اللَّه أقامَ الأرْضَ على قرن ثَوْر وملَّكَها الثَّوْر. أخْبَرَنا أبو هاشِم الصَّالِحِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: أنْشَدَني كَيْخُسْره بن يَحْيَى بن بَاكِيْرَ الفَارسِيّ من حِفْظه أمْلاهُ عليَّ، قال: أنْشَدَني أبو زَكَرِيَّاء يَحْيَى بنُ عليّ التَّبْرِيْزِيّ للسَّيِّدِ العَلَويّ البَلْخِيّ: [من الوافر] تَوَلَّى الأرْضَ أَعْجَازٌ لِئَامٌ … وبَادَ سَوَالفٌ كَرُمَتْ وَهَامُوا (b) كذاكَ الدُّوْرُ إنْ خَرِبَتْ وأقْوَت … تَوَلَّاهُنَّ أصْدَاءٌ وهَامُ قال عَبْدُ الكَريم: قال لي كَيْخُسْره بن يَحْيَى (c): قال لي أبو زَكَرِيَّاء التَّبْرِيْزِيّ: قال له (d) السَّيِّدُ البَلْخِيُّ: لمَّا أفْضَت الوِزَارَةُ إلى نِظَام المُلْك في حَقِّه (e)، فلمَّا بَلَغَ البَيْتان إليهِ، أرْسَل بي إليهِ، واسْتَأذَنَ في زِيَارته، فأَذِنَ له فزَارَهُ وحَمَل معه بمائة ألف دِرْهَم أغْرَاضًا ودَنَانِيْر، واعْتَذَر إليهِ وكأنَّهُ هَجَاهُ بهذَين البَيْتَيْن، ثمّ تعاهَدَا على أنْ يَعُود على شُغْله في الاسْتِيْفاء، فوَفَيا بالعَهْد إلى أنْ مات. أخْبَرَنا أبو هاشِم، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن مَنْصُور الجَنْزِيّ الإمَام يقُول: سَمِعْتُ في حَيَاة وَالدِي رَجُلًا يَقُول: أقامَ وَالدِي في حُجْرةالنِّظَام الوَزِير ثلاثة أيَّام بلَيَاليها ما أكلَ فيها ولا شَرِبَ، وكان الفَرَّاشُ قد نَسِي أنْ يُقَدِّم له شيئًا إلى أنْ تَنبَه النِّظَام لذلك، فقام بنَفْسِهِ وحَمَل إليهِ الطَّعَام بنَفْسه. قال الإمَام مُحَمَّد بن يَحْيَى: فحكَيْتُ هذه الحِيَة لوَالدِيّ، فسَكَتَ. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقذٍ في تَارِيْخهِ، قال: حَدَّثَني أبي عنه -يعني عن نِظَام المُلْك- قال: كان رَجُلًا يَصُوم الدَّهْر، وله في أصْبَهَان أرْبَع نِسْوَة، يُعْمَل له في كُلِّ دَار طَعَام ولأصْحَابهِ ومنْ يكُون عندَهُ بقِيْمةٍ وَافيةٍ، فأيّ دَار أراد أنْ يَجْلسَ بها كان الطَّعَام الكَثِيْر مُعَدًّا كما قال: عَشرةً رُؤوس غَنَم مَشْوِيَّة، وعَشرة ألْوَان، وعَشر جَامَات حَلْوَاء. سَمِعْتُ القَاضِي أبا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَفِر الحَنَفِيّ قاضي العَسْكَر ﵀، وقد جَرَى ذِكْر نِظَام المُلْك ومَيْله إلى أهْل العِلْم، يَقُول: كان نِظَام المُلْك يتعَصَّب للشَّافِعِيَّة كَثِيْرًا، فكان يُولِّي الحنَفِيَّة القَضَاء، ويُولِّي الشَّافعيَّة المَدَارِس، وبقصد بذلك أنْ يتوفَّر الشَّافِعيَّة على الاشْتِغَال بالفقْه، فيَكْثُرَ الفُقَهَاءُ منهم، ويَشْتَغل القُضَاة بالقَضَاءَ، فيقلّ اشْتِغَالهم بالفِقْه ويَتَعَطَّلُون. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الكَاتِب، وأنْبَأنَا عنهُ أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن القَاضِي وغيرُه، قال: كان عُثْمان ابن جَمَال المُلْك ابن نِظَامِ المُلْك رَئيس مَرْو، وهناك شِحْنَة مَرْو مَمْلُوك السُّلْطان بردي فقَبَض عليه لأمْرٍ جَرى منه، ثمّ أطْلَقَهُ، فجاءَ مُسْتَغِيْثًا، فنفَذَ السُّلْطان تَاجَ المُلْك، ومَجْد المُلْك وجَمَاعَة أرْبَاب دَوْلتَه وقال لهم: أمضوا إلى خُوَاجَه حَسَن وقُولُوا: إنْ كُنْتَ شَرِيْكي في المُلْك فلذلك حُكْم، وإنْ كُنْتَ تَابِعي فيَجب أنْ تلزَم حدَّك، وهؤلاءِ أرَاذل قد اسْتَولَى كُلّ واحدٍ منهم على مَمْلَكَةٍ، فواحدٌ ببَلْخ، وواحدٌ بهَرَاة، وواحدٌ ببَلَد كَذا، ثمّ لا يُقْنعُهم ذلك حتَّى يَتجَاوَزُوا حُدُودهم في سَفْك الدِّماء. وقالللأمِيْر بَكْبُرْد، وكان من خَوَاصِّهِ: كُنْ معهم حتَّى لا يُحَرِّفُوا ما يقُولُ. فأتَوا إلى نِظَام المُلْك وقَالُوا له، فقال: نعم، قولُوا له: أمَا عَلمَ أنَّني شَرِيكُه في المُلْك، أوَ مَا يَذْكُر حين قُتِلَ أبُوه كيفَ قُمْتُ بتَدْبِير أمْره، واعْلمُوا أنَّ ثباتَ القَلَنْسُوَة مَعْذُوق بفَتْح هذه الدَّوَاة، ومَتَى أطبقَت هذه، زالَتْ يك الّتي يقرّ. فقال له الرُّسُل: قد كَبِرْتَ يا مَوْلَانا وقد ضَجِرْتَ، وقد أثَّر فيك الأمْرَان وعَدَلَا بك عن الرَّأي الّذي ما زَالَتِ الآراءُ معه، فقال لهم: قُولُوا للسُّلطَان عنِّي ما أردْتُم، فقد دَهَمني ما لحَقَني من تَوْبيخهِ! فلمَّا خَرَجُوا من عنده، قالوا: الصَّوَابُ أنْ لا نَذْكُر ما قالَهُ، وعَرَّفُوا بَكْبُرْد حُرْمَة مَكَانهِ، وسَألُوه أنْ لا يُخْبر بما جَرى، فلم يَفْعَل، ومَضَى بَكْبُرْد من حاله وأخْبَر السُّلْطان، وبَكَّر الجَمَاعَةُ، فوَجَدُوا السُّلْطان جالِسًا يَنْتظرهُم، فقال لهم: ما قال لكُم؟ قالوا: قال أنَا وأوْلَادِي عَبِيْد دَوْلتَه، فقال السُّلْطان: لَم يَقُل هكذا، ثمّ وقَع التَّدْبِير في أمْره. وقال: في لَيْلَة السَّبْت عَاشِر شَهْر رَمَضَان قُتِلَ نِظَام المُلْك في نَهَاوَنْد، بين نَهَاوَنْد والسَّحْنَة (¬١)، وهو سَائِرٌ مع العَسْكَر إلى بَغْدَاد، وذلك بعد أنْ فَرغَ من إفْطَاره، وتفرُّق مَنْ كان على طَبَقه من العُلَمَاءِ والفُقَرَاءِ والأجْنَادِ، وحُمِلَ في محَفَّة إلى مَضْرب حُرَمهِ، فأتاهُ صَبيٌّ دَيْلَميٌّ في صُوْرة مُسْتَمِيْح ومُسْتَغِيْث، فضَرَبَهُ بِسِكِّين كانت معه فقَضَى عليه، وهَربَ، فوَقَع في عَثْرة عَثَرَها بطَنب خَيْمَة فأُدْرِكَ فقُتِلَ، ورَكِبَ السُّلْطان مَلِك شَاه إلى مُخَيَّم نِظَام المُلْك، وسَكَّنَ معَسْكَره. وحُكي أنّ أحَدَ الصَّالحين قال لنِظَام المُلْك وهُم في الإفْطَار: رَأيْتُ في بَارِحَتنا كأنَّ رسُول اللَّه ﷺ أتاكَ وأخَذَكَ فتَبعْتُهُ، فقال: ارْجع أيُّها الرّجُل فلهذا أَبْغيّ، فأَوَّلَها.نَقَلْتُ من خَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن، وأنْبَأنَا به عنه رَفِيقُنا الحافِظ أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: وفي لَيْلَة السَّبْت عَاشر شَهْر رَمَضَان -يعني من سَنَة خَمْسٍ وثمانين- قُتِلَ نِظَام المُلْك، قَوَام الدِّين، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق ﵁ قَريبًا من نَهَاوَنْد، وهو سَائِرٌ مع العَسْكَر في مِحَفَّة، فضَرَبَهُ صَبِيٌّ دَيْلمَيٌّ في صُوْرة مُسْتَمِيْح أو مُسْتَغِيْث بسِكِّين كانت معه، فقَضَى عليه، وأُدْرِكَ فقُتِلَ، وجَلَس لعَزَائهِ عَمِيْدُ الدَّوْلَة ابنُ جَهِيْر ببَغْدَاد. وفَضَائِله المَشهُورة في كُلِّ مكان وزَمَان تَنُوب عن لسَان مَادحه، وأفْعَاله الصَّالِحة من المَدَارِس، والرُّبط، والقَنَاطِر، والجُسُور، والصَّدَقَات الدَّارَّة باقيةٌ على الأيَّام. وتحدَّثَ النَّاسُ بأنَّ قتلَ نِظَام المُلْك كان برِضًى من السُّلْطانِ وتَدْبِير تَاج المُلْك أبي الغَنائِم، وإشَارة تُرْكَان خَاتُون؛ لأنَّهم كانُوا عَزَمُوا على تَشْعِيْث خَاطِر المُقْتَدِيّ، وكان نِظَام المُلْكِ يمنَعُهُم من ذلك. قال ابنُ الحُصَيْن: وبَلَغَني أنَّ أبا نَصْر الكُنْدُرِيّ لمَّا عُزِلَ عن وِزَارَة السُّلْطان، وفُوِّضت الوِزَارَة إلى نِظَام المُلْك، وحُبِسَ وسَعَى نِظَامُ المُلْك في قَتْلهِ، فلمَّا هَمَّ الجَلَّادُ بفَتْلهِ، قال له: قُلْ للوَزِيْر نِظَام المُلْك: بئسَ ما فَعَلْتَ، عَلَّمْتَ الأتْرَاك قَتْل الوُزَرَاء وأصْحَاب الدَّوَاوِيْن، ومَنْ حَفَرَ مَغْواةً وَقَعَ فيها، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً فَلَهُ وِزْرها ووِزْرُ مَنْ عَمِل بها إلى يَوْم القِيامة، ورِضًى بقَضَاءِ اللَّه المَحْتُوم، فكان الأمْرُ كما قال. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ، قال: سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة، فيها قَفَزَ بَاطِنِيَّةٌ على خُوَاجَا بَزُرْك ببَغْدَاد وهو مَحْمُولٌ في مِحَفَّتِهِ الّتي كان يُحْمَلُ فيها من ضَعْفِه وكِبَرِه في تَاسِع شَهْر رَمَضان، فجَرَحَهُ،وحُمِلَ إلى دارهِ الّتي ببَغْدَاد، فجاءَ السّلطان مَلِكشَاه يَتَفَقَّدُهُ ويتَوَجَّع له، فقال له خُوَاجَا: يا سُلْطان العالَم، كَبرْتُ في دَوْلة أبيكَ ودَوْلتكَ، كُنْتَ تَمهَّلْتَ عليَّ فما بَقِيَ مِنْ عُمري إلَّا القليل، أو صَرَفْتَني ولا أمَرْتَ أنْ يُفعَلَ بي هكذا، فأَخْرَجَ السّلطانُ مصْحَفًا في تَقْليدِه، وحَلَفَ لهُ بما فيه أنَّه لَمْ يَأمُر، ولَمْ يَعْلَم ثُمَّ قال: وكيفَ أَسْتَجِيزُ هذا وأنتَ بَرَكَة دَوْلَتي، وبمَنْزِلة أبي، وكان الّذي اتُّهِم بذلك مُتَولِّي الخِزَانَة تَاج المُلْك أبا الغَنائم. قال ابن مُنْقِذ: حَدَّثَني أبي عنه، قال: فماتَ خُوَاجَا، ومَضَى السّلطان فمات في العَشْر الأَخير من شوّال. قال: وذُكِرَ أنَّ السُّلْطَان لمَّا ماتَ اجْتَمع مَمَالِيْك خُوَاجَا بَزُرْك، وكانُوا في سَبْعة آلاف مَمْلُوك مُزوَّجيْن إلى سَبْعة آلاف مَمْلُوكة، فقَتَلُوا تَاج المُلْك على ما نَذْكُر في تَرْجَمة تَاج المُلْك (¬١). كذا قال ابن مُنْقِذ: أنَّهُ قُتِلَ ببَغْدَاد وحُمِلَ إلى دَارِه الّتي ببَغْدَاد، وهو وَهْمٌ، والصَّحيحُ أنَّهُ قُتِلَ بقُرْب نَهَاوَنْد وهو مُتَوَجِّهٌ إلى العِرَاق. نَقَلْتُ من كتاب الاسْتِظْهَار في التَّاريخ عِلى الشُّهُور (¬٢)، تأليف القَاضِي أبي القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد السِّمْنَانِيّ، قال: في شَهْر رَمَضان من سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة قُتِل الشَّيْخُ الكَبير، قَوَام الدِّين، نِظَامُ المُلْك، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بنإسْحَاق، رَضِيُّ أميْر المُؤْمنِيْن ﵁، في ظَاهِر نَهَاوَنْد وهو سَاِئِرٌ إلى العِرَاق؛ قَتَلَهُ إنْسَانٌ دَيْلهَيٌّ غِيْلَةً بعد الفِطْر لَيْلَة الجُمُعَة حَادِي عَشر منه. وكانَ مَوْلدُهُ في ذي القَعْدة من سَنَة ثمانٍ وأربعمائة، وبقي في الأمْر وَزِيْرًا، ونَاظِرًا، ومُشْرفًا نحو خَمْسِين سَنَةً، وبَلَغَ في الوِزَارَة ما لَم يَبْلُغْهُ أحَدٌ من وُزَرَاءِ الدَّوْلَتَيْن، وكان يُضْربُ له الطَّبْلُ والقِصَاعُ ثَلاثَ صَلَوات حَضَرًا وسَفَرًا، وهو الَّذي بَنى الدّوْلَة السَّلْجُوقيَّة وأَسَّس قَوَاعِدَها، وتَفَتَّحَت الدُّنيا على يَدَيهِ، وكان صَدُوقَ اللِّسَان، جَيِّدَ الرَّأي، كَبِيْرَ النَّفْس، حَلِيْمًا، وَقُورًا، يُصَلِّي باللَّيْلِ، ويَصُومُ في أكْثَر الأوْقَاتِ. وهو أوَّلُ وَزِيرٍ بَنَى المَدَارِسَ في البلادِ، وأجْرَى على المُدَرِّسيْن، والمُتَفَقِّهَة، والأُدَبَاءِ والشُّعَراء، وأهْل البُيُوتاتِ، والرُّؤسَاء. ولم يَنْظُر قَطّ إلى ظَهر مَحْرُوم، وما قَصَدَهُ أصدٌ في أمْرٍ إلَّا نالَهُ أو مُعْظَمَهُ، فأمَّا الحِرْمان فلا. ولم يَبْقَ عليه من عَظيم المُلْك غير ما فَعَلَهُ وبَناهُ وخَلَّدَ بهِ ذِكْرَهُ في العَالَم، وفاقَ به على جميعِ مَنْ تَقَدَّم، ﵁ وأرْضَاهُ، وأحْسَنَ له الجَزاءَ عنِّي، فلقد وَصَلني في سَبْع سَفرات بألْفٍ وأرْبَعمائة دِيْنارٍ مِنْ مَاله، غير الثِّيَاب والنُّزُل والإقامَة، وأَجْرَى عليَّ من مال بَيْت المَال سَبْعمائة دِيْنار وعِشْرين دِيْنارًا في كُلِّ سَنَةٍ، ووَلَّاني قَضَاءَ الرَّحْبَة والرَّقَّة وحَرَّان وسَرُوْج وحَلَب وأعْمَالِ ذلك كُلّه، وخَاطَبني بالقَاضِي السَّدِيْد العَالِم، بَحْر العُلَماءِ، عَيْن القُضَاة، في مُكَاتبته إليَّ، فأحْسَنَ اللَّهُ له عنِّي الجَزَاءَ. وكان يُكْرِم العُلماءَ على اخْتِلَاف مَذَاهِبهم، وله فَضْلٌ وكَرَمٌ، وبَصِيْرةٌ بالرِّجَال، قَرِيبٌ مِن القُلُوب، لا يَتَشَاغَل إلَّا بتِلَاوَة القُرْآن وسَماعِ حَديث رسُولِ اللَّه ﷺ، ومُنَاظَرة الفُقَهَاء بينَ يَدَيْهِ، وتقَدَّم في زمَانِهِ مَن لَم يَكُن مُتَقَدِّمًا من الرِّجَال، وتأخّر مَنْ كان مُتَقدِّمًا، واسْتَرْجعَ المَمَالِكَ كُلّها، وقَبَضَها إلى السُّلطان.وهو أوَّلُ مَنْ أقْطَع البلادَ والضِّيَاع للعَسَاكِر والأجْنَادِ، وكان يَرْعَى لأهْل البُيُوتَاتِ بُيُوتَهُم، وللعُلَماء عِلْمهم، وللشُّعَراءِ شِعْرَهُم، وللأُدَباءِ أدَبَهُم، وللأَشْرَاف شَرَفهم. وكان أمْرُ الدَّوْلة في الزِّيادَةِ إلى أنْ شَارَكَهُ في الرَّأي غَيْرُه، ودَاخَلَ السُّلْطان سِوَاه، فهَلَكت الدَّولَةُ، ولم يَبْقَ السُّلطَانُ بعدَهُ إلَّا نَيّف وثَلاثُون يَوْمًا، ﵁. ذكَرَ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَان السِّيَر في مَحَاسِن أهْلِ البَدْو والحَضَر (¬١)، وقال: نِظَام المُلْكُ، أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسيّ، وزَرَ للسُّلْطَان ألْب أرَسْلَان، ولوَلده السُّلطان مَلِك شَاه تِسْعًا وعِشْرين سَنَة، وقُتِلَ بالقُرْب من نَهَاوَنْد في اللَّيلة الحَادِيَة عَشرة من شَهْر رَمَضان سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وأرْبَعمائة، وعُمرُهُ ستٌّ وسَبعُونَ سَنَةً وعَشرةُ أشْهُر، وتِسْعةَ عَشَرَ يَوْمًا، اغْتَالَهُ أحَدُ البَاطِنيَّة وقد فَرَغَ من فُطوره، وقيل إنَّ السُّلْطان مَلِك شَاه وَلَّفَ عليه مَنْ قَتَلَهُ لأنَّهُ سَئِمَ طُولَ عُمره، وماتَ بعدَهُ بشَهْر وخَمْسة أيَّامٍ. وتقدَّم نِظَام المُلْك في الدُّنيا التَّقَدُّمَ العَظِيم، وأفْضَل على الخَلْق الإفْضَالَ الكَثِيرَ، وعَمَّ النَّاسَ بمَعْرُوفه، وبَنَى المَدَارِسَ لأصْحَاب الشّافِعيّ، ووَقَفَ عليهم الوُقُوفَ، وزَادَ في الحِلْمِ والدِّين على مَنْ تقَدَّمَهُ من الوُزَرَاءِ، ولم يَبْلُغْ أحدٌ منهم مَنْزِلَتَهُ في جميع أُمُوره، وعَبَر جَيْحُون فوَقَّع على العَامِل بأنْطَاكِيَة ما يُصْرفُ إلى (a) الملَّاحِيْنَ، ومَلَكَ من الغِلْمانِ الأتْرَاكِ ألُوفًا عدَةً، وكان جُمْهُور العَسَاكِر وشُجْعانهُم وفُتَّاكهُم من مَمَالِيْكِهِ. وتحدَّث أبو مُحَمَّد رِزْقُ اللَّه بن عَبْد الوَهَّاب التَّمِيْميّ، قال: سَألتُه عن السَّبَب في تَعْظِيمه الصُّوْفيَّة، فقال: أتَاني صُوْفيٌّ وأنا أخْدِمُ ابن يَاخُر الأَميْر التُّرْكيّ،فوَعَظَني وقال: اخْدم مَنْ تَنْفَعُك خِدْمَتُهُ، ولا تَشْتَغل بمَنْ تَأكُله الكِلَاب غَدًا، فلَم أَعْرف مَعْنى قَوْله، فاتَّفَقَ أنَّ ابن يَاخُر شَرِب من الغَدِ، واغْتَبَقَ، وكانت له كِلَابٌ كالسِّبَاع تَفْرسُ السِّبَاعَ باللَّيْل، فغَلَبهُ السُّكْرُ وخَرَجَ وَحْدَهُ، فلم تَعْرفه الكِلَاب، فمَزَّقَتْهُ، فعَلمْتُ أنَّ الرَّجُل كُوْشِفَ، فأنا أَطْلُبُ مثَالَهُ (a). أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن عَبْد اللَّه بن رَوَاحَة الحَمَوِيّ بحَلَب، وأبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاوِيّ بالقَاهِرَة، عن الحَافِظ أبي طَاهر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمد الأصْبَهانيّ نَزِيلُ الإسْكَنْدَرِيَّة، قال: سَمِعْتُ صَوَابَ بن عَبْد اللَّه الخَصِيَّ النِّظَامِيَّ ببَغْدَاد يَقُول: قُتِلَ مَوْلاي الوَزِيرُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن إسْحَاق شَهِيْدًا في رَمَضان سَنَة خَمْسٍ وثمانين وأرْبَعمائة، بقُرْب نَهَاوَنْد، وكان آخر كَلَامِهِ أنْ قال: قُلْ للعَسْكَر: لا تَقْتُلوا قَاتِلي فإنِّي قد عَفَوْتُ عنهُ، وتَشَهَّد وماتَ، فَمَضَيْتُ أنا فإذا هو قُتِلَ، ولو قُلْتُ لهم لَمَا قَبِلُوا قَوْلي. أخْبَرَنا الشَّريفُ عَبْد المُطَّلب بن الفَضْل، قال: أخْبرَنا الإمَامُ تاج الإسْلَام أبو سَعْد السَّمْعانيّ، قال: سَمِعْتُ أبا الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر بن مُحَمَّد بن عليَ السَّلَاميّ الحَافِظ يَقُول: اسْتُشْهِدَ أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق الوَزِير وهو مُتَوَجِّهٌ إلى العِرَاق بقَرْيَةٍ يُقالُ لها سَحْنَة، وذلك في شَهْر رَمَضَان سَنَة خَمْسٍ وثَمانيْن وأرْبَعمائة. قُلت: وزُرْتُ قَبْره بأصْبَهَان. وقال أبو سَعْد: قَرأتُ بخَطِّ وَالدِي، ﵀، بالرَّيّ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الفَقِيْه الأجَلّ أبا القاسِم عَبْد اللَّه بن عليَ بن إسْحَاق يَقُول: حَكَى لي بَعْضُ مَنْ رَآهُ -يَعْني أخَاهُ نِظَام المُلْك- في المَنَام، فسَألَهُ عن حَالهِ، فقال: لقد كادَ أنْ يُعْرَضَ عليَّ جَمِيع عَمَلي لولا الحَدِيْدةُ الّتي أُصِبْتُ بها.أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود بن الحُسَين بالقَاهِرَة، قال: أنْبَأنَا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُسْلِم دَاوُد بن مُحَمَّد بن الحَسَن القَزْوِيْنيّ، بقَزْويْن، يَقُول: سَمِعْتُ أبا بَكْر الطَّحَّان الصُّوفيّ بهَمَذَان يَقُول: رَأى الشَّيْخُ أبو عَمْرو عُثْمانُ الكَرْجِيُّ الصَّاحِب أبا عليّ الحَسَن بن عليّ بن إسْحَاق الطُّوْسِيّ الوَزِيرَ في المَنَام، وكأنَّهُ في الجَنَّة، وهو مُتَوَّجٌ بتَاجٍ مُرَصَّع بالجَوَاهِر، قال: فقُلْتُ: بأيّ شيءٍ بلَغْتَ هذه المَنْزِلة؟ فقال: بفَضْلِ اللَّه وَحْدَهُ. أخْبَرَنا عبْد المُطَّلب بن أبي المَعالي، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد، قال: أنْشَدَنا أبو مُضَر طَاهِر بن مَهْدِي الطَّبَريّ إمْلاءً بنَيْسَابُور، قال: وأنْشَدَني أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن الحُسَين الأرْزَنِيّ إمْلاءً من حِفْظه، قال أبو مُضَر: بمَرْو، وقال أبو عَبْد اللَّه: بجَبَل تَرْوَع - قالا: أنْشَدَني شِبْل الدَّوْلة أبو الهَيْجَاء مُقَاتِل بن عَطِيَّة البَكْريّ لنَفْسِه في مَرْثِيَّةِ نِظَام المُلْك (¬١): [من البسيط] كان الوَزيرُ نِظَام المُلْك لُؤلُؤةً … يَتِيْمَةً صَاغَها الرَّحْمنُ مِنْ شَرَفِ عَزَّتْ ولَم تَعْرف الأيَّامُ قِيْمَتَها … فَرَدَّها غِيرةً مِنْهُ إلى الصَّدَفِ