page 3040, entry [1069]Open original source
الحَسَنُ بن عَبْد اللَّه بِن حَمْدانِ بن حَمْدُون بن الحَارِث بن لُقْمَان ابن رَاشِد -وتَمَامُ نَسَبهِ قد مَرَّ في تَرْجَمَةِ أبي فِرَاس (¬١) ابن عَمّه- أبو مُحَمَّد بن أبي الهَيْجَاء التَّغْلِبيّ، الأَمِير ناصِر الدَّوْلَة، صَاحِب المَوْصِل (¬٢) قَدِمَ حلَبَ هو وأوْلَادُه إلى أخيهِ الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عند قَصْد مُعِزّ الدَّولَة ابن بُوَيْه بلادَهُ مُسْتَنْجِدًا به في سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، فأكْرَمهُ سَيْف الدَّوْلَة، وأعْظَم له ولأوْلَاده الأَنْزَال والضِّيَافَهَ، وأجْلَسَهُ على السَّريْر وجَلَسَ دُوْنه إعْظَامًا له، ومَدَّ يَدَهُ ليَنْزَع خُفَّهُ، فأعْطاهُ ناصِر الدَّوْلَة رِجْله ومَكَّنَهُ من ذلك فنَزَعه، وكان ناصِر الدَّوْلَة هو الأكْبَر، فسَلَك معه ما كان يَسْلُكُه أوَّلًا قبل أنْ يَرْتَفع شَأن الأَمِير سَيْف الدَّوْلَة، وشقَّ ذلك على سَيْف الدَّوْلَة في البَاطِن واحْتَمَلَهُ ولَم يُظْهرهُ.قرأتُ في آخر كتاب البَديع في القِرَاءَاتِ لابن خَالَوَيْه، بخَطِّ أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه بن أبي أُسامَة الحَلَبِيّ الأدِيْب: تَمَّ كتاب البَدِيْع، وذلك في شَوَّال سَنَة سَبْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة بحَلَب، أيَّام زَارَ سَيِّدُنا الأَمِيرُ ناصِر الدَّوْلَةِ، سَيِّدَنا الأَمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلَة، أطالَ اللَّهُ بَقَاءَهُما، مع سَائرِ الأُمَرَاءِ أوْلَاده، أدَامَ اللَّهُ عِزَّهُم. وإيَّاهُ -أعْني ناصِر الدَّوْلَة- عَنَى أبو فِرَاس بقَوْله في قَصِيْدَتهِ الرَّائِيَّة الّتي يَفْخرُ فيها بقَوْمِهِ (¬١): [من الطويل] وفِيْنَا لدِيْن اللَّه عِزٌّ ومَنْعَةٌ … ومنَّا (a) لدِيْن اللَّه سَيْفٌ ونَاصِرُ هُما وأَمِيرُ المُؤْمنيْنَ مُشَرِّدٌ … أجَارَاهُ لمَّا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُجَاوِرُ وردَّاهُ حتَّى مَلَّكَاهُ سَرِيْرَهُ … بسَبْعِين ألْفًا (b) بينها المَوْتُ سَافِرُ وسَاسَا أُمُورَ المُسْلميْن سِيَاسَةً … لها اللَّهُ والإِسْلَامُ والدِّيْنُ شَاكِرُ أرادَ بذلك أنَّ ناصر الدَّوْلَة وأخاهُ سَيْف الدَّوْلَة أجَارَا المُتَّقِيّ من البَرِيْدِيِّيْنَ، وكان سَيْفُ الدَّولة بين يَدَي نَاصِر الدّوْلَة وذلك أنَّ المُتَّقِي خَرَجَ هَارِبًا من البَرِيْديِّيْنَ ومعه مُحَمَّدُ بن رَائِق والوَزيِرُ ابن مُقْلَة، فتَلقَّاهُم سَيْفُ الدَّوْلَة بتَكْرِيت، وحَمَل إليهم الأمْوَالَ والكُسَى والدَّوَابّ، وسَارَ بهم إلى أخيهِ ناصِر الدَّوْلَة (¬٢). قال أبو عَبْد اللَّه بن خَالَوَيْه في شَرْح هذه الأبْيَات لأبي فِرَاس: وقد كان يُرْوَى قَديْمًا في خُطْبَةٍ لأَمِير المُؤْمنِيْن صَلَواتُ اللَّه عليه، يعني عليًّا ﵇:كأنِّي بأبْناءِ الخِلَافَة من بني العبَّاسِ على مُتُون الأفْرَاسِ يَسْتَنْجِدُونَ العَرَبَ وسَائِر النَّاس؛ قد غَلَبَهُم عَبِيْدٌ أغْتَامٌ (¬١) غَصَبُوهُم الكَرَامَةَ، فما يُجيْرُهُم أحَدٌ إلَّا هُم. قال: وكان سَيْفُ الدَّوْلَة يَقُول: صَدَق أَمِيرُ المؤمنِيْن واللَّه، لقد اجْتَهَدْتُ بالمُتَّقِيّ وابنهِ أنْ يَرْكَبا العَمَارِيَّات والشَّهَارِيّ (a) علىِ كَثْرة ما قُدْتُ إليهما، فأَبَيا أنْ يُغَيِّرا فَرَسَيْهما أو ثَوْبَيْهما إلى المَوْصِل، فقام أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عَبْد اللَّه بنُصْرَتهِ، فلَقيهُ نَاصِرُ الدَّولة. قال: ولمَّا لَقَّبَ المُتَقِي الحَسَن بن عبْد اللَّه ناصِرَ الدَّوْلَة، قال الشَّاعرُ فيهِ: [من البسيط] مَن كانَ شَرَّفَهُ فيما مَضَى لَقَبٌ … فنَاصِرُ الدِّينِ ممَّن شَرَّفَ اللَّقَبَا دَعَوْكَ نَاصِرَهُمْ لمَّا نصَرْتَهُمُ … وأَعْجَزَ العُجْمَ ما حَاوَلْتَ والعَرَبَا قال ابنُ خَالَوَيْه: قال لي الأَمِيرُ أبو فِرَاسٍ: سَمِعْتُ الأمِيرَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ يَقُول: أنْفَقَ أخي في مُدَّة أحَدَ عَشَر شَهْرًا اثْنَتين وسَبْعِين ألفَ ألفِ دِرْهَمٍ، أكْثَرُها من ذَخَائِره. وقال أبو عَبْدِ اللَّه بن خَالَوَيْه: ولِم يَزَل -يعني ناصِر الدَّوْلَة- مَشْهُورًا بالبَأْس، مَوْصُوفًا بالشَّجَاعَة والإقْدَام، حدَّثني من سَمِعَهُ، قال: كُنْتُ مع أبي صَبِيًّا قد زَحَف إلينا عَمِّي الحُسَين ليستَقْيد من وَقْعَتنا كانت به، فطلَبْتُ من أبي جَوْشَنًا، فمنَعَني لصبَاي، وكان معنا ابنُ خال أبي مُحَمَّد عليّ بن دَاوُد بن وُهْزَاد الكُرْدِيّ، فقال لي: يا أبا مُحَمَّد، حُسَيْن حَمُوكَ، وهو الّذي تَعْرفُ وواللَّه لئن لَم يَرَ قِتَالك لأدْفَعإليكَ ابنتَهُ، فما التقَت الخَيْلَان حتَّى ضَرَبتُ فَارِسًا فيهم، وجئتُ إلى أبي وأَرَيْتُهُ الدَّمَ يَقْطُرُ من كُمِّي. قَرَأتُ في كتاب المَأْثُور في مُلَح الخُدُور، تأليف أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين الوَزِير المَغْرِبيّ، ورَأيتُهُ بخَطِّهِ، قال: ومن وَلد أبي الهَيْجَاءِ أبو مُحَمَّد الحَسَن، وأبو الحَسَن عليّ ناصِر الدَّوْلَة وسَيْفُها رَحمَهُما اللَّه، المُتَجَاذِبَان مُلاءَة المَجْدِ، والجَارِيَان على سَاقَة الكَرَم والفَضْل، وفي مَدْحِهما يقُول أبو العبَّاس أحْمَدُ بن مُحَمَّد الدَّارِمِيِّ النَّامِيّ المِصِّيْصيّ ﵀ (¬١): [من الرجز] بجَبَلَيْ وَائِلٍ ورُكْنَي عِزِّها … وعَارِضَيْ أُفْقِ نداهَا المُنْهَمِلْ تَوَازنَ القِسْمان في المَجْد اعْتَلَى … تَسَاوِيَ العَيْنَيْن في اللَّحْظ اتَّصَلْ يا حَسَنُ بنَ المُحْسِنين دَعْوَةً … للمَجْد تُدْعَاهَا وأُخْرَى للوَهَلْ ويا عليُّ كم دُعَاءٍ بكَ مِن … ثَغْرٍ مَحُوفٍ ورَجَاءٍ مُبْتَهَلْ هذا مَقَامي بين بَحْرَيْن فلا … ثَمْدًا مَنَحْتُ ظَمَئي ولا وَشَلْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَانِ السِّيَر في مَحَاسِن البَدْو والحَضَر (¬٢)، وقَرَأتُه فيه، قال: ناصِرُ الدَّوْلَة أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن أبي الهَيْجَاء عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، لَقَّبهُ المُتَّقِيّ للَّه بهذا اللَّقَب، وهو ثاني من لُقِّبَ في الدَّوْلةِ. ولَقَّبَ أخاهُ أبا الحَسَن سَيْف الدَّوْلَة، ووَلي ناصِر الدَّوْلَةِ إمارَة الأُمَرَاءِ ببَغْدَاد ووَاسِط في سَنَة ثلاثين وثَلاثِمائة، وضَرَبَ دَنَانِيْر سَمَّاها الإبْرِيْزيَّة، وبيْعَ الدُّنْيار منها باثْنَى عَشر دِرْهَمًا، وزوَّجَ ابنَتَهُ عَدَوِيَّة من الأَمِير أبي مَنْصُور ابن المُتَّقِيّ للَّه على صَدَاق تعجَّل منه مائة ألف دِيْنارٍ، وكانت إمارَتهُ ببَغْدَاد ثلاثة عَشَر شهرًا وثلاثة أيَّام.وَجَدْتُ في بعض تَعَالِيْقي أنَّ ناصِر الدَّوْلَةِ الحَسَنَ بن عَبْد اللَّه بن حَمْدَان، سخطَ على كاتبٍ له، وألْزَمَهُ مَنْزِلَهُ، فاسْتُؤْمِر في إسْقَاطِ المُقَرَّر له، فقال: إنَّ المُلُوكَ يُؤَدِّبُونَ بالهِجْرَان ولا يُعَاقِبُونَ بالحِرْمانِ. ووقَّعَ في رُقْعَة صَدِيْق كَتَبَ إليه يَعْتَذرُ من التَّأخُّر عن حَضْرته: أنْتَ في أوْسَع العُذْر عند ثِقَتي بكَ، وفىِ أَضْيَقِه عندَ شَوْقي إليكَ. أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا زَاهِر بن طَاهِر الشَّحَّامِيِّ إذْنًا، عن أبي القَاسِم بن أحْمَد، عن أبي أحْمَد المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن يَحْيَى الصُّوْلِيّ (¬١) إجَازَةً، قال: وكان النَّاسُ يَكْتُبونَ على الدَّنَانِيْر (a): مُحَمَّد رسُول اللَّه، فزادَ ناصِر الدَّوْلَة: صَلَّى اللَّهُ عليهِ، فكانت هذه مَنْقَبَة لآل حَمْدَان ما كانت لغيرهم؛ تفرَّدَ بها ناصِرُ الدَّوْلَة. قال: ورَأيتُ له تَوْقِيعًا على قِصَّة مُتَظَلِّم: قد نَصَبَ اللَّه الحُكَّام، وأنْفَذَ أوامرهُم على الوُلَاةِ كما أنْفَذَها على الرَّعِيَّةِ، ولو كان إلينا تَصْريفهم في الحُكَّام على مُرَادِنا، لكفَفْناهُم عمَّا نَكْره من الأُمُور المُعِيْنَة علينا، لكن لا وِلَايَةَ لنا عليهم إلَّا في الاسْتِبْدَالِ بالمُتَسمِّح منهم، فإنْ أعَادَك إلينا ضَعْفًا لا افْتتَنانًا عضَدْناه بالإمْدَاد، وأغْنَيْنَاهُ عن الاسْتِنْجَادِ. قال مُحَمَّد بن عَبْد الَمَلِك بن الهَمَذَانيّ، في كتاب عُنْوَان السِّيَر (¬٢): ولَم أَيَزَل -يعني ناصِر الدَّوْلَة- مُسْتَوليًا على ديار المَوْصِل وغيرها حتَّى قَبَضَ عليه ابنُهُ أبو تَغْلِبفي سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وكانت إمَارتُه هناك اثنتَيْن وثَلاثين سَنَةً، وتُوفِّيَ يَوْم الجُمُعَة الثَّاني عَشر من شَهْر رَبيع الأوَّل سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة. قَرأتُ بخَطِّ ثَابِت بن سِنَان بن ثَابِت في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ بخَطِّه؛ جَمَعَ فيه وَفَاءات الأعْيَان، قال في ذِكْر مَنْ ماتَ سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وثَلاثِمائة: الأَمِيرُ ناصِرُ الدَّوْلَة أبو مُحَمَّد الحَسَن بن عَبْدِ اللَّه بن حَمْدَان، ماتَ وهو مُعْتَقَلٌ في القَلْعَة؛ اعْتَقَلَهُ ابنُهُ أبو تَغْلِب فيها، بذَرَبٍ عَرَضَ له بعَقب قُوْلَنْج، وكانت وَفاتُهُ يَوْم الجُمُعَةِ لاثْنتي عَشْرة لَيْلَة خَلَتْ من شَهْر رَبيع الأوَّل، وقد تجاوزَ في السِّنِّ ثَمانين سَنَةً.