Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه البُرْسُقِيّ

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 2427, entry [878]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

Open narrator profile: آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه البُرْسُقِيّ
page 2427, entry [878]Open original source
آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه البُرْسُقِيّ (¬١) وقيل: اسْمُه سُنْقُر، وكان مَمْلُوكَ الأَمِير بُرْسُق مَمْلُوك السُّلْطان [مُحَمَّد بن مَلِكشَاه] (a)، فترَقَّت بهِ الحالُ إلى أنْ وَلَّاهُ السُّلْطان مَحْمُود بن مُحَمَّد (b) المَوْصِلَ ووَلَّاهُ شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد، وتَقْدمة عَسْكَرها في أيَّام المُسْتَرْشِد، ثمّ عُزل عن شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد في سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة فوصَل إلى المَوْصِل، واسْتَدعَاهُ الحَلَبِيُّونَ إلى حَلَب -وقد حصَرَهم الفِرِنْج وضاق بهم الأمْر- فوصَل إليهم في سَنة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، ورَحل الفِرِنْج عنها، ومَلَك حَلَب، وأحْسَن إلى أهْلها، وعَدَل فيهم، وأزال المُكُوس والمَظَالِم، ووَقَعَ إليَّ فُسْخَة التَّوْقِيع الّذي كتَبَهُ لأهْل حَلَب بإزالة المُكُوس والضَّرَائِب، وتَعْفيَة آثار الظُّلْم والجوْر. وكان (c) ﵀، على ما يُحْكَى، حَسَنَ الأحْوَال، كَثِيْرَ الخَبْر، جَمِيلَالنِّيَّة، كَثِيْرَ الصَّلاة والتَّهَجُّدِ والعِبَادَة والصَّوْم، وكان لا يَسْتَعين في وُضُوءه بأحدٍ، وقُتِلَ ﵀ شَهِيْدًا وهو صَائمٌ. وكان من حديثه في مُلْك حَلَب واسْتيلائهِ عليها: أنَّ بَلَك بن بَهْرَام بن أُرْتُق لمَّا قُتِلَ بمَنْبِج مَلَك ابن عمّه تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي بن أُرْتُق نَفْسه، فباع تَمُرْتاش بَغْدوين مَلِك الفِرِنْج وكان أسِيْرًا في يد بَلَك، فباعَهُ نَفْسه، وهَادَنَهُ وأطْلقَه، ومات شَمْسُ الدَّولَة ابن إيلْغَازِي صاحبُ مَارِدِين، فتوجَّه تَمُرْتاش إليها واشْتَغَل بمُلك مَارِدِين وبلَادِ أخيهِ (a)، فلمَّا عَلِم بَغْدوين بذلك غَدَر بالهُدْنَة، واتَّفق هو ودُبَيْسُ بن صَدَقَة، وإبْراهيمُ ابن المَلِك رِضْوَان بن تُتُش على أنْ نازلُوا حَلَب، واتَّفَقُوا على أنْ تكون البِلاد للمُسْلِمينِ وأنَّ حَلَب لإبْراهيِمَ ابن المَلِك رِضْوَان لأنَّها كانتَ لأبيهِ، وأنْ تكُون الأمْوَال للفِرِنْج، وطال حصَار حَلَب وأشْرَفَتْ على الاسْتِيْلَاءَ عَليها، وبلغَ بهم الضُّرّ إلى حالهَ عَظِيِمَة حَتَّى أكلوا المَيْتَات والجِيَف، ووقَع فيهم المَرَضُ، فحَكَى لي وَالدِي أَنَّهم كانُوا في وقت الحِصَار مُطَرَّحِين من المَرَض في أزقَّة البلد، فإذا زحفَ الفِرِنْج، وضُرِبَ بُوق الفَزع قامُوا كأنَّما أُنْشِطُوا من عِقَال، وقاتَلُوا حتَّى يردُّوا الفِرِنْج، ثمّ يعُود كُلّ واحدٍ من المَرْضى إلى فرَاشِهِ، وما زالوا في هذه الشِّدَّةِ إلى أنْ أعانهُم اللَّه بقَسِمِ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيَّ، فأخْلَص النِّيَّةَ للَّه في نُصْرتهم، ووصَل إلى حَلَب في ذِي الحَجَّة من سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، وأغاثَ أهْلها، ورحَّل العَدُوّ عنها، وكانت رَغبات المُلُوك فيها إذ ذاك قليلة، لمُجَاوَرَة الفِرِنْج لها وخَرَابِ بلَدها وقلَّةِ رَيْعِهِ، واحْتَياجِ مَنْ يكُون مُسْتوليًا عليها إلى الخَزَائن والأمْوَال والنَّفَقَة في الجُنْد. فأخْبَرَني والِدي أبو الحَسَن أحْمَدُ وعَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد، وحَدِيثُ أحدهما رُبَّما يَزِيدعلى الآخر، قالا (¬١): سَمِعْنا جَدّك -يَعْنيان أباهما أبا الفَضْل هِبَة اللَّه- يقُول: لمَّا اشْتَدَّ الحِصَارُ على حَلَب، وقلَّتِ الأقْوَاتُ بها، وضاق الأمْرُ بهم، اتَّفَق رأيُهم على أنْ يُسَيِّرُوا: أَبِي؛ القَاضِي (a) أبا غَانِم قاضي حَلَب، والشَّريف زُهْرة، وابن الجِلِّيّ، إلى حُسام الدِّين تَمُرْتاش إلى مَارِدِين وكان هو المُستَولي [على] (b) حَلَب، وهي في أيْدي نوَّابهِ، وقد تَركها ومَضَى إلى مَارِدِين، واشْتَغَل بمُلْك تلك البِلاد عن حَلَب. قال: فاتَّفَقُوا على ذلك، وأخْرَجُوا أبي والشَّريف وابن الجِلِّيّ ليلًا من البَلَد، فلمَّا أصْبَح الصَّبَاحُ، صَاح الفِرِنْج إلى أهْل البلَدِ: أين قاضِيكم وأينَ شَرِيفُكُم؟ قال: فانْقَطَعت ظُهُورُنا وتشوَّشَت قُلُوبُنا، وأيقنَّا بأنَّهم ظَفرِوا بهم، فوصَلَنا منهم كتابٌ يُخْبر أنَّهم قد وصَلُوا إلى مكانٍ أُمِنَ عليهم بالوُصُول، فطابت قُلُوب أهل حَلَب لذلك. قال عَمَّي ووَالدي: فسَمِعْنا والدنا يَقُول: سَمِعْتُ أبِي أبا غَانِم يَقُول (c): لمَّا وصَلنا إلى مَارِدِين، ودخَلنا على حُسام الدِّين تَمُرْتاش، وذَكَرنا له ما حَلَّ بأهْلِ حَلَب وما هُم فيه من ضِيْقِ الحِصَار والصَّبْر، وَعَدَنا بالنَّصْرِ، وأنَّهُ يتوجَّه إليها ويُرَحِّل الفِرِنْجَ عنها، وأنْزَلنا في مكانٍ بمَارِدِين، وجعلْنا نُطالبُه بما وَعَد وهو يُدَافعُنا من يَوْمٍ إلى يَوْم، وكان آخرُ كلامه أنْ قال (b): خَلُّوهم إذا أخَذُوا حَلَب عُدْتُ وأخَذْتُها، فقُلْنا في أنفُسنا: ما هذا إلَّا فُرْصَة، وقُلْنا له: لا تَفْعل ولا تُسْلِم المُسْلمِيْن إلى عَدُوّ الدِّين! فقال: وكيف أقْدرُ على لقائهم في هذا الوَقْت؟ فقال له القَاضِي أبو غانم: وأيْشٍ هُم حتَّى لا تَقْدر عليهم؟ ونحنُ أهْلُ البَلَدِ إذا وصَلْتَ إلينا نَكْفيكَ أمْرَهُم. قال القَاضِي أبو الفَضْل: فكتبتُ كتَابًا من حَلَب إلى والدي أبي غَانِم أُخبرُه فيه بما حَلَّ بأهل حَلَب من الضُّرّ، وأنَّهُ قد آل الأمرُ بهم إلى أكل القِطَاطوالكِلَاب والمَيْتة، فوقَع الكتابُ في يد تَمُرْتاش، وشَقّ عليه، وغَضِب، وقال: انظُروا إلى جَلَدِ هؤلاءِ الفَعَلَة الصَّنَعَة، قد بلغَ بهم الأمْر إلى هذه الحالة، وهم يَكْتُمون ذلك ويتجَلَّدُون ويُغرونني ويقُولونَ: إذا وصلْتَ إلينا نَكْفك أمْرهم!. قال القَاضِي أبو غَانِم: فأمرَ تَمُرْتاش بأنْ يُوكَّلَ علينا، فوُكِّل بنا مَنْ يَحْفظنا خَوْفًا أنْ نَنْفَصل عنه إلى غيره، فأعْمَلْنا الحِيْلَة في الهَرَب إِلى المَوْصِل، وأنْ نَمْضي إلى البُرْسُقِيّ ونَسْتَصْرخُ به ونَسْتَنْجدُه، فتحَدَّثنا مع مَن يُهَرِّبُنا، وكان للمَنْزِل الّذي كنَّا فيه بابٌ يَصرُّ صَرِيرًا عَظيْمًا إذا فُتحَ أو أُغْلق، فأمَرنا بعض أصْحَابنا أنْ يَطْرح في صَائر الباب زيْتًا ويُعالجه لنَفْتَحه عند الحاجَة ولا يَعْلمُ الجَمَاعَةُ المُوَكَّلُون بنا إذا فَتَحناهُ بما نحن فيهِ، ووَاعَدْنا الغِلْمَانَ إذا جَنَّ اللَّيْل أنْ يَسْرجُوا الدَّوَابّ ويأتُونا بها، ونَخْرُجُ خفْيَةً في جَوْف اللَّيْل ونَرْكَب ونَمضِي. قال: وكان الزَّمانُ شتاءً، والثَّلْجُ كَثِيْرٌ على الأرْض. قال القَاضِي أبو غَانِم: فلمَّا نام المُوَكَّلُون بنا، جاءَ الغِلمَانُ بأسْرهم إلَّا غُلَامي يَاقُوت، وأخْبَر غِلْمَانَ رفاقي أنْ قَيد الدَّابَّةِ تعَسَّر عليه فَتْحه وامْتَنع كَسْره، فضَاقت صُدُورنا لذلك، وقلتُ لأصْحَابي: قُومُوا أنتُم وانْتَهزوا الفُرْصَة ولا تَنْتَظروني، فقامُوا وركِبُوا والدَّلِيْل معهم يدُلّهم على الطَّريق، ولَم يعْلَم المُوكَّلُون بنا بشيءٍ ممَّا نحنُ فيه، وبَقيْتُ وَحْدِي من بينهم مُفَكِّرًا لا يأخُذني نوْمٌ حتَّى كان وقتُ السَّحَرِ فجاءني يَاقُوتُ غُلَامِي (a) بالدَّابَّةِ، وقال: السَّاعَةَ انْكَسَر القَيْد، قال: فقُمْتُ وركبتُ لا أعْرفُ الطَّريقَ، ومَشيْتُ في الثَّلْج أطلبُ (b) الجِهَة الّتي أقْصدها. قال: فما طَلع الصُّبْح إلَّا وأنا وأصْحَابي الّذين سَبَقُوني في مكانٍ واحدٍ وقد سَارُوا من أوَّل اللَّيْل وسِرْتُ من آخره، وكانُوا قد ضَلُّوا عن الطَّريق، فنَزلناجَمِيعًا، وصَلَّينا الصُّبْحَ، وركبْنَا، وحَثَثْنَا دَوَابَّنا، وأعمَلْنا السَّير حتَّى وصَلْنا المَوْصِل، فوجَدْنا البُرْسُقيِّ مَرِيْضًا قد أشْفَى (a)، وهو يُسْقَى أمْرَاقَ الفَراريْج المَدْقُوقة، فأُعْلِم بمَجِيْئنا، فأَذِنَ لنا، فدَخَلْنا عليه، ووجَدْناهُ مَرِيْضًا مُدْنِفًا، فشَكَونا إليه وطَلَبْنا منه أنْ يُغِيْث المُسْلمِيْن، وذَكَرنا له ما حَلَّ بهم من الحِصَار والضِّيْق وقِلَّة الأقْوَات، وما آلَ إليه أمْرُهُم، فقال: كيف لي (b) بالوُصُول إلى ذلك، وأنا على ما تَرَون؟ فقُلْنا له: يَجْعَل المَوْلى في نِيَّته وعَزْمه إنْ خلَّصَهُ اللَّه من هذا المَرَض أنْ ينْصُر المُسْلمِيْن، فقال: إيْ واللَّه، ثمَّ رفَع رأسَهُ إلى السَّماءِ وقال: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهدُكَ على أنَّني إِنْ عُوْفيتُ من مَرَضي هذا لأنصُرَنَّهُم، قال: فما اسْتَتمَّ ثلاثة أيَّام حتَّى فارَقَتهُ الحُمَّى واغْتَذى (c)، ونادَى في عَسْكَره للغَزَاة (d)، وبرَّز خَيْمَتَهُ، وخرَجَتْ عَسَاكِرُه وعَملوا أشْغْالَهم، وتوجَّه بهم حتَّى أتى حَلَب، فلمَّا قارَبها، وأشْرَفتْ عَسَاكِرُه من المرتّب رَحَل الفِرِنْجُ، ونزلوا على جَبَل جَوْشَن وتأخَّروا عن المَدِينَة، وسَاق إلى أنْ قارب المَدِينَة وخَرَجِ أهْلها إلى لقائهِ، فقَصَد نحو الفِرِنْج وأهلُ البَلَد مع عَسْكَره، فانْهَزَم الفِرِنْجُ بين يَديه، وهو يَسِيْرُ وراءهم على مَهْل حتَّى أبْعَدُوا عن البَلَد، فأرْسَل الشَّاليْشِيَّة وأمرَهُم بردِّ العَسْكَر. قال: فجعَل القَاضِي أبو الفَضْل بن الخَشَّاب يقول له: يا مَوْلَانا، لو ساقَ المَوْلَى خلفَهُم أخَذْناهُم بأسْرهم فإنَّهم مُنْهَزمُونَ، قال: فقال له: يا قاضي، كُن عَاقِلًا، أتَعْلم أنَّ في بلدكم ما يقُوم بكم وبعَسْكَري لو قُدِّرَ -والعِيَاذُ باللَّه- علينا كَسْرةٌ من العَدُوّ؟ فقال: لا، فقال: فما يُؤْمننا أنْ يكْسِرُونا ونَدْخل البَلَد ويَقْوَوا علينا فلا نَنْفَع أنْفُسَنا!؟ واللَّهُ تعالَى قد دَفعَ شرَّهُم فنَرجعُ (e) إلى البَلَد ونُقَوّيه، ونُرتِّب أحْوَاله وبعد ذلك نَسْتَعدَّ لهم ويكون ما يُقدِّره اللَّه تعالى ونَرْجو إنْ شَاء اللَّهُ أَنَّنانَلْقاهم ونَكْسِرهم، قال: ورجَع ودَخَل البَلَد ورَتَّب الأحْوَال وجلبَ إليهِ الغلَالَ وأمن النَّاس واسْتَقَرُّوا. قال: وكان ذلك في آذَار، فجعَل النَّاس يأخُذُون الحِنْطَة والشَّعِير ويَبُلُّونها بالماءِ ويَزْرَعُونها، فاسْتَغَلَّ النَّاسُ في تلك السَّنَة مُغلًا صَالِحًا. هذا مَعْنى ما حَدَّثَني به وَالدِي وعَمِّي. ونَقَلْتُ من خَطِّ عَبْد المُنْعِم بن الحَسَن بن اللُّعَيْبَة الحَلَبِيّ: دَخَلت سَنَة تِسْعَ عَشْرةَ وخَمْسِمائَة، ووَصَلَت العَسَاكِر من الشَّرْق، ومُقدَّمها آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، وكان الإفْرَنْج نزلوا على حَلَب في شَهْر رَمَضَان سَنَة ثَماني عَشرةَ وخَمْسِمائَة، وحَاصَرُوها، وضَيَّقُوا على أهلها، ومَضَى القَاضِي ابنُ العَدِيْم والأشْرَاف، وقَوْمٌ من مُقَدَّمِي أهْلها مُسْتَصْرِخينَ لأنَّهُ ما كان بقي من أخْذها شيء، فوصَل البُرْسُقِيُّ معهم في مُحَرَّم سَنَة تِسْعِ عَشْرة وخَمْسِمائَة، ونَزَل بَالِس. وكانت رُسُلهُ مُذْ وصَل الرَّحْبَةَ مُتَوَاترةٌ إلى حِمْص ودِمَشْق يَسْتَدعي مالكها، وسَار الأَميرُ صَمْصَامُ الدِّين عن حِمْص في أوَّل رَبيع الأوَّل، فلقي الأَمِير قَسِيم الدَّوْلةَ البُرْسُقِيّ بتَلِّ السُّلْطان (a) بعد انفصالِهِ عن حَلَب، وانْهزام الإفْرَنْجُ عنها، وكان سَرَى إليهم من بَالِس، ووَصَل إلى حَلَب، وخَرَج أهْلُ حَلَب ونَهَبُوا من خِيَامِ الإفْرَنْج مِقْدَار المائة خَيْمَة من على جَبَل جَوْشَن، وما بقي من هَلَاكهم شيء، لكنَّ اللَّه أَمْسَكَ أيْدِي التُّرْك عنهم بمَشِيئته. قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن الحُصَيْن في تَارِيْخهِ في حَوَادِث سَنَة ثَماني عَشرة وخَمْسمائة (b): وفي ثاني عَشْرِيّ ذي حجَّتها دَخَل البُرْسُقِيّ إلى حَلَب، وفي غَده رحَل الفِرنْجُ عن حَلَب.قُلتُ: وبعد أنْ أقام البُرْسُقِيّ بحَلَب، ورَتَّب أحْوَالها، تَرَك ولدَهُ بها، وعادَ إلى المَوْصِل فقَتَلهُ الإسْمَاعِيْليَّةُ بها على ما نَذْكُره. قال لي شَيْخُنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (¬١): كان آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ خَيِّرًا، عَادِلًا، لَيِّنَ الأخْلَاق، حَسَنَ العِشْرة مع أصْحَابهِ. قال لي (¬٢): أخْبَرَني أبي مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم، قال: حَكَى بعض الغِلْمَان الّذين كانوا يَخْدمُون البُرْسقِيّ، قال: كان يُصَلِّي البُرْسُقِيّ كُلَّ لَيْلَةٍ صلاةً كَثِيْرةً، وكان يتوضَّأ هو بنَفْسه ولا يَسْتَعِين بأحدٍ. قال: فرأيتُهُ في بعض ليالي الشِّتَاءَ بالمَوْصِل وقد قام من فراشه، وعليه فَرجيَّة وَبَرٍ صَغيرةٌ، وبيدِه إبْرِيْق نُحاسٍ، وقد قَصَدَ دِجْلَةَ ليأخُذَ ماءً يتوضَّأ بهِ، قال: فلمَّا رأيتُهُ قُمْتُ إليه لآخُذَ الإبْرِيْق من يده، فمنعَني، وقال: يا مِسْكِين، ارْجع إلى مكانك فإنَّهُ بَرْدٌ، فاجْتَهَدْتُ به لأخْذِ الإبْرِيْق من يده، فلم يَفْعل، ولَم يزل حتَّى ردَّني إلى مكاني ثمّ توضَّأ ووَقَفَ يُصَلِّي. قال: وذَكَر لي من أحْوَاله الحَسَنةِ أشْيَاءَ يَطُول ذِكْرُها. سَمِعْتُ شَيْخَنا الصَّاحِبَ قاضِى القُضَاة بَهَاءَ الدِّين أبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، يقُول: كان البُرْسُقِيّ دَيِّنًا عَادِلًا. قال: وممَّا يُؤْثَر عنهُ أنَّهُ قال يَوْمًا لقاضي المَوْصِل -أظُنُّه المُرْتَضَى بن الشَّهْرَزُورِيّ-: أُرِيْدُ أنْ تسُاوِي بين الرَّفِيعْ والوَضِيعْ في مَجْلِس الحُكْم، وأنْ لا يَخْتَصّ أُولُو الهَيْئات والمَرَاتِب بزيادةِ احْترام في مَجْلِس الحُكْم، فقال له القَاضِي: وكيفَ لي بذلك؟ فقال: ما لهذا طَرِيقٌ إلَّا أنْ تَرْتادَ خَصْمًا يُخَاصمُني في قَضِيَّةٍ ويَدْعُوني إلى مَجْلِس الحُكْم، وأحْضُر إليك وتَلْتَزم معي ما تَلْتزمُه مع خَصْمِي، وسَوْف أُرْسِل إليك خَصْمًا لا تَشُكّ في أنَّهُ خَصْمٌ لي، ويدَّعي عليَّبدَعْوَى، فادْعُني حينئذٍ إلى مَجْلِس الحُكْم لأحْضُر إليكَ. وجاءَ إلى زَوْجَتِه الخَاتُون ابْنَة السُّلْطان مَحْمُود -فيما أظُنّ- وقال لها: وَكِّلِي وَكِيْلًا يُطالبُني بصَدَاقك، فوَّكَلَتْ وَكِيلًا، ومَضَى الوَكِيل إلى مَجْلِس الحُكْم، وقال: لي خُصُومَةٌ مع قَسِيم الدَّوْلَة البُرْسُقِيّ وأطْلبُ حُضُورَهُ إلى مَجْلِس الحُكْم، فسَيَّر القَاضِي إليهِ ودَعَاهُ، فأجابَ، وحَضَر مَجْلِسَ الحُكْم، فلم يَقُم له القَاضِي، وسَاوَى بينَهُ وبين خَصْمِه في تَرْك القيام والاحْترَام، وادَّعَى عليه الوَكِيلُ وأثْبَتَ الوَكَالة، واعْتَرَفَ البُرْسُقِيّ بالصَّدَاق، فأمَرَهُ القَاضِي بدَفْعه إليه فأخَذَهُ، وقام إلى خِزَانته ودفَع إليه الصَّدَاقَ. ثمّ إنَّهُ أمَرَ القَاضِي أنْ يتَّخذ مِسْمَارًا على باب دَاره يُخْتم عليه بشَمْعَة، وعلى المِسْمَار مَنْقُوش: أجِبْ دَاعِيَ اللَّه، وأنَّه من كان له خَصْم حَضَر، وخَتَم بشَمْعَة على ذلك المِسْمَار ويَمْضي بالشَّمْعَة المَخْتُومة إلى خَصْمه كائنًا مَنْ كان، ولا يَجْسُر أحَدٌ على التَّخَلُّف عن مَجْلِس الحُكْمِ. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ: وسُنْقُر البُرْسُقِيّ وَلي العِرَاق سنين، وبَلَغ مَبْلَغًا عَظيْمًا، ثمّ وَلي ديار مُضَر ودَارُ مُلكْهِ المَوْصِل، ثمّ حَلَب، وكَثِيْرًا من مُدن الشَّام، وجَاهَد الإفْرَنْج، ثمّ قَتَلَهُ بعض المَلَاحِدَة، لَعَنَهُم اللَّهُ، وكان سَيْفًا عليهم، قلَّما يُرى في جَيْشه مثْله، ﵀ ورَضِي عنه. رَأيتُه بالعِرَاق في حال ولَايته وبالشَّام قبل أنْ وليها. قال لي عِزّ الدِّين أبو الحَسَن بن الأَثِيْر (¬١): في سَنَة عشرين وخَمْسِمائَة قُتِل آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيُّ بالجامع العَتِيق (a) بالمَوْصِل بعد الصَّلاةِ يَوْمَ الجُمُعَة؛ قَتَلَهُ بَاطِنِيَّةٌ، وكان رَأى تلك اللَّيْلة في مَنامِهِ أنَّ عدَّةً من الكِلَاب ثَارُوا به، فقَتَل بَعْضَها، ونالَمنهُ الباقُونَ أذًى شَدِيْدًا، فقَصَّ رُؤياه على أصْحَابه، فأشَاروا عليه بتَرك الخُرُوج من دَاره عدَّة أيَّامٍ، فقال: لا أترك الجُمُعَةَ لشيءٍ أبدًا، وكان يَشْهَدُها في الجَامِع مع العَامَّةِ، فحضَر الجَامعَ على عَادَتِه، فثَار به من البَاطِنِيَّة ما يَزِيدُ على عَشَرةِ أنْفُسٍ، فقَتَل بيدِه منهم ثلاثةً، وقُتِلَ ﵀. قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَوَارِس حَمْدَانَ بن عبد الرَّحيم في تَارِيْخهِ الّذي جَمَعَهُ (¬١)، ووَقَعَ إليَّ منه أوْرَاق نَقَلْتُ منها في حَوَادِث سَنَة عشْرين وخَمْسِمائَة: أنَّ البُرْسُقِيّ سَلَّم حَلَبَ وتَدْبِيرها إلى وَلدِه الأَمِير عِزّ الدِّين مَسْعُود فدَخَلَ حَلَب، وأجْمَل السِّيْرَة وتحلَّى (a) بفعل الخَيْر، وسار أبوه إلى المَوْصِل والجَزِيرَتَيْن، وما هو جَارٍ في مَمْلكته حتَّى دخَل شَهْرُ ذي القَعْدَة من السَّنَة، فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة تَاسِع الشَّهْر قصَد الجامِعَ بالمَوْصِل ليُصَلِّي جَمَاعَةً، ويَسْمَع الخاطب كما جَرَت عادتُهُ في أكْثر الجُمَع، فدَخَل الجامعِ وقصَد المِنْبَر، فلمَّا قَرُبَ منه، وَثَبَ عليه ثَمانيةُ نَفَرٍ في زيّ الزُّهَّادِ فاخْتَرَطُوا خَنَاجِرَ وقَصَدُوه، وسَبَقوا (b) الحَفَظَةَ الّذين حولَهُ فضَرَبُوه حتَّى أثْخَنُوه، وجَرَحُوا قَوْمًا من حَفَظَته، وقَتَل الحَفَظَةُ منهم قَوْمًا، وقَبَضُوا قَوْمًا، وحُمِلَ البُرْسُقِيّ بآخر رَمَقِهِ إلى بَيْتِهِ، وهَرَب كُلُّ مَنْ في الجَامِع، وبطَلَتْ صَلَاةُ الجُمُعَةِ، ومات الرَّجُلُ من يَوْمهِ، وقَتَل أصْحَابُهُ مَن بَقي في أيْديهم من البَاطِنِيَّة، ولم يُفْلِت منهم سوى شَابٌّ كان من كَفَر نَاصِح (¬٢)؛ ضَيْعَة من عَمَل عَزَاز من شَمالي حَلَب.قال حَمْدَان، فيما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: وحَدَّثَني رَجُلٌ منها أنَّهُ كان له والدةٌ عَجُوزُ لمَّا سَمِعَتْ بفَتْكَةِ البُرْسُقِيّ، وكانت تَعْرف أنَّ وَلدَهَا من جُمْلَة مَنْ نُدِبَ لقَتْلِهِ، فرحتْ واكْتَحَلَتْ، وجَلَسَتْ مَسْرُورةً كأنَّهُ عندها يَوْمُ عِيْدٍ، وبعد أيَّام وصَلَها سَالِمًا، فأحْزَنَها ذلك، وقامَتْ جزَّتْ شَعْرَها وسَوَّدَتْ وَجْهَها.
Parsing and provenance details
Local passage ID
237764
Book record
shamela-1160
Source record
135074
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه البُرْسُقِيّ — shamela-1160 · Hadith Research Library