page 2415, entry [877]Open original source
آقْ سُنْقُر بن عَبْد اللَّه، المَعْرُوف بقَسِيم الدَّوْلَة (¬٢) مَمْلُوك السُّلْطان أبي الفَتْح مَلِك شَاه، وقيل إنَّهُ لَصِيقٌ له، وقيل اسْمُ أبيهِإل تُرْغَان (¬١)، من قَبِيلَة سَاب يُو. نَقَلتُ ذلك من خَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيميّ (¬٢)، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنهُ. وتزوَّج آقْ سُنْقُر دَايَةَ السُّلْطان إِدْرِيس بن طُغان شَاه، وحَظِي عند السُّلْطانِ مَلِك شَاه، وقَدِمَ معَهُ حَلَب في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعمائة حين قَصَد تاج الدَّوْلَة تُتُش أخاه، فانْهَزَم عن حَلَب، وكان قَصَدها ومَلكهَا السُّلْطان مَلِك شَاه في شَهْر رَمَضَان من سَنَة تْسِعٍ وسَبْعِين، وخرج عنها إلى أنْطَاكِيَة وملكها، وخيَّم على ساحل البَحْر أيَّامًا، وعاد إلى حَلَب، وعيَّدَ بها عِيْد الفِطْر، ورَحَلَ عنها، وقرَّر وِلَايَة حَلَبَ لقَسِيم الدَّولَةِ آقْ سُنْقُر في أوَّل سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن فيها السِّيَاسَةَ والسِّيْرَةَ، وأقام الهَيْبَةَ، وجَمعَ الدُّعَّارَ، وأفْنَى قُطَّاعَ الطَّريق، ومُخِيْفي السُّبُل (a)، وتتبَّع اللُّصُوص والحَراميَّة في كُلِّ مَوضعٍ، فاسْتَأصَل شَأْفَتَهُم، وكتَبَ إلى الأطْرَاف أنْ يفعلُوا مثْل فِعْله لتأمن الطُّرُق وتُسْلك السُّبُل، فشُكِرَ بذلك الفِعْل وأمنَت الطُّرُق والمَسَالك، وسارَ النَّاس في كُلِّ وَجْهٍ (b) بعد امْتِناعهم لخَوْفهم من القُطَّاع والأشْرَار، وعَمِرت حَلَبُ في أيَّامِهِ بسَبَب ذلك بورُودِ التّجَّار إليها والجَلَّابين من جميع الجِهَاتِ، ورغبَ النَّاسُ في المقام بها للعَدْل الّذي أظْهَره فيهم، ﵀. وفي أيَّامه جَدَّد عِمارَة مَنَارَة حَلَب بالجامع في سَنَة اثنتَيْن وثَمانين وأرْبَعِمائة، واسْمُه مَنْقُوشٌ عليها إلى اليَوْم (¬٣). وهو الّذي أمرَ ببناء مَشْهَد قَرَنْبِيَّا، ووَقَف عليهالوَقْف وأمر بتَجْدِيد مَشْهَد الدَّكَّة. أخْبَرَني عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن الأَثِيْر الجَزَرِيّ، قال (¬١): كان قَسِيمُ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر أحْسَنَ الأُمَرَاءَ سِيَاسَةً لرعيَّتهِ، وحِفْظًا لهم، وكانت بلادُه بين عَدْلٍ عامٍّ، ورُخْصٍ شَاملٍ (a)، وأمنٍ وَاسعٍ، وكان قد شَرَط على أهْل كُلّ قَرْيَة في (b) بلادِهِ متى أُخذ عند أحدِهم (c) قَفْل، أو أحَدٌ من النَّاس، غرَّمَ أهلها جميع ما يُؤخَذُ من الأمْوَالِ من قليل وكَثِيْر، فكانت السَّيَّارة، إذا بلَغُوا قَرْيَةً من بلادهِ، ألْقَوا رحَالَهُم ونَامُوا، وقام أهْلِ القَرْيَة يَحْرسُونَهُم إلى أنْ يَرْحَلُوا (d)، فأمِنَت الطُّرُق، وتحدَّث الرُّكبَانُ بحُسْن سِيْرتهِ. سَمِعْتُ وَالدِي القَاضِي أبا الحَسَن، ﵀، يقُول لي فيما يَأْثِرهُ عن أسْلَافه: إنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر كان قد نادَى في بَلَد حَلَب بأنْ لا يَرْفعَ أحدٌ مَتاعه ولا يحفظُه في طَريق، لِمَا حَصَل من الأمن في بلادِهِ. قال (¬٢): فخرَجَ يَوْمًا يصيَّدُ، فَمرَّ على قَرْيَةٍ من قُرَى حَلَب، فوجَد بعض الفَلَّاحِين قد فَرغ من عَمَل الفَدَّان وطَرح عن البَقَر النِّيْرِ ورَفعَهُ على دَابَّةٍ ليحْملَهُ إلى القَرْيَة، فقال له: ألَم تَسْمَع مُناداة قَسِيم الدَّوْلَة بأنْ لا يرْفع أحدٌ مَتاعًا ولا شَيئًا من مَوِضِعه؟ فقال له: حَفِظَ اللَّهُ قَسِيمَ الدَّوْلَة؛ قد أمِنَّا في أيَّامِهِ، وما نَرْفع هذه الآلَة خَوْفًا عليها أنْ تُسْرق، لكن هنا دَابَّةٌ يقال لها ابنُ آوَى تأَتي إلى هذا النِّيْر فتأكُل الجِلْدَ الّذي عليه، فنحنُ نَحْفَظه منها، ونَرْفعُه لذلك. قال: فعاد قَسِيمُ الدَّوْلَة من الصَّيْد، وأمر الصَّيَّادين (a) فتَتَّبَعُوا بناتِ آوَى فيبَلَد حَلَب فصَادُوها حتَّى أفنوها من بَلَد حَلَب. قُلتُ: وهي إلى الآن لا يُوجَد في بَلَد حَلَب منها شيء إلَّا في النَّادر دون غيرها من البِلَادِ. قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السّيَر، تأليف مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (¬١)، قال: وأقْطَع السُّلْطانُ حَلَبَ وقَلْعَتَها مَمْلُوكه آقْ سُنْقُر، ولقَّبَهُ قَسِيم الدَّوْلَة، وذلك في سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فأحْسَن السِّيْرَة، وظَهَرَ منه عَدْل لم يُعْرَف بمثله، واسْتَغَلَّها في كُلِّ يَوْم ألف وخَمْسِمائَة دِيْنار، ولم يزل بها حتَّى قتلَهُ تاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان (a) في سَنَهَ سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة. قُلتُ: وكان تاج الدَّوْلَة تُتُش قتلَهُ صَبْرًا بينَ يَدَيْهِ بسَبْعِين؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب من نُقْرَة بَني أَسَدٍ على نَهْر الذَّهَب، وقيل: بكَارِس إلى جَنْبها (b) ؛ وذلك أنَّ تُتُش كان قد حَصَل في نَفْسه شيءٌ من قَسِيم الدَّوْلَة، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة يَسْتَصْغرُ (c) أمرَ تُتُش، حتَّى أنَّني قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليِّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ: سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وفيها نَزَل تاجُ الدَّوْلَة إلى السُّلْطان، يعني نَزَل تُتُش إلى مَلِكشاه، فلمَّا رآه تَرَجَّل له، وكان في الصَّيْدِ، خِيْفَة أنْ يتَخيَّل منه، وحَضَر هو وقَسِيمُ الدَّوْلَة في حَضْرته، فقال تاجُ الدَّوْلَة تُتُش: كان من الأمْر كَذَا وكذا، فقال له قَسِيم الدَّوْلَة: تَكْذب، فقال له السُّلْطان: تَقُول لأخي كَذَا! قال: نعم، يُطْلِعُ اللَّهُ في عَيْنَيهِ ما يُريدُه لكَ، ويُطْلِعُ في عَيْنيَّ ما أُرِيْدُه لك. قُلتُ: وعاد تُتُش من خِدْمَةِ أخيهِ (d) إلى دِمَشْق، فلمَّا تُوفِّي السُّلْطانمَلِكْشاه برز تاج الدَّوْلَة تُتُش في شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وثَمانين، وخَرَج معهُ خَلْقٌ من العَرَب، ولَقِيَهُ عَسْكَرُ أنْطَاكِيَة بالقُرْبِ من حَمَاة مع يَغِي سغَان (a)، وسار تاجُ الدَّولَة، وقَطَع العَاصِي في شَهْر رَبيع الآخر من السَّنَة (b)، ورَعى عَسْكَره الزِّرَاعَات، ونَهَب المَوَاشِي وغيرها. واتَّصَل الخَبَرُ بآقْ سُنْقُر وهو بحَلَب، وكاتَبهُ السُّلْطانُ بَرْكْيَارُق وخَطَبَ له بحَلَبَ، فجَمَع وحَشَد، واسْتَنْجَدَ بمَن يُجَاوره، فوصَل إليه كَرْبُوقَا صَاحِب المَوْصِل، وبُزَان صَاحب الرُّهَا، ويُوسُف بن أَبَق (c) صاحب الرَّحْبَة في أَلفي فَارِس وخَمْسِمائَة فارس، مُنْجِدين قَسِيمِ الدَّوْلَة على تُتُش، وحصَل الجميع بحَلَب، ووَصَل تاج الدَّوْلَة تُتُش إلى الحَانُوتَة، ورَحَلَ منهِا إلى النَّاعُورة (¬١)، وأغارت خَيْلُه على المَوَاشِي بالنُّقْرَة، وأحْرَقُوا بعض زَرْعها، ورَحَلَ من النَّاعُورَة قَاصِدًا نَحْر (d) الوَادِي؛ وَادِي بُزَاعَا، فتهيَّأ آقْ سُنْقُر للقائه، والخُرُوج إليه، واسْتَدعى مُنَجِّمًا ليأخُذ له الطَّالع فحضَر عندَهُ واخْتَار له وَقْتًا، وقال: تَخْرُج السَّاعَة، فرَكب ومعه النَّجْدَةُ الّتي وَصَلته، وجَمَاعَةٌ كَثِيْرة من بني كِلَاب مع شِبْل بن جَامِع ومُبَارَك بن شِبْل، وكان أطْلَقهما من الاعْتِقَال، ومُحَمَّد بن زَائِدَة، وجَمَاعَة من أحْدَاث حَلَب، والدَّيْلَم والخُرَاسَانيَّة، في أحْسَن زيّ، وأكْمَل عُدَّة. وقيل: إنَّهُ قُدّر عَسْكَره بعشرين ألف فارس، وقيل: كان يَزِيدُ عن ستّة آلاف، وقصدَ تاج الدَّولِة يَوْم السَّبْت (e) التَّاسع من جُمَادَى الأُوْلَى من السَّنَة، وقَطَع آقْ سُنْقُر سَوَاقي نَهَر سَبْعِين قَاصِدًا عَسْكَر تُتُش، فأقامُوا على حالهم، وكان أوَّلَ من بَرَز للحرْب آقْ سُنْقُر، فالْتَقَى الفَرِيْقان.ولم يثق آقْ سُنْقُر بمَن كان معه من العَرَب، فنَقَلهم من المَيْمَنَة إلى المَيْسَرة في وَقْت المَصَافّ، ثمّ نَقَلهُم إلى القَلْب، فلم يغْنُوا شيئًا، وحمل عَسْكَر تُتُش على عَسْكَر آقْ سُنْقُر، فلم يثْبت، وانْهَزَمت العَرَبُ وعَسْكر كَرْبُوقَا وبُزَان -وكَرْبُوقَا وبُزَان معهم- إلى حَلَب، ووَقَع فيهم القَتْل، وثَبَت قَسِيم الدَّوْلَة، فأُسِر وأكْثَرُ (a) أصْحَابه، وحُمِلَ إلى تاج الدَّوْلَة تُتُش، فلمَّا مثَل بينَ يَدَيْهِ أمَرَ بضَرْب عُنقه وأعْنَاق بعض خَواصِّه ودخَل تُتُش إلى حَلَب ومَلَكها على ما نَذْكُره في تَرْجَمَتِهِ (¬١) إنْ شَاءَ اللَّهُ. وبَلَغَني أنَّ تاج الدَّوْلَة تُتُش قال لقَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر لمَّا أُحْضر بينَ يَدَيْه: لو ظفرتَ بي ما كُنْتَ صَنَعْت؟ قال: كُنْتُ أقتُلك، فقال له تُتُش: فأنا أحْكم عليك بما كُنْتَ تَحْكُم عليَّ، فقتلَهُ صَبْرًا. وقَرأتُ بخَطِّ بعض الحَلَبِيِّيْن أنَّ السُّلْطانَ مَلِك شَاه ابن العَادِل وصَل -يعني إلى حَلَب- في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين، فتسَلَّم البَلَد والقَلْعَة، وسَلَّمهما إلى قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، فأقَامَ بحَلَب ثَمان سنين فقُتِل بكَارِس من أرْض النُّقْرَة؛ نُقْرَة بَني أَسَد في صَفَر سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، قتَلَهُ تاج الدَّوْلَة تُتُش ابن العَادِل. وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ في تَارِيْخهِ (¬٢): في جُمَادَى الأُوْلَى -يعني سَنَة سَبْعٍ وثمانين- كان المَصَافُّ بين تاج الدَّولَة تُتُش وبين الأَمِيرَين (b) آقْ سنْقُر وبُوْزَان ومَنْ أمَدَّهمُا بهِ بَرْكْيَارُوق قَريبًا من حَلَب، فلمَّا الْتَقَى الصَّفَّان اسْتأمن ابن أبَق إلى تُتُش وانْهَزَم الباقُون، وأسِرَ آقْ سُنْقُر، فجيء به إلى تُتُش، ففال له تُتُش: لو ظفرت بي ما كُنتَ صَانِعًا فيَّ؟قال: أقتلُكَ، قال: فإنِّي أحْكُم عليك بحُكْمك فيَّ، وقتلَهُ. قال: وكان آقْ سُنْقُر من أحْسَنِ النَّاسِ سياسَةً، وآمنِهم رعيَّةً وسَابِلةً (a). وقَرأتُ بخَطِّ أبي مَنْصُور هِبَة اللَّه بن سَعْد اللَّه بن (b) الجِبْرَانِيّ الحَلَبِيّ: الصَّحيحُ أنَّ قَسِيم الدَّوْلَة قُتِلَ يَوْم السَّبْت عَاشِر جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وثمان وأرْبَعِمائة. ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بنِ مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ: سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها كانت وَقْعَةُ قَسِيم الدَّوْلَة [آقْ] (c) سُنْقُر وتاج الدَّوْلَة يَوْم السَّبْت تاسع جُمَادَى الأُوْلَى. وذلك أنَّ تاج الدَّوْلَة لمَّا أراد العُبُورَ مُحْتَفيًا ليَمْضي إلى خُرَاسَان، فبلغَ خَبَرُه قَسِيمَ الدَّوْلَة، فخَرَجَ إليه، فقال لأصْحَابه: الْحَقُوني بحِبَال لِكتَاف الأسْرَى اسْتِصْغَارًا لهم، فقال سُكْمَان بن أُرْتُق: حركش هُم -أي أَرَانب هم (d) -؟ ولَم يَتَمهَّل إلى حين تَصِلهُ خَيْلهُ، فَمضَى واسْتَعْجل، فكَسَره تاجُ الدَّوْلَة بأرْض تُبَّل (e)، وأسَرَه ورَحَلَ من مَوضِع الكَسْرة إلى حَلَب فَملَكَها، واسْتَولَى على المواضع الّتي كانت لقَسِيم الدَّولَة،وجلسَ في قَلْعَة حَلَب، وشَرِب فيها. وأحْضَر قَسِيم الدَّوْلَة، حَدَّثَنَا رُوْمِي بن وَهْب، قال: حَضَرْتُه وقد أحْضَر قَسِيمَ الدَّوْلَة، فدَخل وفي رَقَبته بَنْدُ قبائهِ يُسْحَبُ، فلا واللَّه إنْ أنْكَرتُ من عِزَّة نَفْسه شيئًا ممَّا كُنْت أعْرفه، فما زال يَمْشي حتَّى وقعَتْ عَيْنُه على تاج الدَّولَة، فجلسَ وأدَارَ ظَهْرَهُ إليه، فسَحَبُوه وكلَّمُوه، فما رَدَّ جَوَابًا ولا تحرَّكَ. فقام إليهِ تاجُ الدَّوْلةَ فكلَّمه، فلم يردّ له جَوَابًا مَرَّتَين أو ثلاثةً، فضربَ رَقَبَتهُ بيده، وقَطَع رأسَهُ فطِيْفَ به البِلَاد وحُمِلَت جُثَّتُه فدُفِنَت عند مَشْهَد قَرَنْبِيَّا (a)، وبَقي لَيْلتَين. وسار تاجُ الدَّوْلَة إلى خُرَاسَان، وبقي قَسِيم الدَّوْلَةِ في قَبْره، وقد طُوِّف برأسِه إقْلِيْمِ الأرْض من الشَّام، من سَنَة خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَة ستٍّ وعشرين، إلى حين وَلّى السُّلْطانُ والخَلِيفَة المُسْتَرْشِد باللَّه ولدَهُ زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر وهو عمَاد الدِّين، عُدَّة (b) مَلِك الأُمَرَاء بَهْلَوَان جَهَان، عمَّر له مَدْرَسَةً تولَّى أمْرَهَا الشَّيْخُ الأجَلُّ الفَقِيهُ الإمَامُ أبو طَالِب ابن العَجَميِّ، ووَقَف عليها ضَيْعَتين يُسَاوي مُغِلّهما ألف دِيْنار كُلّ سَنَة، وعمر بها عِمارَةً مُعْجِزَةً، ونقَل رمَّتَهُ إليها؛ رأيتُها في سَنَة سَبْعٍ وعشرين ولم تكُن كملَت، وهي تزيد عن الوَصْف، وجَعَلَ قَبْرَهُ قُبَالَة البَيْت المَسْجِد من الشَّمال، وأجْرى إليها قناةَ ماءٍ، وغَرس وسطها، وجَعَل القَبْرَ مثْلَ قَبْر أبي حَنِيْفَة ﵁. هكذا نَقَلْتُ من خَطِّ ابن مُنْقِذ، وفيه أَوْهَام! من جُمْلتها أنَّهُ قال: فكَسَره تاج الدَّوْلَة بأرض تُبَّل. وليس كذلك، بل بأرض سَبْعِين أو كَارِس من نُقْرَة بَني أَسَد. وتُبَّل ليست من هذه الكُورَة، وبينهما مَسَافَة يوم. ومن جُمْلَةِ أَوْهَامه أنَّهُ قال: جلَس في قَلْعَة حَلَب، وضَرَب رقَبَةَ آقْ سُنْقُرفيها. وليس الأمْر كذلك، بل ضَرَب رَقَبته عَقِيب الكَسْرة بسَبْعِين، أو كَارِس، ورُوْمِي بن وَهْب حَكَى له صُوْرة قَتْله، لا أنَّهُ كان بحَلَب، والّذي قَتَله تاج الدَّوْلَة صَبْرًا بحَلَب هو بُزَان صَاحِب الرُّهَا، وكان انْهزَم في هذه الوَقْعَة إلى حَلَب. فلمَّا دَخَلَها تاجِ الدَّوْلَة أحْضَره وقَتله، وقيل: بل أسَرَهُ وحَمَله إلى حَلَب فقتَلَهُ على ما نَذْكرهُ في تَرْجَمَتِهِ (¬١) إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالَى. وقال: بقي قَسِيم الدَّوْلَة في قَبْره من سَنَة (a) خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَة ستٍّ وعشرين. وهذا طُغْيَان من القَلَم، فإنَّ قَسِيم الدَّوْلَة قُتِلَ سَنَة سَبْعٍ وثمانين، وقد ذَكَرهُ كذلك. وقال: عمَّر -يعني ولده زَنْكِي- لهُ مَدْرَسَةً، ووَقَفَ عليها ضَيْعَتين. والمَدْرَسَة لم يُعمِّرِها زَنْكِي، بل عمَّرها سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق، وابْتدأ في عمارتها في سَنة سَبْع عَشرة، واسْمُه وتاريخ عِمَارتها (b) على جِدَارها، لكنَّ قسِيمَ الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر لمَّا قُتِلَ دُفِنَ إلى جانب مَشْهَد قَرَنْبِيَّا بالقُبَّة الصَّغيرة المَبْنِيَّة بالحَجِارَة من غَرْبيّ المَشْهَد، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة بني مَشْهَدَ قَرَنْبِيَّا لمنامٍ رَآهُ بعض أهْل زَمانهِ، ووَقَف عليه وَقْفًا، فدُفِنَ إلى جَنْبه، وعَمر على قَبْره تلك القُبَّة. فلمَّا مَلَك زَنْكِي حَلَب آثَرَ أنْ يَبْني لأبيهِ مكانًا ينقُله إليه، وكانت المَدْرَسَةُ بالزَّجَّاجِين لم تتمّ، وكان شَرَفُ الدِّين أبو طَالِب بن العَجَمِيّ هو الّذي يتولَّى عِمارَة هذه المَدْرسَة، فأشار على زَنْكِي أنْ يَنقُل أَباه إليها فنَقَله، وتَمَّم عِمارَة المَدْرَسَة، ووَقَف على مَنْ يَقْرأ على قَبْره القَرْيَة المَعْرُوفة بشَامَر (¬٢)، وهي جَارِيَة إلى الآن، وأمَّا كَارِس الّتي هي وقْفٌعلى المَدْرَسَة، فأظُنُّها وَقْف سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار. وأخْبرَني أبو حَامِد عَبْد اللَّه بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيِّ، قال: أراد أتَابِكُ زَنْكِي أنْ يَنْقُل أباهُ إلى مَوضِع يُحدِّدُه عليه، ويَلِيْق به، فقال له أبي: أنا قد عَمرت هذه المَدْرَسَة بالزَّجَّاجِين، وسأله أنْ يَنْقل أباهُ إليها ففَعل، واتَّخذ الجانب الشَّمالي تُرْبَة لأبيهِ، ولمَنْ يَمُوتُ من ولده وغيرهم. وحَكَى لي والدي ﵀: أنَّ أتَابِكَ زَنْكِي لمَّا نَقَل أباه من قَرَنْبِيَّا، وأدْخَله إلى مَدْرَسَة الزَّجَّاجِين (a) لَم يُدْخَل به من باب من أبْوَاب مَدِينَة حَلَب، وأَنَّهم رَفعُوه من بعض الأسْوَار ودلُّوه إلى المَدِينَة، لأنَّهم يَتَطَّيرُونَ بدُخُول المَيَّت إلى البَلْدَة. قال لي أبي: ووَقَف زَنْكِي القَرْيَة المَعْرُوفة بشَامَر على تُرْبَةِ أبيهِ آقْ سُنْقُر ﵀. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه مُحَمَّد (B) بن عليّ بن مُحَمَّد العُظَيْميّ (¬١)، وأنْبَأنَا به عنهُ (C) المُؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ وغيره، قال: سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة دَوْلة قَسِيم الدَّوْلَة وَزِيره أبو العِزّ بن صَدَقَة، فيها استقرَّت الرُّتْبَةُ بحَلَبَ للأمير قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُر من قِبَل السُّلْطانِ العَادلِ أبي الفَتْح، وتوطَّدَتْ له الأُمُور بها، وأقام الهَيْبَة العَظِيمَة الّتي لا يقْدر عليها أحدٌ من السَّلَاطين، وأظْهَرَ فيها من العَدْل والإنْصَاف مع تلك الهَيْبَة ما يطُول شَرْحُه. ورَخُصَتِ الأسْعارُ في أيَّامِهِ الرُّخْصَ الزَّائد عن الحَدّ، وقَرَّب الحَلَبِيِّيْن وأحبَّهم الحُبَّ المُفْرِط، وأحَبُّوه أضْعَاف ذلك، وأقامالحُدُودَ، وأحْيا أحْكَام الإسْلَام، وعمَّر الأطْرَافَ، وآمَنَ السُّبُل، وقَتَل قُطَّاع الطُّرُقات، وطَلَبَهُم في كُلَّ فَجٍّ، وشَنَق منهم خَلْقًا، وكُلَّما سَمِعَ بقَاطِع طَريق في مَوضِع قد قَصَدَه، وأخَذَهُ، وصَلَبهُ على أبْوَاب المَدِينَة. وكَثُرت في أيَّامِهِ الأمْطَار، وتفَجَّرت العُيُون والأنْهَار، وعَامَل أهلَ حَلَب من الجَمِيل بما (a) أحْوَجَهُم أنْ يتَوارثُوا الرَّحْمَة عليه إلى آخر الدَّهْر. قال (¬١): وفيها -يعني سَنَة إحْدَى وثَمانين وأرْبَعِمائة- خرَجَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، ﵀، يُوَدَّع تَابُوت زَوْجَته خَاتُون دَايَةَ السُّلْطان أبي الفَتْح (b) ؛ ماتَتْ بحَلَب، وقيل: إنَّهُ جلَسَ وفي يَده سِكِّين، فأوْمأ بها إليها، فوقعَت في مَقْتَل وهوِ غير مُتَعمِّد لها، فماتَتْ في الحال، فوضعها في تَابُوت، وحُمِلَت إلى الشَّرْق، وخرَجَ لوَدَاعها يَوْم الاثْنَين مُسْتَهَلّ جُمَادَى الآخرة. وقال (¬٢): سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها تسلَّم الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَة قَلْعَة أفَامِيَة من يد ابن مُلاعِب يَوْم الخَمِيْس ثالث رَجَب. وشَحَنَ بها بعض بني مُنْقِذ. وقال (¬٣): سَنَة ستٍّ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها فتَحَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر ومعه تاجُ الدَّوْلَة مَدِينَة نَصِيبِيْن يَوْم الاثْنَين ثامن (c) رَبيِع الأوَّل، وقيل: في صَفَر. حَدَّثني بهذا وَالدِي الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد العُظَيْميّ، قال: كُنْتُ مع الأَمِيرِ قَسِيم الدَّوْلَة في هذا الفَتْح.قال: وفيها شَرَّقَ قَسِيمُ الدَّوْلَة، ﵀ (a)، إلى بَغْدَاد إلى عند السُّلْطان بَرْكْيَارُق (b) بن أبي الفَتْح. وعاد إلى حَلَب في شَوَّال سَنَة ستٍّ وثَمانين. قال (¬١): سَنَة سَبْعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وكان قَسِيمُ الدَّوْلَة عاد إلى حَلَب والْتَقَى هو وتاج الدولة، فكَسَر تاجُ الدَّوْلَة قَسِيمَ الدَّوْلَة وقَتَله على نَهْر سَبْعِين شَرْقيّ حَلَب سَابِع جُمَادَى الأُوْلَى. وقيل: يَوْم السَّبْت تاسع جُمَادَى الأُولَى، وأصْبح تاجُ الدَّوْلَة يَوْم الأَحَد على حَلَب ومعه رأسُ الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَة، ﵀، فتسلَّم تاج الدَّوْلَة مَدِينَة حَلَب العَصْر من (c) يَوْم الأَحَد عاشر جُمَادَى الأُوْلَى، وتسلَّم القَلْعَة يَوْم الاثْنَين، وقُتِلَ مع قَسِيم الدَّوْلَة، ﵀، أرْبَعة عَشر مُقَدَّمًا منهم تختكِيْن (d) شِحْنَة بَغْدَاد، وقْجْقر شِحْنَة حَلَب، وطُغان، وإِسْرَائِيل، وقُتِلَ بحَلَب غُلَامه طُغْريل (e)، وله حِكايَة مَعْرُوفة، وعليّ بن السُّلَيْمَانِيّ، وأخُوه، ومُحَمَّد البُخاريّ الّذي قفَز على أنْطَاكِيَة، وأخواجه أبو القَاسِمِ، والطُّنْدكِيْنيّ مع سُليْمان، والطّرنطاس خاص مَلِك شَاه. وانْهَزَم إلى حَلَب بُزَان وكَرْبُوقَا، ويُوسُف بن أَبَق. فأمَّا بُزَان فإنَّهُ قُتِلَ.﷽ وبه توفيقي