page 2253, entry [814]Open original source
إسْمَاعِيْلُ بن مَفْرُوح (a) بن عَبْد المَلِك بن إبْراهيم، أبو العَرَب، ويُعْرَفُ بابن مَعِيْشَة الكِنَانِيّ السَّبْتِيّ (¬١) من أهْل سَبْتَة، بَلْدَة بالمَغْرب، وهو من المُلَثَّمَة البَادِيسيِّيْن، أدِيبٌ فَاضِلٌ مُتكلِّمٌ، شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، كاتبٌ بَليْغٌ، قَدِمَ حلَبَ وأقام بها مُدَّةً، ومَدَحَ بها المَلِك الظَّاهِر (b) غَازِي بن يُوسُف. رَوَى عنهُ أبو عَبْد اللَّه بن الدُّبَيْثِيّ الوَاسِطِيّ، والفَقِيهُ عليّ بن ظَافِر بن أبي المَنْصُور الإِسْكَنْدَرَانِيّ. ورَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من شِعْره الخَطِيبُ تَاجُ الدِّين أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن هاشِم خَطِيْبُ حَلَب، وأثْنَى عليه، وقال لي: كان من نَوَادر الزَّمان، وكان على غايةٍ من الفَضْل والعِلْم. قال لي: وخَرَج هَارِبًا من المغْرب ورَكِبَ البَحْر، فرَماهُ الهَوَاءُ إلى اللَّاذقِيَّة، فسَأل عن أقْرَب البِلَادِ إليه، فدُلَّ على حَلَب، فسَار إليها ودخَلَها، ومَدَحَ بها المَلِكَ الظَّاهِر (c) غَازِي. قال لي: وكان على غَايةٍ من الكَرَم والجُوْد، وحَضَرْتُ يَوْمًا معَهُ وهو في حَمَّام النَّطَّاعِين بحَلَب، ورَجُل يُخَاصم نَاطور الحَمَّام على شَاش عَلَم ضَاعَ له في الحَمَّام، وكان على رَأسه بقيَار مُثمن خلعَهُ عليه المَلِك الظَّاهِر (d)، فالْتَفَتَ إليه وقاللهُ: اسْكت فأنا أُقاسمُكَ على البقْيَار الّذي على رَأسِي، فظَنَّ أنَّهُ يَسْخَرُ منه، فقال له: واللَّهِ ما أقُولُ لكَ إلَّا حَقًّا، واسْتَدْعى منه سِكِّينًا وقطَع البقْيَار بينَهُ وبينَه. قَرَأتُ في كتاب بَدَائع البَدَائة تأليف الفَقِيه أبي الحَسَن عليّ بن ظَافِر بن (a) أبي المَنْصُور (¬١)، قال: وأخبَرَني الفَقِيه أبو العَرَب بن مَعِيْشَة (b) الكِنَانِيّ السَّبْتِيّ، قال: أخْبَرَني شَيْخُ من أهْل إشْبِيليَة كان قد أدْرَك دَوْلةَ آل عَبَّاد، وكان عليه من آثار كبَر السِّنِّ، ودَلائل التَّعْمير ما يَشْهَدُ له بالصِّدْق، ويَنْطق بأنْ قَوْله الحَقّ، قال: كُنْتُ في صبَاي حَسَن الصُّورَة، بَدِيْع الخلْقة، لا تلْمحُني عَيْن أحدٍ إلَّا مَلكتُ قَلْبه، وخلَسْت خِلْبهُ، وسَلبتُ لبَّهُ، وأطَلْتُ كَرْبه، فبينا أنا واقفٌ على باب دَارنا، إذا بالوَزِبر (c) أبي بَكْر بن عَمَّار قد أقْبَل في مَوْكب زَجل (d) على فَرَسٍ كالصَّخْرَة الصَّمَّاء قُدَّت من قُنَّة الجَبَل، فحين حَاذاني ورآني، اشْرَأبَّ إليَّ يَنْظُرني، وبُهِتَ يتأمَّلُني، ثمّ دَفع بِمخْصَرةٍ كانت بيده في صَدْري، وأنْشَد: [من مجزوء الرمل] كُفَّ هذا النَّهْدَ عنِّي … فبِقَلْبي منهُ جُرْحُ هُوَ في صَدْرِكَ نَهْدٌ … وَهْوَ في صَدْريَ رُمْحُ أنْشَدَني الخَطِيبُ مُحَمَّد بن هاشِم، قال: أنْشَدَني إسْمَاعِيْل بن مَعِيْشَة أبو العَرَب المَغْرِبيّ لنَفْسِه بحَلَب في المَلِك الظَّاهِر (¬٢): [من الرمل] جَنِّب السِّرْبَ وخَفْ من أنْ تُصَدْ … أيُّها الآمِلُ جُهْدًا أنْ يَصِدْ واجْتَنب رشْقَة ظبْي إنْ رَنَا … أثْبَتَ الأسْهُم (e) في خِلْب الكَبِدْ ثُعَليّ الطَّرْف طَائِيّ الحَشَا … مَازِنيّ الفَتْك صَخْريّ الجَلَدْأهْيَفٌ لاعَبَهُ من شَعره … أرْقَم مَاسَ على خُوْطه (a) قَدْ جَادَهَا الحُسْنُ بحقْفَي ردفِهِ … يرذَاذِ الوَرْدِ من تغيْيم نَدْ (b) فانْثَنَتْ غُصْنًا ومن أزْهَارِهِ … بَدْرُ تمّ حَلَّ في بُرْج الفَنَدْ مَنَعَتْهُ عَقْرَبَا أصْدَاغِهِ من … جَنَا لَثْم (c) ومن تَخْمِيْش يَدْ وحُسَامٍ من لحاظٍ خِلْتُه … صَارِمَ الظَّاهر (d) يَوْم المُطَّرَدْ مَلِكٌ قامت له هَيْبَتُه … عوَضَ الجَيْشِ وتكَثِيْر العَدَد خَطَبَ الحَرْبَ فوَلَّى عَقْدَهَا … مُرْهَفَ الهِنْد فأمْضَى وعَقَدْ جَعَلَ المَهْرَ لها خَوْضَ الوَغَا … وطُلًا تقْطَفُ (e) أو كَفًّا تُقَدْ فأَتَتْ عَذْرَاءَ تُجْلَى وأَتَى … يَسْحَبُ اللَّامَةَ ليْثًا ذَا لِبَدْ لبسَ الدِّرْعَ فقُلْنا غُصْنٌ … غَاص في جَدْولِ ماءٍ فجمَدْ أو هِلَالٌ قد ترَدَّى حِنْدِسًا … فبَدَت غُرَّتِه دُوْنَ الجَسَدْ وثَنى الرُّمْحَ فقُلْنا أَرقمًا … طلَبَتْ نُصْرتهُ كَفُّ الأَسَدْ وامْتَطى من طَرْفِهِ ذا حَسَبٍ … مَائِعَ الجلدة سَبَّاحِ العَضُدْ سَابَقَ الأفْلَاك في سُرْعتها … برِهَانٍ فحَوَى سَبْقَ الأمَدْ فأتَى في حلَّةٍ من شفقٍ … طفَت الشُّهْبُ عليها كالزَّنَدْ عَلَّق الفَرْقَد في جَبْهَتِه … والثُّرَيَّا في عذَارٍ فَوْق خَدْ وأرَانا سَرْجُهُ شَمْسَ الضُّحَى … فَحسِبْنَا أنَّهُ بُرْجُ الأسَدْ كَتَبَ إلينا الحافِظُ أبو عَبْدِ اللَّه (f) الدُّبَيْثِيَّ الوَاسِطِيّ (¬١)، قال: إسْمَاعِيْلُ بن مَفْرُوح (a) بن عَبْدِ المَلِك بن إبْراهيم الكِنَانِيُّ، أبو العَرَب البَادِيْسِيّ المَغْرِبيّ، مَنْسُوبٌإلى بلدَةٍ بالمَغْرب تُسَمَّى بادِيْس، شَابٌّ فَاضِلٌ كاتبٌ، لهُ مَعْرفَةٌ حَسَنةٌ بعِلْم الكَلَام والأدَب، وله شِعْرٌ جَيِّدٌ، قَدِمَ بَغْدَادَ، وأقامَ بها، وتَكلَّم مع جَمَاعَةٍ من أهْلها في عِلْم الكَلَام، وجَالَسَ العُلَمَاءَ، وناظَرَ، وانْحَدَر منها إلى وَاسِط، ولَقِيتُه بها، وسَمِعْتُ منه قَصَائِدَ من شِعْره وأنَاشِيْد لغَيْره، وصار منها إلى البَصْرَة، وتُسْتَر، وعاد إلى بَغْدَاد ثمّ تَوَجَّه إلى بلَدِه فأدْركَهُ أجَلُهُ قبل وُصُولهِ إليه، ويُقالُ: قُتِلَ في طَريقِه، واللَّهُ أعْلَمُ. كذا قال ابنُ الدُّبَيْثِيّ: مَنْسُوبٌ إلى بَلْدَة بالمَغْرب تُسَمَّى بَادِيسْ! وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، وبَادِيسْ اسْم رَجُل يَنْتسب إليه جَمَاعَةٌ من المُلَثَّمة، وفيهم مُلُوكٌ منهم: تميْم بن بَادِيسْ، وهذا سَبْتِيٌّ وبَادِيسْ الّتي هي المَدِينَة ليس هذا منها، واللَّهُ أعْلَمُ. قال لي الخَطِيبُ أبو عبد الرَّحْمن بن هاشِم: سار أبو العَرَب بن مَعِيْشَة إلى بَلَد الرُّوم، ثمّ عاد منه، وصَعدَ إلى مِصْرَ في سَنَة خَمْسٍ وثَمانين وخَمْسِمائَة، فوجَد فيها الحَكِيمَ أبا مُوسَى اليَهُودِيّ، وكان قد أهْدِر دَمُهُ في بلادِ المَغْرب لفسَادٍ ظَهَرَ منه، فاصْطَنَعهُ أبو العَرَب وهَرَّبَهُ منها، فنَمى خَبَرُه إلى مَلِك المَغْرب، فطَلَبَ أبا العَرَب، فهَرَبَ وحصَل في نَفْس أبي مُوسَى منه شيء، فرَشَى إنْسَانًا بمالٍ جَزِيْل، فترك أبا العَرَب على شَاطِئ النِّيْل وأتَاهُ من خَلْفه فضَرَبَهُ بخَشَبَةٍ عَظِيمَة، فسَقَطَ في النِّيْل فمات. قال لي (b): وقيل: إنَّما فَعَل به أبو مُوسَى اليَهُودِيّ هذا لأنَّ أبا العَرَب كان عرفَ من حَالِه أنَّهُ أسْلَم في بلادِ الغَرْب، وحَفِظ القُرْآنَ، فشَهد عليه بذلك، وأرادَ إقامَةَ البَيِّنَةِ (c) عليه، ففَعَل به ذلك.