page 1349, entry [464]Open original source
أحمد بن مَسْعُود بن مُحَمَّد، أبو العبَّاس الأنْصَاريُّ الخَزْرَجيُّ القُرْطُبِيُّ الشَّافِعيُّ (¬٢) تَفَقَّهَ على مَذْهَب الشَّافِعيِّ، وكان مُتَفَنِّنًا في عدَّةٍ من العُلُوم، عَارِفًا بالحِسَاب والفَرَائِض، عَالِمًا بتَفْسِير القُرْآن العزيز والقِرَاءَات والحَدِيْث والأُصُول واللُّغَة والنَّحو والعَرُوض وأنْوَاع الأدَب، وكان يَنْظم شِعْرًا جَيِّدًا، وسَافَرَ إلى بلاد الهِنْد،وجَالَ في الأقْطَار، وقَدِمَ صلَبَ سَنَة ستِّمائة، ثمّ سَكَن دُنَيْسَر، ودرَّس بها الفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعي، ﵁، بالمَدْرَسَة الشِّهَابيَّة، وأقام بها إلى أنْ مات. وكان له مُصَنَّفات حَسَنةٌ مُفِيْدَة، منها: كتاب في عِلْم الأُصُول في ثماني مُجَلَّدات سمَّاهُ تَقْريب المطَالِب، وكتاب القَوانِيْن في أُصُول الدِّين، وكتابٌ في النَّحو، وكتابٌ سمَّاهُ الاخْتِيَار في عِلْم الأخْبار. رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره أبو الفَتْح مَسْعُود بن أبي الفَضْل النَّقَّاش الحَلَبِيّ الشَّاعر، وكان بينهما مُقارضَة بالشِّعْر، وأنْشَدَهُ بحَلَب، وأبو الحَسَن عليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد الصَّفَّار المَارِدِيْنِيّ الشَّاعر، وأبو حَفْص عُمَرُ بن الخَضِر (a) بن أَلَلْمَش الدُّنَيْسَرِيّ. قال أبو الفَتْحِ مَسْعُود بن أبي الفَضْل النَّقَّاش الحَلَبيِّ الشَّاعر - ونَقَلْتُه من خَطِّه أو من خَطِّ منْ نَقَلَهُ عنهُ -: أنْشَدَني أحْمَد بن مَسْعُود الخَزْرَجيّ لنَفْسِه في يَوْم الخَميس الحادي عَشر من رَبيع الآخر سَنَة ستِّمائة بِظَاهِر حَلَب (¬١): أُعانِقُه غُصْنًا وألْثَمُهُ بَدْرًا … وأرْشُفُ وَهْنًا من لُمَى فَمِهِ خَمْرَا وأَهْصِرُ منهُ حينَ تَثْنيْهِ نَشْوَةً … تَهادَتْ بهِ تْيهًا ومَاسَتْ به سُكْرا بتمثَالِ نُوْرٍ في ظَلَامِ ذَوائبٍ … إذا ما تَوَارَتْ شَمْسُه أطْلَعَ البَدْرا ومنها (¬٢): ونَمَّتْ بنا في اللَّيْل أنْوارُ وَجْهِهِ … فَمدَّ علينا من ذَوَائبهِ سِتْرَاومن شِعْره ما قرأتُه في دِيْوان شِعْر أبي الفَتْح النَّقَّاش الحَلَبيّ، قال: وكتَبَ إليهِ الشَّيْخ وَجِيْهُ الدِّين أبو العبَّاس أحْمَدُ بنُ مَسْعُود بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ عندَ قُدُومهِ من الهِنْد ونُزُولهِ بِظَاهِر حَلَب بعد إقَامته أيَّامًا لا يَرَاهُ لاشْتِغَالهِ بتجَارته في سَنَة ستِّمائة هذه الأبْيَات: أبا الفَتْح تَاج الدِّين لا تنْسَ وُدَّنا … هَلُمَّ نُجدِّدْ بالتَّذكُّرِ عَهْدَنا فقد كادَ قَلْبي أنْ يَطيرَ بقَالبي … إليك اشْتِيَاقًا فاشْفِ بالوَصْل وَجْدَنا وإنْ لم تكُن في الوَصْلِ شَمْسًا لعائقٍ … فكُن فيهِ بَدْرًا واطْلُع اللَّيْلَ عندَنا فقال في جَوابهِ، ولم يَذُكر الأبْيَات. أنْشَدَني أبو السَّعَادَاتِ المُبارَك بن حَمْدَان المَوْصِلِي، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن عليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الصَّفَّار الكَاتِب الشَّاعر المَارِدِينيّ (a) بإرْبِل، قال: أنْشَدَني أبو العبَّاس الخَزْرَجيّ لنَفْسِه (¬١): وفي الوَجَناتِ ما في الرَّوْض لكنْ … لرَوْنَق زَهْرِها مَعْنىً عجَيبُ وأعجَبُ ما التَّعَجُّبُ منهُ أَنِّي … أرَى البُسْتَانَ يَحْمِلُهُ قَضِيْبُ وأنْشَدَني أبو السَّعَادَاتِ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن، قال: أنْشَدَني أبو العبَّاس من شِعْره (¬٢): يا ظَبْي سِنْجَار أمَا تَرْثي لمن … قد صَارَ من أجْلِكَ في كفِّ الأَجَلْقد كَانَ مَشْغُولًا بدَرْس (a) عِلْمِهِ … فاليَوْمَ لا عِلْمٌ بقي ولا عَمَل ومن جَيِّد شِعْره قَوله، ورَوَاهُ النَّقَّاشُ عنهُ (¬١): [من مجزوء الكامل] رَاضٍ بحُّكمُ هَوَاك وَاجِدْ … فعَلَامَ أنْتَ عليَّ وَاجِدْ ما كانَ لي ذَنْبُ سِوَى … أنِّي سَهرْتُ وأنْتَ رَاقِدْ نَقَلْتُ من خَطِّ أبي حَفْصٍ عُمَر بن الخَضِر بن ألَلْمَش بن الدِّزْمِش (b) التُّرْكيِّ المُتَطَبِّب الدُّنيْسَرِيّ في كتابه الّذي وَسَمَهُ بحلْيَةِ السَّريّين من خَوَاصّ الدُّنيسَرِيِّيْنَ (¬٢)، قال في ذِكْر أبي العبَّاس الخَزْرَجيّ: هو أوَّلُ مَنْ درَّسَ بالمَدْرسَة الشِّهَابيَّة بدُنَيْسَر، فَقِيْهٌ فَاضِلٌ مُفَنَّنٌ، عَارِفٌ بكَثِيْر من عُلُوم (c) الأُصُول والفِقْه والنَّحو وسَائر الآدَاب، شَهِدَ لهُ بذلك جَمَاعَةٌ من العُلَمَاءِ. قال (٤): قال لي أبو مُحَمَّد بن عِرْبِد النَّحْوِيّ: كان أبو العبَّاسِ، ﵀، حَدِيدَ النَّظَر، سَدِيْدَ الفِكْر، عَجَيْبَ الفِقَر، غَريب السِّيَر، حَسَنَ التَّبَحُّرِ في العُلُوم، سَليمَ التَّصَوُّر فيما يُبْدي من المَنْثُور والمَنْظُوم، جَيِّد الفَكَاهَة، مُتَزيَّد النَّزَاهَةِ، لطيفَ الشَّمَائِل، طَرِيفَ المخَايل، لَم أرَ في عُلَماءِ عَصْره ومَعْشَره أتَمَّ من بَحْثهِ، ولا أدَقَّ من نَظَره. ولهُ (¬٣) تَصَانِيْف في فُنُون كَثِيْرة، وشِعْر كَثير، ولم يَظْهر له عندنا سَمَاعُ حَدِيثٍ على طَريق الرِّوَايَةِ البتَّة، بل كان يَذْكُر لنا أنَّ له سَمَاعَاتٍ كَثِيْرة، وقدأنْشَدَني كَثيرًا من شِعْره (¬١). ثمّ قال: وتُوفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى في سَنَة إحْدَى وستِّمائة بدُنَيْسَر، ودُفِنَ بالمقبَرَة القِبْليَّة بها.